يلعب "الطرنيب" متأثراً بالحرب السورية وبعمله كتاجر حمضيات

الجمعة 29 يوليو 202210:31 ص

نوّار ابن أخي، يبلغ من العمر 33 عاماً، متزوج ولديه بنت اسمها ماريّا وصبي اسمه زين، قضى ثماني سنوات وشهرين من حياته في الحرب السورية متنقلاً من مكان إلى آخر. خلال تلك المدة كلها، لم يقاتل ولكن هذا لا يعني أنّه لم يتعرض للخطر، فالأماكن التي تنقّل بينها، وبالرغم من بُعدها نوعاً ما عن ساحة الحرب الطاحنة، كانت تتعرض بين الحين والآخر لهجوم، أو لقصف عشوائي من بعيد. مات العديد من أصدقائه أمام عينيه، ونجا من الموت عدة مرات.

لعبة ضَمَانْ الحمضيات

الآن، يعمل نوّار في تجارة الحمضيات، وتحديداً في ما يُسمى "الضَمَانْ". يقول: "هذا العمل يحتاج إلى خبرة وروح المغامرة، فحين تدخل إلى بستان حمضيات وتدفع ثمنه ملايين الليرات السورية، أنت تقامر! لأن فرصتك في الربح مساوية لفرصتك في الخسارة.

كل بستان أدخله يجعلني أشعر بالحماس وأقول لنفسي إن اللعبة بدأت. خصمي هو مئات الأشجار التي سأنظر إليها بدقة كي أخمّنَ بشكل تقريبي كم كيلوغراماً تحمل، وكلما خَمّنتُ ألف كيلوغرام من هذه الثمار أقطف ورقة من شجرة حمضيات وأضعها في يدي.

وحين أنتهي من النظر إلى كل الأشجار وتَخمين ما فيها من ثمار، أعدّ الأوراق التي في يدي، وبعدها أحسب ما يحتاجه كل طن من مصاريف، مثل أجور العمال والنقل وثمن العبوات وما شابه، وبعد ذلك أستطيع تحديد المبلغ الذي يجب أنْ أدفعه لصاحب البستان.

في حال نجَحَت الصفقة، أنتقل إلى مستوى آخر في اللعبة، حيث أبدأ بمتابعة نشرة الأحوال الجوية وأسعار الحمضيات لأختار اليوم المناسب للقطاف كي أحقق أعلى ربحٍ ممكن.

إلا أنّه في بعض الأحيان يتغير الخصم الذي كان في بداية اللعبة، ليصبح عاصفة تُسقط نصف الثمار على الأرض أو انخفاضاً مفاجئاً في سعر الحمضيات يحدث لحظة وصولي مع المحصول إلى السوق. خصمٌ بهذا المستوى من المستحيل هزيمته، لذا تكون خسارتي فادحة! وأحياناً قد لا تأتي العاصفة والأسعار قد ترتفع فجأة، فأربح أكثر مما كنت أتوقع.

بغض النظر عن النتائج يبقى هذا العمل ممتعاً، لأن لا شيء فيه مؤكداً، والربح فيه يحقق سعادة هائلة، وسبب هذه السعادة ليس حصولي على المال فقط، وإنما شعوري بأنني لاعب يمتلك مهارات عالية المستوى، ومما لا شك فيه أنني حين أخسر أنزعج وبشدة، ولكنني حين أقارن متعة الربح بالانزعاج الذي تسببه الخسارة، تفوز الأولى بفارق كبير".

خطؤك الأول في الحرب قد يكون الأخير

مع بداية الحجْر الصحي بسبب انتشار فيروس كورونا في سوريا، بدأتُ ألعب لعبة "الطرنيب"، إحدى ألعاب ورق الشدّة، بشكل يومي تقريباً، وكان نوّار خصمي اللدود الذي أستمتع باللعب ضده وهزيمته، لأنه يلعب بجدية وشغف وتزعجه الخسارة.

من ملاحظتي لأسلوبه في اللعب يمكنني القول إنّ السنوات التي قضاها في الحرب كان لها أثرٌ واضحٌ على أسلوب لعبه، فهو حريص للغاية على ألا يخطئ في أي ورقة يلعبها، لأن الحرب علمته أنّ أي خطأ مهما كان بسيطاً قد يؤدي إلى خسائر هائلة لا يمكن تعويضها.

"هو حريص للغاية على ألا يخطئ في أي ورقة يلعبها، لأن الحرب علمته أنّ أي خطأ مهما كان بسيطاً قد يؤدي إلى خسائر هائلة لا يمكن تعويضها"

يسعى نوّار جاهداً لمساعدة شريكه في اللعب إلى أقصى حد ممكن، وفي حال أخطأ هذا الشريك فإنه يُزمجر ويغضب ويوبخهُ، وفي حال أخطأ هوَ يلوم نفسه بشكل علني، فالخطأ من منظوره ممنوع مهما كان صغيراً، انطلاقاً من فكرة أنّ خطأك الأول في الحرب قد يكون الأخير، لأنكَ قد تفقد بسببه حياتك أو حياة أصدقائك.

كل المحاولات لاستثمار لحظات غضب نوّار من شريكه لا تنجح، لأن الحرب علمته أيضاً أنّ إحدى طرق النجاة هي ألا تهتم بكل ما يقوله خصمكَ عن أشخاصٍ هدفُك ومصيرك ونجاتك مرتبطة بهم.

قد تحقق المغامرة نتائج إيجابية مذهلة، وفي الوقت نفسه قد تسبب خسائر كارثية. يعرف نوّار وبشكل جيد أنّ المغامرة سلاح ذو حدين، إلا أنّه يغامر أحياناً خلال لعبة "الطرنيب" وهذه المغامرة سببها برأي عمله في "الضَمانْ".

الشتاء الماضي خفف من مغامراته خلال اللعب لأنه خسر من وراء "ضَمَان" بساتين الحمضيات ما يقارب خمسة ملايين ليرة سورية، أي ما يعادل راتب موظف في سوريا لمدة خمس سنوات تقريباً.

فرصة لقتل الأب

عقدة أوديب تَتجلى بشكل واضح حين يكون والد نوّار خصماً له في لعبة "الطرنيب"، فرغبته القديمة في قتل الأب الموجودة في لاوعيه يصير بمقدوره تحقيقها على نحوٍ ما، هذه الرغبة تدفعه ليصبح أكثر انتباهاً ودقة خلال اللعب، إضافة إلى توجيهه بعض العبارات الاستفزازية لوالده، مثل: "لقد أخطأت في لعبك لورقة كذا"، أو "لا يمكنك هزيمتي مهما حاولت لأن أسلوبك في اللعب مكشوف بالنسبة إلي"...

"حين يفوز عليّ، كل الكلمات التي أقولها بهدف استفزازه والتقليل من متعة فوزه لا تجدي نفعاً، لأنه في ولاعيه هوَ لم يهزمني في لعبة الطرنيب، بل نجا من رصاصة طائشة أو تفجير كاد أنْ ينهي حياته"

في حال كان والده شريكه في اللعب يستمر في مساندته والتضحية بأوراق لعبهِ بشكل مبالغ فيه كي لا يجعله يخسر، وكأنه يريد أن يقول له: انتبه لقد أصبحتُ رجلاً وأنت تحتاجني وعليك أنْ تعترف بذلك، وهذا أيضاً شكل من أشكال قتل الأب وهزيمته بمعنى ما.

الإعلام الحربي في لعبة الطرنيب

لعبة الطرنيب تشبه الحرب إلى حدٍّ ما، وخاصة في جانبها الإعلامي الذي يهدف إلى استفزاز الخصم والتقليل من شأنه وإرباكه والضغط عليه نفسياً كي يصبح مشوَّشاً وقليل الثقة بقدرته على الفوز. هذا ما يفعله ابن أخي أثناء اللعب من خلال قول كلمات: "والله لرنّك"، و"والله لنوّسك" وهذا يعني أنني سأسحقك، وعبارات مثل: "يلي غلبوني اتنين واحد منهم مات، والتاني لسا ما ولديتو أمه"، وغير ذلك من الكلمات التي يهدف من ورائها إلى تعزيز فكرة أنه الشخص الذي لا يمكن هزيمته.

في كل مرة يخسر فيها أمامي يبدو عليه الانزعاج الشديد، وخاصة بعد أنْ أقول له: "عم تتحسن باللعب بس لسا بدك كتير لتغلبني". يَحمرُّ وجهه ويغادر على الفور إلى منزله حاملاً نرجيلته. في صباح اليوم التالي حين أستيقظ أجد رسالة منه على هاتفي الجوال: "ليك عمي، حضّر حالك اليوم بدي رنّك، بنصحك تتدرب منيح، جاييك الموت يا تارك الصلا".

حين يفوز عليّ، كل الكلمات التي أقولها بهدف استفزازه والتقليل من متعة فوزه لا تجدي نفعاً، لأنه في ولاعيه هوَ لم يهزمني في لعبة الطرنيب، بل نجا من رصاصة طائشة أو تفجير كاد أنْ ينهي حياته، واستطاع أنْ يقطف ثمار الحمضيات قبل أنْ تأتي العاصفة وتنخفض الأسعار.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard