في الجزائر.. سيارة لك وأخرى للدولة

الجمعة 22 يوليو 202204:30 م

قبل سنوات قليلة، لم يكن المواطن الجزائري يعلم أن الحصول على سيارة سيتحول إلى حلم صعب المنال، بعد أن أصبح ملف السيارات في الجزائر، مُغلقاً ومعقداً وشائكاً وتزداد تعقيداته يوماً بعد يوم، في ظل فوضى كبيرة تسود قطاعاً اقتصادياً عجزت الدولة عن فك شفرته، وإيجاد حلول ناجعة تضع حدا لمشكلة باتت تؤرق المواطن وتنغص أيامه.

تعود بداية الأزمة إلى خمس سنوات مضت، عندما صدر قرار من الحكومة الجزائرية يقضي بتجميد استيراد السيارات الجديدة عام 2017، مع الاتجاه نحو تجميع بعض علامات السيارات الأوروبية والآسيوية محلياً، رغبة منها في إيقاف تزايد فاتورة واردات المركبات التي تكلف الخزينة مبلغاً يفوق 2 مليار دولار سنوياً.

وبعد بداية الحراك الشعبي في 22 فبراير/ شباط 2019، وتعالي مطالب رحيل رموز نظام بوتفليقة ومحاربة الفساد والفاسدين، قررت السلطات المؤقتة غلق مصانع تركيب وتجميع السيارات، ومحاكمة أصحابها بتهم فساد كبيرة، ما تسبّب في انحسار تام للعرض وارتفاع قياسي في الطلب، ما أدى إلى التهاب سعر السيارات في السوق إلى الضعف.

تعود بداية الأزمة إلى خمس سنوات مضت، عندما صدر قرار من الحكومة الجزائرية يقضي بتجميد استيراد السيارات الجديدة، مع الاتجاه نحو تجميع بعض علامات السيارات الأجنبية محلياً، رغبة في إيقاف فاتورة واردات المركبات التي تفوق 2 مليار دولار سنوياً

انهيار القدرة الشرائية

الأزمة التي صنعها التغيير في تسيير ملف السيارات، جعلت من المواطن الخاسر الوحيد في المعادلة، لأن قدرته على شراء سيارة، جديدة كانت أم قديمة، تراجعت بشكل رهيب مدفوعة بعوامل اقتصادية مثل التضخم وانهيار قيمة العملة المحلية، بالإضافة إلى واقع السوق الغريب.

"لقد تحول الحلم إلى كابوس، وكأنني أجري خلف الأسعار بطريقة لا متناهية، فكلما جمعت مبلغاً يكفي لشراء سيارة، أتوجه للسوق في مدينتي وأصدم بالأسعار، التي لا تتوقف عن الارتفاع، إلى متى سيظل الوضع مراوحاً مكانه؟"

هكذا يتساءل سفيان محمدي وهو تاجر جزائري ينحدر من ولاية بسكرة جنوب شرق الجزائر، كلامه لرصيف22 يعبر عن صرخة المواطن، الذي بات عاجزاً عن شراء سيارة.

معاناة تتقاطع مع ما تعيشه نسرين كريمي، وهي موظفة تقطن في ولاية ميلة شرق الجزائر، مؤكدة لرصيف22: "عام 2020 قمت ببيع سيارتي على أمل تغييرها، وبعدها قفزت الأسعار بشكل جنوني، وبت الآن مجبرة على إضافة أكثر من ضعف المبلغ السابق أو أكثر لأحصل على ما أريد، صراحة أحس بخيبة أمل كبيرة، وندمت على لحظة بيع سيارتي".

من عجائب السوق الجزائرية، أن السيارة التي طرحت للبيع قبل عشر سنوات، مع ما تحمله هذه المدة من أعطاب في المحرك، وطرأت عليها تغييرات في شكل السيارة وهيكلها الخارجي بسبب الصدمات، صارت تباع الآن بضعف سعرها الذي بيعت به قبل عقد كامل

ما حدث لنسرين يحاول السواد الأعظم تفاديه، فكثيرون أضحوا يفضلون الاحتفاظ بسياراتهم القديمة، لتفادي ارتفاع الأسعار، فقد تبيع سيارتك اليوم، وتفاجأ بعد أسبوع بأن الأموال المحصلة من العملية فقدت نصف قيمتها في السوق.

لكن هذا السلوك لا يجنب الخسارة دائماً، يقول نجيب تروش وهو عامل في مجال توزيع الطرود في العاصمة لرصيف22: "بفعل الحركة الدائمة والازدحام المروري، وجودة البنزين الرديئة في عدد من محطات الوقود، تتآكل السيارة أمام ناظري، وبالمقابل ارتفعت أسعار قطع الغيار هي الأخرى إلى ضعف ما كانت عليه قبل الأزمة، بسبب تزايد الطلب عليها، ولهذا فإن تصليح أعطاب المحرك الذي انتهى عمره الافتراضي، سيكون مكلفاً للغاية، هذا إذا وجدت ميكانيكياً كفؤاً، كما ستتحول السيارة إلى خطر على راكبها وخطر على البيئة مع مرور الوقت، إذا تجاوز عدَّادها 400 كيلومتراً من الاستعمال، مثلما هو الحال بالنسبة لسيارتي، التي اشتريتها قبل تسع سنوات كاملة، وعجزت عن تغييرها بسبب غلاء الأسعار".

عجائب الجزائر

من عجائب السوق الجزائرية حالياً، أن السيارة التي طرحت للبيع قبل عشر سنوات، مع ما تحمله هذه المدة من أعطاب في محرك تجاوز سيره 300 ألف كيلومتر في غالب الأحيان، وطرأت عليها تغييرات في شكل السيارة وهيكلها الخارجي بسبب الصدمات، صارت تباع الآن بضعف سعرها، الذي بيعت به قبل عقد كامل من الزمن، في معادلة غريبة.

في هذا الصدد يقول وسيط بيع السيارات محمد بن لحسن لرصيف22: "عدم سماح السلطات بدخول السيارات القديمة المستخدمة لمدى أقل من ثلاث سنوات، وفرض الضريبة وحق الجمركة بأسعار عالية، وكذلك سعر النقل في الباخرة لدخول السيارات الجديدة، أرغم المواطن على شراء السيارة بسعر باهظ جدا يفوق سعرها الأصلي ضعفين أو ثلاثة، وهو ما انعكس على حركة رؤوس الأموال بركود عمليات البيع والشراء".

وأرجع بن لحسن أسباب ارتفاع أسعار قطع الغيار، لاستيرادها من الخارج وعدم توفر مصانع لصنعها في الجزائر، وكذلك لارتفاع ضريبة دخولها للبلاد، مما يجعل المستوردين يضاعفون ثمنها لتجار الجملة والتجزئة، والمواطن يشتريها من تاجر التجزئة بسعر مرتفع.

ما يحدث في سوق السيارات من فوضى بلغ حد التنكيل بالمواطن البسيط - على حد وصف المتابعين -الذي بات عاجزاً عن شراء سيارة أو تغيير سيارته القديمة التي تتآكل أمام ناظريه، ويضطر مدفوعاً بالأزمة إلى شراء سيارات بأضعاف ثمنها وقيمتها في السوق العالمية، وبعبارة أخرى فعند استيراد أي سيارة جديدة من الخارج، سيشترى المواطن البسيط واحدة له والأخرى للدولة.

وكمثال بسيط سيارة سوزوكي سويفت الجديدة، الأكثر مبيعاً حالياً في الجزائر، والتي يتم شحنها من دبي، يبلغ سعرها الحقيقي 9800 دولار أمريكي، وحسب سعر صرف العملة الرسمي في البنك الجزائري (1 دولار = 145 دينار جزائري)، تبلغ قيمتها 140 مليون سنتيم، غير أن هذا المبلغ لا يمكن الحصول عليه بالعملة الصعبة من البنك، ولهذا يتوجه المواطن أو التاجر إلى سوق العملة الموازية المعروف بالسكوار والذي يصل فيه سعر الدولار الواحد إلى 205 دينار جزائري، بهذا يصبح سعر السيارة 200 مليون سنتيم أي بفارق 60 مليون سنتيم كاملة ( 3000 دولار أمريكي).

كل هذا يبدو لا شيء مقارنة بالزيادات المفروضة بفعل الرسوم الجمركية والضرائب المختلفة وسعر الشحن وهامش ربح الوكيل، والتي تصل إلى الضعف تقريباً، حيث تباع نفس السيارة للمستهلك بسعر 340 مليون سنتيم، أي بزيادة عن السعر الحقيقي ب 200 مليون سنتيم (10 آلاف دولار بسعر السوق السوداء) وهو ما يتجاوز 160% من سعرها الحقيقي .

من هنا نلاحظ أن المشكل ليس في سعر السيارة المعتمد في كل دول العالم، وإنما في الرسوم الجمركية والضريبة الخيالية المفروضة.

فمن يصفهم المواطن "بالفاشلين" يجنون بهذه الطريقة أرباحاً تفوق أضعاف ما يحصٌله مصنع السيارة في الهند، وللأسف يدفع المواطن هذه الزيادات لوحده ومن جيبه في آخر عملية البيع، وسيستمر هذا الاستغلال إلى أجل غير مسمى، ويصرح مصطفى زبدي رئيس المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك لرصيف22: "الزيادات التي عرفها السوق تعتبر عشوائية وفوضوية وغير معقولة تماماً، ونحن ننتظر الحلول منذ سنوات، رغم أننا ساهمنا بمعية شركاء آخرين في تقديم البعض منها، نتمنى ونحن في سنة الإقلاع الاقتصادي، أن تجد السلطة آلية للخروج من هذا المشكل، الذي أصبح اقتصادياً أيضاً وليس اجتماعياً فقط".

وما زاد الطين بِلة في السوق الجزائرية تجميد قانون استيراد السيارات الأوروبية المستعملة لأقل من ثلاث سنوات، حيث كان المواطن الجزائري يأمل خيراً في هذا القانون، الذي صادق عليه البرلمان، وجمده وزير الصناعة السابق فرحات آيت علي، في حادث غريبة أججت غضب نواب البرلمان الجزائري، الذين دخلوا مع الوزير في صدام حاد وتبادل للاتهامات.

وقال السيناتور السابق في مجلس الأمة عبد الوهاب بن زعيم في تصريح لرصيف22: "وزير الصناعة أعطى لنفسه الحق في وقف وتجميد قانون هو نفسه من طرحه على مجلس الوزراء، وصادق عليه البرلمان بغرفتيه، ليصبح قانونا ساري المفعول، وفي النهاية يتم تجميده بقرار وزير؟ هذا غير معقول، ويعد تلاعباً بمشاعر المواطنين ومضيعة لوقت البرلمانيين الذين ناقشوه وأثروه وصادقوا عليه، وإطالة للأزمة التي عقدت من وضعية سوق السيارات في الجزائر".

محاولات فاشلة لتحفيز الاستثمار

ولأن المصائب لا تأتي فرادى في سوق السيارات الذي يزداد تعقيداً، ولا يبدو أن حله سيكون قريباً، فمرة أخرى تم رفض جميع ملفات رجال الأعمال المستثمرين في مجال استيراد المركبات الجديدة، بحجة عدم مطابقتها لدفتر الشروط. هذا المشكل ظل يراوح مكانه منذ أعوام، ما دفع تجمع وكلاء السيارات إلى توجيه عدة نداءات لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، آخرها قبل أيام قليلة، حيث أكدوا بأن خسائرهم تجاوزت 1000 مليار سنتيم في الخمس سنوات الأخيرة.

"إن أزمة ندرة وغلاء السيارات ليست وليدة اللحظة، وهي من أخطاء النظام السابق، سواء من جانب الاستيراد أو التصنيع، لذلك فإن سبب عجز النظام الحالي يرجع أساسا للمشاكل الحاصلة في التسيير لنظام الحكم السابق"

هكذا يفتتح الخبير الاقتصادي فيصل سراي حديثه لرصيف22، مدافعاً عن الحكومة أمام الانتقادات التي تطالها بسبب عجزها عن تسيير ملف السيارات، خاصة بعد رفض جميع ملفات المستثمرين في مجال استيراد المركبات.

وأضاف سراي: "الحكومة الجزائرية لا تُعتبر عاجزة حالياً رغم عدم وجود حل آني، لأن لديها نظرة بعيدة المدى، ولا تريد تجربة فاشلة أخرى كما حصل مع النظام السابق، بل تريد تجربة ناجحة تماماً".

بالمقابل ينظر الخبراء إلى الضوء في آخر النفق، ويعتبرون أن هذه الظروف، جعلت من السوق الجزائرية، إحدى أكثر الأسواق العالمية إغراء وجذباً للاستثمارات في مجال المركبات والميكانيك، بسبب العجز الذي بلغ حوالي مليون ونصف مليون مركبة، تحتاجها السوق لسد الخلل وإرجاع التوازن بين العرض والطلب، بحسب الخبير الاقتصادي والاستراتيجي عبد القادر سليماني الذي يؤكد لرصيف22: " الدولة الجزائرية تتواجد حالياً في مفاوضات مع كُبريات الشركات العالمية في صناعة السيارات الراغبة في ولوج السوق الجزائرية، لكن بشروط صارمة وهي خلق صناعة "مناولتية"، خصوصاً الوطنية لتشجيع المقاول الجزائري".

هذا الكلام يجد من يعارضه، ويرى بأنه موجه لامتصاص غضب الجمهور. الصحفي كمال زايت، يعتبر بأن شركات صناعة السيارات نفسها عاجزة عن تغطية الإنتاج عالمياً بسبب مشكل المكونات الإلكترونية، التي يوجد عجز كبير في صناعتها يستمر حتى 2026، ويقول كمال زايت في تصريح لرصيف22: " لن تأت أي شركة للاستثمار في الجزائر، بسبب مناخ الاستثمار غير المساعد وتغير القوانين بين عشية وضحاها، وبالتالي لن تغامر أي شركة بالقدوم، كما أن وصف السوق الجزائري أنه مسيل للعاب الشركات، كلام غير دقيق، فالجزائر تحتاج مائة وخمسين إلى مائتي ألف سيارة سنويًا، والرقم سيتراجع بعد انتهاء الندرة، ولن يدفع كبرى الشركات للتهافت على السوق الجزائري".

ويصيف زايت: "القول بأن الدولة تتعمد الندرة من أجل جلب مستثمرين، بعيد عن المنطق، فالمسؤولون يريدون تقليص فاتورة الاستيراد مهما كان الثمن، وهناك حلين لا ثالث لهما، والاثنين يمكن تنفيذهما معاً، الأول: فتح استيراد السيارات الأقل من عشر سنوات، لأن الأقل من ثلاث سنوات أقرب إلى أسعار السيارات الجديدة، والثاني: البحث عن شركة صناعة سيارات مفلسة وشرائها. ما عدا ذلك فهو مجرد ذر للرماد على العيون".

وإن اختلف المختصون في عالم السيارات في نظرتهم للأزمة من زوايا عديدة، تصب آراءهم في أن ما يحدث حاليا، هو نتيجة لفشل ذريع في الرهان على مصانع تركيب وتجميع السيارات، أو مثلما أطلق عليها تسمية نفخ العجلات، التي كلفت الخزينة العمومية ملايير الدولارات، بسبب سوء التسيير وضعف نسبة الإدماج.

"الصناعة الوهم" انتهت بشكل دراماتيكي، بسجن رجال أعمالها وعلى رأسهم محي الدين طحكوت، ومراد عولمي، وحسان عرباوي، وغيرهم من المقربين من دائرة النظام السابق، بقيادة شقيق الرئيس السابق ومستشاره سعيد بوتفليقة، فأغلقت أبواب المصانع وأنهيت عقود العمال، ما أجبر السلطات الجزائرية بعد الحراك الشعبي، على إعادة النظر في هذا المشروع من زاوية أخرى، في ضوء قانون الاستثمار الجديد، لتحريك عجلة الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتحرير روح المبادرة بهدف الوصول إلى تحقيق الإقلاع الاقتصادي عام 2022، مثلما وعد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard