اغتيالات "صغيرة" داخل انهيارات مصيرية

السبت 26 فبراير 202210:44 ص

بينما كان يُعِدّ أطراف البيت الشيعي العراقيون المنضوون في إطار تنسيقي يرعاه "فيلق القدس" الحرسي الإيراني العدة لإعلان مبادرة حلّ تُنهي الخلاف بين الفرضيتين أو العصبيتين الصدرية والمالكية-الخزعلية، اغتيل في العاشر من شباط/ فبراير شخصان في قلب مدينة ميسان الإداري، عاصمة محافظة العمارة بجنوب العراق، وسبق اغتيالهما مقتل أحد قادة "سرايا السلام"، منظمة المسلحين الصدريين، في المدينة نفسها.

الأهل والوظيفة

وقُتل في الأثناء، وفي المدينة، "قاضٍ رفيع"، على وصف الوكالات، هو رئيس "الهيئة القضائية" الناظرة في قضايا المخدرات وتجّارها وموزّعيها. وافتتح الشهر إرداء رائد في قوى الأمن، يسبق تعريفه الأهلي تعريفه الوظيفي، فهو شقيق أحد أنصار (يكتب صحافي: "أتباع") قيس الخزعلي، قائد "عصائب أهل الحق"، المنشقّة عن "جيش المهدي"، "والد" "سرايا السلام". وجاء قتل القائد الصدري رداً على قتل الرائد، شقيق القائد "العصائبي". وعلى المثال نفسه، والعين بالعين، هجم مسلحون على منزل الشيخ إبراهيم القطبي، الصدري، غداة اغتيال القاضي.

وبينما اغتيل الرائد، الموظف الرسمي، بالمسدس وخفيةً، قُتل شقيقه علناً، إذا جاز القول، في حراك 2019 وتظاهراته، وقتلته، في ميسان، جموع المتظاهرين المنكرين على السلطات الأمنية المتواطئة، وعلى أنصار الجماعات المسلحة الحاكمة والولائية الموالية لمراكز قوى إيرانية، قنص متظاهرين وخطفهم وتغييبهم، وحماية قنصليات الدولة الإيرانية في محافظات الجنوب، الشيعية في معظمها.

السابقة الكبيرة

والحق أن دلالة صور اللحظة هذه لا تنعقد إلا إذا أُدرجت في ملابساتها المتشابكة، وفي الزمن الذي يتجاوز الأسبوع والشهر أو السنة، أي الوقت الذي التُقطت الصور فيه. والوقوف عندها، واختيارها موضوعاً للنظر، دعا إليه، أو أملاه تداخلها مع الملابسات التي تحف بها، وتكرارها سوابق كثيرة.

والسابقة العراقية الكبيرة التي تنطوي على أشباه كثيرة تعود إلى سنتي الحراك العراقي المديني في الوسط والجنوب، في 2019- 2020/2021. والاغتيالات الأخيرة تصدر كلها، من طرف أو آخر، عن وقائع الحراك وحوادثه، ونشأت في ثناياه. فهو جمع في سياق متصل ومترابط- من حيث الشعارات والمطاليب ومواقف الحراكيين وإخراج المشاهد الدرامي والتوقيت...- معظم المنازعات والخلافات والتطلعات التي تمخّضت عنها أعوام الاحتلال الأميركي (2003- 2011)، غداة إسقاط صدام حسين، وأعوام حكومتي "الدعوة" ونصف حكومتها الأخيرة والمقنّعة.

فإلى أنقاض الجماعات والإدارات والاقتصادات والدويلات والأحزاب التي خلّفتها "القيادة" المجيدة، أضاف "النظام" الجديد علاته وأمراضه. فهو وُلد من تواطؤ الغزو الأميركي المضلِّل والمضلَّل مع دولة إيرانية تترجح بين جموحٍ إمبراطوري وبين عقلنة جمهورية حابية، ومع طاقم حاكم اقتصرت آدابه السياسية على التربص والاغتيالات وضيافة وفتنة على جيران يسنّون الأنياب والأظافر.

وحين نصّب الطاقم هذا حاكماً على العراقيين انصرف إلى لمّ الخردة والفتات، في أرضها ومن غير تكلّف تصنيعها. ودعا "الرعايا" إلى الحذو حذوه، والقناعة من استعادة العراق، وصدارته وتنوعه ومحوريته وثرواته، ببقايا الغنيمة البائتة: سمسرات على السرقات، وتزوير المناقصات، ورشوة هيئات التحكيم، وجباية العمولات على التهريب وتكثير مرافقه، والاستحواذ على نفقات موظفين ومجنّدين طيفيين. وكان هذا الشق الاقتصادي من سياسة لا قيد على تشرذمها وتفتتها، ولا على حدّة عداواتها وولاءاتها وعنفها الجهير والفظ.

"منحرفون" و"منحرفات"

وتظاهر المحتجون المدنيون والمدينيون والشباب والمتعلمون، والأرجح أن معظمهم من الشيعة ومن أنصار الأحزاب الشيعية المسلحة في أول أمرهم، واعتصموا في الساحات، ونصبوا الخيم فيها، واختلطوا وهتفوا وخطبوا وناموا وطبخوا وأكلوا وغنّوا ورقصوا ودبكوا، ودخّنوا كثيراً. وامتد حراكهم وفشا في عواصم المحافظات ومدنها الكبيرة. فكان رد جواب "الأحزاب"، وهي تسمي نفسها "عصائب" و"كتائب" و"سرايا" و"جيوشاً"، أي أسماء حربية، نفي الصفات السياسية والوطنية والأخلاقية "السويّة" عن المحتجين. وصوّرتهم في صورة المنحرفين (والمنحرفات) العقليين والاجتماعيين، الساعين (والساعيات) في إشباع غرائز ونوازع فردية ومتمرّدة على الأعراف والتقاليد.

في العراق، تظاهر المحتجون المدنيون والمدينيون "فكان رد جواب ‘الأحزاب’، وهي تسمي نفسها ‘عصائب’ و‘كتائب’ و‘سرايا’ و‘جيوشاً’، أي أسماء حربية، نفي الصفات السياسية والوطنية والأخلاقية ‘السويّة’ عن المحتجين"

وأردفت بالصورة الأولى هذه، ودورها هو نفي مضمون السياسة، وجدّها واعتبارها، عن الحراك وأصحابه، ونزع صفة المعارضة ابتداءً عنهم، صورة أخرى. فألحقتهم عنوة، ومن غير دليل سوى أقوال بعض السفراء والمبعوثين الدوليين والديبلوماسيين الأجانب في مديح علانية الحراك وأهله، بالسفارات الغربية. وهذه إضافة قديمة خَبِرتها السجالات الإعلامية والدعاوية العربية منذ ذر قرن الخلافات القبلية، وجدد "إعلام" أصفر محدث، لبناني وغير لبناني، خبثها المميت. وسوّغ هذا الإلحاق، الملحّ والخطابي، وصم الحراك بالمصائب التي خلّفها على العراقيين صدام حسين وجورج بوش الأب وجورج بوش الأبن وباراك أوباما وأبو بكر البغدادي وأبو إبراهيم القرشي...، مجتمعين متكافلين ومعجونين من طينة واحدة.

فكان أن قُتل من الحراكيين، وممن هم على ضفاف الحراك و"أريافه" قريباً من ستمئة قتيل. قُتل هؤلاء، وفيهم طلاب ومدرّسون وأطباء ومحامون ورواد مقاهٍ وسعاة بريد وهتّافون وإعلاميون وكتبة بيانات وموزعوها وقراؤها ومتطوّعو إعداد طعام ومعمّرو أرجيلة ومنشدو مجالس عزاء وحُداة قتلى الثارات... قُتلوا غيلة وقصداً، في ساحات الاعتصام وعند منصرفهم منها وعودتهم إلى منازلهم، وهم يديرون محرك سيارتهم صباحاً ويركنونها مساءً، وهم محمولون على أكتاف المتظاهرين أو يطلّون من نافذة "المطعم التركي"، يرتشفون القهوة على باب الخيمة أو يستقبلون زائراً صديقاً طال غيابهم عنه.

أبواب القَتَلة

والقتلة أصناف متفرّقة. والأرجح، على قول أصحاب القتلى ورفاقهم وشهود مصارعهم، أن معظمهم من قوى الأمن والشرطة، والقوات العسكرية. وهؤلاء أوكلت بهم وإليهم حماية المعتصمين من متظاهرين حزبيين مناهضين ومعادين ندبتهم أحزابهم وشيعهم المسلّحة إلى إجهاض الحراك، والاقتصاص من ناشطيه ووجوهه "المُلهِمة"، على وصف سائر. ويُفهم انقلاب الحماة والحرس إلى متربّصين وقتلة إذا عُرفت مصادر المجنّدين في السِلْكين، الأمني والعسكري.

فالكثرة (الكاثرة) منهم جزء من "الكوتا" الحزبية. وهي الحصة من الموظفين، المنسوبين على قول العراقيين، التي تقرّ الحكومات المتعاقبة بحق الجماعة الحزبية في تسديد الدولة راتباً لهم من الخزينة الوطنية. وتتولى الجماعة المنظمة تسميتهم وتزكيتهم. ويدخل هؤلاء الأسلاك المتفرقة، الإدارية والخدمية والأمنية والفنية، مثقلين بانتماءاتهم وأنسابهم الأهلية، وبالولاءات الناجمة عنها، والآسرة على رغم صفة الدولة المفارقة "المكونات"، والمتعالية عنها. و"الدفاع" عن الموصل في وجه "الدولة"، في صيف 2014، من إنجازات هذا التدبير الساطعة.

"تمثيل المكوّنات (العراقية)، عدداً وثقلاً نوعياً، في صلب أجهزة الدولة، والأمنية الداخلية والدفاعية منها، لا يشبع الشهوة الحزبية لاستدخال الأجهزة (التغلغل فيها)، ولا للتذرّع بها وبصفتها القانونية والمشروعة، وتنفيذ الجرائم الحزبية والأهلية والخاصة من وراء ستارتها"

وتمثيل المكوّنات، عدداً وثقلاً نوعياً، في صلب أجهزة الدولة، والأمنية الداخلية والدفاعية منها، لا يشبع الشهوة الحزبية لاستدخال الأجهزة (التغلغل فيها)، ولا للتذرّع بها وبصفتها القانونية والمشروعة، وتنفيذ الجرائم الحزبية والأهلية والخاصة من وراء ستارتها. فبعض الضحايا قتلهم حزبيون من غير "منسوبي" الأجهزة الحكومية، أو خارج أوقات عمل وظيفتهم أو "خدمتهم" المقررة. واندسّ مسلحون، حزبيون، في صفوف القوى النظامية، وضلعوا في الاغتيال من غير رادع.

ولا شك في أن بعض القتلة مجرمون "عامون" أو مجرمو "الحق العام"، على ما يسميهم المصطلح القضائي الفرنسي، أي عاديون، حملتهم على القتل العمد مصالحهم أو ثاراتهم الشخصية. وقاضي قضايا المخدرات القتيل، في ميسان، قد يكون من ضحايا الباب الأخير في القتل، وقرينة على كثرة الدواعي إليه، وعلى انتهاز فرصٍ "سياسية" في سبيل الإقدام عليه.

والخليط الظرفي من نزاعات وخلافات سياسية واجتماعية كثيرة الوجوه والأطراف والخصوم، ومن منافسة على المصالح والعوائد والشراكات والحمايات، يعمّي على وكلاء القتل وعلى الأصيلين الآمرين، على حد سواء. فبين قتلى الحراك، وبعضهم قُتل من غير أن يكون حراكياً أو ناشطاً، "صدريون" اغتنم خصومهم السياسيون أو الشخصيون فرصة زيارة إلى ساحة اعتصام أو تظاهرة وقتلوهم.

ولا يبرأ صدريون من تهمة اغتيال مشاركين في الحراك، أنكروا عليهم سلوكاً جنسياً لم يحتملوه أو شبهة سلوك. وقُتل في خضم الحراك، وعلى جنباته، مثليون ومثليات، أو نُسبت إليهم وإليهن المثلية. وقُتل موزّعو مخدرات بعضهم يعمل في إطار تجارة منظّمة، وآخرون يصطادون فرصة سانحة. والفروع على الاغتيال السياسي هذه لا تطعن في صدارة صرعى رأيهم وموقفهم السياسيّين المعارضين، وسعيهم في إنشاء معارضة فعلية ترسي الخلاف والانقسام على أركان ومحاور تقبل الجمع والتأليف والصلح، ولا تنفي النزاع ولا تقلل من حقه العاجل أو المؤجل من الاستيعاب والتقسيط والتحكيم.

الحدود والأحكام

يعود الخليط الظرفي والمديد الذي يضرب الاغتيال جذوره في تربته الوطنية والاجتماعية ويتجدد ويأمن المحاكمة، إلى استحالة ترتيب الفاعلين السياسيين على مراتب واضحة ومعروفة، وإلى ضياع أو امّحاء الحدود بين "القضايا". فحين يسع أبو علي العسكري، المسؤول الأمني لكتائب "حزب الله العراق"، القول إنه لن يتنازل عن سلاحه إلا لإمام الزمان، على ما قال المدعو فعلاً، ولا حق لمَن تنصّبه الانتخابات والقوانين مشرعاً، أو والياً (حاكماً)، أو عاملاً (على مصلحة أو مرفق)، في طلب الانقياد لأمره، يصبح تمييز رأي "أبو علي" في مهاجمة مطار في أربيل أو في ضاحية بغداد من إرادة أحد أنصاره إنفاذ حكمه بالقتل في متنشق مسحوق هيرويين، أمراً عسيراً أو محالاً.

وذلك أن مرجع الاقتصاص باليد ومباشرةً ممن "ينتهكون" الأوامر والنواهي في المسائل كلها، من أحكام الطهارة والنكاح إلى "أحكام" الحرب والصلح الدولية والإقليمية والوطنية، هذا المرجع يهتز تعيينه وتعريفه في أوقات الأزمات الحادة كتلك التي تعصف بمعظم بلداننا ومجتمعاتنا. ويستتبع انهيار الدولة- وهو لا يقتصر على تفكك القوات المسلحة والشرطة، وعلى انفراد أجهزة الأمن والاستخبارات بالسطوة المتعسفة، على ما تزعم الديكتاتوريات المزمنة، بل يتطاول الانهيار إلى موازين المعاملات ومعاييرها المعلنة والمضمرة معاً- (يستتبعه) دخول الطبقات الاجتماعية بعضها في بعض، وتلاشي معالمها، وانحلالها إلى جماعات مائعة.

فتقتتل الجماعات، أو يهادن بعضها بعضاً، وتتنقل بين العداوة والمسالمة بناء على ذرائع متقلبة ومتناقضة. ويَجمع أفراد الجماعات، المتذررين ذرات، بين التصوّف المتألّه، الديني الملّي، أو القومي العنصري، وبين السعي الخسيس في المنفعة الضيقة، من غير حرج. ويختلط أخص الخاص بأعم العام. وتنكفئ الجماعات الجزئية على معتقداتها وتحملها على مطلق لا يتسع لاجتهاد أو تباين. ولا تتماسك الجماعات إلا بواسطة الحرب. فتقيم على مجتمع حرب تسوده أحكام طوارئ، مضمرة ومرتجلة.

ألم تكن هذه العلامات على دنو قيام الساعة ولائحة أشراطها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard