الحليف أم المصلحة؟... الجزائر تبحث عن إجابة رابحة في الصراع الغربي الروسي

الثلاثاء 26 يوليو 202205:42 م


منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022، ظهرت أسئلة عديدة حول موقف الجزائر من الحرب في أوكرانيا، لأسباب سياسية لها علاقة بالعلاقات الجزائرية- الروسية، المرتبطة بميراث تاريخي وحسابات جيوسياسية وعسكرية وأخرى تتصل بالطاقة، وعما إذا كانت الجزائر سترجح كفة المصلحة الاقتصادية على حليفتها التاريخية موسكو. 

ومع مرور الوقت، تبين أن الحرب في أوكرانيا أفرزت خريطة تفاعلية جديدة مقسمة إلى ثلاث كتل: الكتلة الأولى نواتها حلف الناتو تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ويدعم هذا القسم طبعاً أوكرانيا، تقابلها كتلة ثانية تضم الدول الوحيدة التي دعمت روسيا صراحة وهي كوريا الشمالية وبيلاروسيا وسوريا، أما الكتلة الثالثة فالتزمت الحياد وإن شكلياً، وضمن هذه المجموعة الصين والجزائر.

وفي خضم الصراعات والتناحر بين روسيا والغرب الذي بلغ مستوى غير مسبوق منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وأزمة الطاقة العالمية، والعقوبات الدولية خلال الحرب الروسية الأوكرانية من قبل عدد كبير من البلدان ضد روسيا، غصّت الجزائر برؤساء الدول والحكومات بشكل غير مسبوق، وهو ما يقرأه البعض على أنه تحرك دبلوماسي من أجل تأمين المصلحة الاقتصادية، لكن وفق تنسيق ضمني بين الجزائر وموسكو إزاء ضخ الاحتياجات الأوروبية.

خبير في العلاقات الدولية: "روسيا تعرف الجزائر وتفهم جيداً أن هذه المرحلة هي مرحلة اقتناص الفرص، والكل يسعى نحو مصالحه"

واستضافت البلاد وفوداً أجنبية متعددة، بينها رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي الذي حظي باستقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وقبله زار وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وأجرى مباحثات مع نظيره رمطان لعمامرة ورئيس الجزائر، دون أن ننسى زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين للبلاد وهي الأولى من نوعها منذ 22 عاماً.

اقتناص الفرص

في هذا المضمار قال لرصيف22 عدلان محتالي، الباحث الجزائري في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية: "روسيا تعرف الجزائر وتفهم جيداً أن هذه المرحلة هي مرحلة اقتناص الفرص، والكل يسعى نحو مصالحه والجزائر تتمتع بالسيادة الكاملة".

ويشرح موقفه: "الجزائر كانت من الدول التي تعرضت للضغوط في بداية التناحر، وفي هذا الإطار أستعرض زيارة نائبة وزير الخارجية الأمريكي، التي كان الهدف منها احتواء الجزائر أو استدراجها، غير أن هذه الأخيرة لم تستجب آنذاك لكنها مع الوقت قررت رفع الإمدادات مع تحب هي".

"وهذا ما يعرف في مفاهيم العلاقات الدولية الحديثة بــ Compartimentalization، ومعناه أننا نتعاون في ميادين المصالح المشتركة ونتنافس في ميادين تضارب المصالح، ولا يفسد هذا الود بين الدولتين".

ووفقاً للباحث الجزائري في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية فإن "روسيا من مصلحتها أن يكون من يخفف الضغط على أوروبا دول حليفة لها، بدل أن تقوم دول حليفة لأمريكا بذلك، وهي الإستراتيجية المعروفة في فنون الحرب وحتى السياسة. فمن مصلحة المنتصر أن يترك للمنهزم منفذاً يهرب منه شريطة أن يتحكم في مكان المنفذ وزمانه وحجمه".

"روسيا من مصلحتها أن يكون من يخفف الضغط على أوروبا دول حليفة لها، بدل أن تقوم دول حليفة لأمريكا بذلك، وهي استراتيجية معروفة في فنون الحرب والسياسة. فمن مصلحة المنتصر أن يترك للمنهزم منفذاً يهرب منه شريطة أن يتحكم في مكان المنفذ وزمانه وحجمه"

ويستطرد محتالي: "روسيا فرضت حصاراًً على أوروبا من ناحية الغاز، ومن مصلحتها أن تدفع غرماءها إلى دول تقدم ما تبحث عنه أوروبا أي البدائل الطاقوية، غير أنها تعادي أمريكا ولا تتماهى مع رغباتها وتكفر بالأحادية القطبية، يعني في النهاية، مواقف هذه الدول ستكون في مصلحة روسيا بشكل غير مباشر بسبب تراصف المصالح الكبرى، وهو أحسن من أن تكون البدائل في يد دول تخضع لأمريكا و تستفيد من هيمنتها". وهنا يشير محتالي إلى إيطاليا التي حصلت على زيادات ليس من الجزائر فقط وإنما من أذربيجان أيضاً وهي دولة تخضع لنفوذ روسي كبير.

نائبة وزير الخارجية الأمريكي في الجزائر

وتعيش الجزائر أياماً غير مسبوقة من حيث وضعها المالي، والسبب في ذلك يعود إلى ارتفاع أسعار النفط فوق عتبة 100 دولار أمريكي وعقود توريد الغاز التي أبرمتها مع شركات عالمية وبأسعار جديدة مقابل تهاوي قيمة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) للمرة الأولى منذ 20 عاماً.

يقول حكيم بوغرارة، المحلل السياسي الجزائري لرصيف22: "أعتقد أن الجزائر في خضم الأزمة الأوكرانية وحزمة العقوبات الاقتصادية القاسية على روسيا تتصرف بمنطق تجاري محض وهو ما ثمنته حتى روسيا، وقالت إن الجزائر من حقها التعامل مع أي أسواق طاقوية"، ويرى أن: "الجزائر تأتي على رأس قائمة الدول المستفيدة من الأزمة الأوكرانية اقتصادياً، فهي تعد اليوم من موردي الغاز الأساسيين في السوق الأوروبية".

ويستدل بوغرارة بـ: "رفع الإمدادات إلى شركة إيني الإيطالية من 21 مليار متر مكعب إلى 35 ملياراً، والاتفاق الهام الذي أبرم بين أوكسيدنتال وإيني وتوتال بقيمة أربعة مليارات دولار، إضافة إلى تجديد العقد مع مراجعة الأسعار مع شركة أنجي الفرنسية للطاقة، وتريد تأمين احتياجات دول في شرق أوروبا من الغاز، على رأسها سلوفيينا وقد تتجه نحو إبرام عقود مع ألمانيا لتصدير الغاز المسال، وهي تعول اليوم على اكتشافات ضخمة للنفط والغاز، وتؤكدُ هذه المعطيات استمرار ارتفاع صادرات النفط الجزائري من البترول والغاز خلال العام الجاري".

وحسب مجلة "لوبوان" الفرنسية، فإن الجزائر تسعى جاهدة في الأشهر الأخيرة من أجل إعادة تموضعها في سوق الغاز تحت ضغط مرتفع على خلفية الحرب في أوكرانيا، إذ ضاعفت الجزائر اتفاقيات الشراكة للتنقيب، وارتفعت تدفقات الغاز إلى إيطاليا، ووقعت اتفاقية مع شركة إنجي كما أنها توسعت على المحور الإفريقي لنقل الغاز، وأعادت أيضاً إبرام الاتفاقيات مع توتال الفرنسية.

واعتبرت المجلة أن الجزائر التي أصيبت بالشلل بسبب الإطار القانوني المعطل وقدرات الاستكشاف والإنتاج المحدودة في السنوات الأخيرة، تعمل بنشاط حتى لا تضيع فرصة الأزمة الحالية.

وإذا كان ارتفاع أسعار النفط والغاز، واتساع رقعة الطلب على الغاز، سيصبان في مصلحة الاقتصاد المحلي الذي سيتأثر إيجاباً في الفترة القادمة بسبب المكتسبات الاقتصادية التي حققتها الدبلوماسية الجزائرية، وهو ما سيمنح البلاد استقراراً مالياً ويجعلها في منأى عن الاستدانة من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، فكيف سينعكس على المواطن الجزائري؟.

أولويات مالية

تكشف توقعات رسمية جزائرية بأن يكون 2022 عاماً استثنائياً، إذ من المرتقب أن تصل مداخيل البلاد من النفط إلى نحو 50 مليار دولار بفارق 15 مليار دولار عن 2021 حسب تصريح رسمي صدر عن توفيق حكار، المدير العام لشركة "سونطراك" (عملاق النفط الجزائري)، وأرجع المسؤول الجزائري هذا الارتفاع إلى الزيادة الكبيرة في أسعار النفط الجزائري (مزيج صحاري بلند) بنسبة تقدر بـ 68 بالمائة نهاية مايو/ آيار الماضي، مقارنة بالفترة ذاتها من 2021.

يصف خبير الشؤون الاقتصادية سليمان ناصر هذا الرقم بـ "غير المسبوق" ويقول لرصيف22 إنه "سيجعل البلاد في بحبوحة مالية، وأقترح أن توجه الأموال التي ستحصدها الجزائر من مداخيل النفط لتغطية ثلاثة أمور أساسية تكون مرتبة حسب الأولية".

"تتمثل الأولوية الأولى في تغطية العجز الكبير لموازنة الدولة في 2022 والذي يصل إلى 4195 مليار دينار جزائري أي ما يعادل 30.5 مليار، فمن الضروري اليوم تغطية هذا العجز حتى لا نصل إلى الخيارات الاقتصادية الصعبة والمؤلمة كالاستدانة الخارجية والعودة إلى طباعة الأموال مجدداً، وهو الخيار الذي لجأت إليه في خريف 2017 لسداد الدين الداخلي وسد العجز خلال حقبة رئيس الوزراء المسجون حالياً بتهم فساد أحمد أويحي".

ويضيف: "الوفرة المالية التي ستأتي من ارتفاع سعر برميل النفط وأسعار توريد الغاز الجديدة، تتيح حالياً للحكومة إعادة النظر في نظام الأجور بطريقة علمية ومدروسة، لأن الإجراءات الأخيرة التي أقرتها الحكومة من أجل تحسين أجور موظفي القطاع الحكومي والمتمثلة في خفض الضريبة على الدخل الإجمالي ورفع النقطة الاستدلالية في الوظيفة العمومية لم تثبت نجاعتها بالأخص في ظل موجة غلاء الأسعار الفاحشة التي تجتاح البلاد".

وبإمكان هذه الوفرة وفقاً للدكتور سليمان ناصر أن تنعكس إيجاباً على حركة الاستثمار الداخلي في البلاد، وهو ما تعول عليه الجزائر بشكل كبير، ففي خضم الأزمة التي عاشتها البلاد في أبريل/ نيسان 2020 إذ وصل برميل النفط الجزائري إلى سعر 11 دولاراً للبرميل الواحد اضطرت الحكومة إلى تجميد العديد من المشاريع المهمة في إطار ميزانية التجهيز، فالوضع الحالي يتيح بإعادة بعثها.

وعلى النقيض، يرى فريق آخر من الجزائريين أن السلطات العليا في البلاد أمام تحدي الحفاظ على هذه الأموال وكيفية تسييرها لإنعاش الاقتصاد المحلي المتسم بارتفاع فاتورة الاستيراد والتضخم.

يقول الباحث في الشؤون السياسية، مبروك كاهي لرصيف22: "تتمثل التحديات الداخلية في إعادة صياغة برنامج النمو الاقتصادي، وهل ستسمر الحكومة في استكمال البرنامج السابق الذي انطلق عام 2001 واستمر إلى نهاية حقبة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، أم سيكون مختلفاً".

ويضيف: "الوفرة المالية الحالية تحتم على السلطات العمومية الجزائرية ضرورة مضاعفة الجهاز البيروقراطي باعتماد العديد من المؤسسات الاستشارية ومنح هامش الحرية للمتعاملين الاقتصاديين والضمانات القانونية والإدارية الكافية من أجل تسهيل عملية تسيير الإيرادات المتحققة لصادرات النفط تفادياً لتكرار سيناريو البحبوحة المالية المزيفة التي عاشتها الجزائر في سنوات خلت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard