"صلّح خطوتكْ يا كرّ إنت ويّاه" وأثرها عليّ أثناء تدريبات النظام المُنْضَمّ

الجمعة 25 فبراير 202209:45 ص

حين كنت في الجيش، أؤدي خدمتي الإلزامية، كان رفاقي كلهم تقريباً يستمتعون بحمل بندقية الكلاشينكوف وبفكّها وتركيبها ومعرفة اسم كل قطعة فيها وما هي وظيفتها، بينما أنا لم أستطع خلال ستة أشهر من التدريب أن أتعلم السير بشكل صحيح في النظام المُنْضَمّ فما بالكم بفكِّ وتركيب الكلاشينكوف.

في الأيام الأولى للتدريبات، كنتُ أستغرب لماذا تصطدم قدمي في أكثر الأحيان بقدم مَن يسير أمامي وخلفي، ما يجعلهما يهمسان كي لا يسمعهما الضابط: "صلّح خطوتكْ يا كرّ".

والنظام المنضمّ هو تدريب على أسلوب سير مجموعة من الأفراد بشكل جماعي متناسق، وعلى أداء التحية العسكرية وكيفية الاستجابة لأي أمر يصدر عن الضباط، إضافة إلى تثبيت احترام الرتب العسكرية.

"صلّح خطوتكْ يا كرّ إنت ويّاه"، هي عبارة كان يرددها الضابط الذي يدرّبنا، وبالطبع لم تكن موجهة لأشخاص محددين لأن عددنا كان كبيراً ولا يمكنه رؤيتنا دفعة واحدة، ولكنه كان يفترض أن هناك أكثر من "كُرّ" يخطئ في السير. كان يرددها لوحدها أو ضمن مصفوفة عبارات التدريب: "خلي دانك (أذنك) معي يا ابني... أح (واحد)، بتطلع بالإجر اليسار والإيد اليمين، اتنين بتطلع بالرجل والإيد المتعاكستين... يلا لشوف... أح اتنين... صلّح خطوتكْ... أح اتنين... ارفع إيدكْ... أح اتنين... صلّح خطوتك يا كرّ إنت ويّاه".

كنت كلّما سمعت جملة "صلّح خطوتكْ يا كر إنت ويّاه" أشعر بأنني المقصود بكلمة "إنت"، وأيضاً بكلمة "ويّاه" في اللحظة ذاتها، إضافة إلى كلمة "يا كُرّ"، لأنني كنت مقتنعاً بأنني الشخص الوحيد الذي لا يتقن السير بشكل صحيح أثناء تدريبات النظام المُنْضَمّ.

كان فهمي لجملة ‘صلّح خطوتكْ يا كر إنت ويّاه’ يحمل خليطاً من الوجودية والدادائية والسوريالية، وما بعد الحداثة. كنت أشعر أنني المقصود بكلام الضابط وأن كلمتي ‘إنت ويّاه’ موجهتان لشخص واحد يتّخذ شكل ‘كُرٍّ’ في العشرين من عمره هو أنا"

كان فهمي لهذه الجملة وشعوري بها يحمل خليطاً من الوجودية والدادائية والسوريالية، وما بعد الحداثة، لأن كلمة "ويّاه" وبالرغم من دلالاتها الواضحة والصريحة على وجود شخص آخر غيري، إلا أنني لم أكن أشعر بوجود هذا الآخر على الإطلاق، وكل ما كنت أشعر به لحظتها أنني المقصود بكلام الضابط وأن كلمتيْ "إنت ويّاه" موجهتان لشخص واحد يتّخذ شكل "كُرٍّ" في العشرين من عمره هو أنا.

كان عقلي يفقد القدرة على القيام بأي عملية تحليل منطقية للجملة، وكانت السيالة العصبية التي تنقل الأوامر داخل أعصاب الجسم تسير بشكل لا يؤدي إلى أي جهة! وكنت أشعر بالخوف والتوتر، فتصطدم قدميّ بمَن هو أمامي وخلفي، وأحياناً كان الضابط ينتبه إليّ ويعاقبني.

قبل ذهابي إلى الجيش، في منتصف عام 2000، كان وزني 58 كيلوغراماً، وكنتُ أسهر حتى الصباح وأستيقظ قبل الغروب بقليل، وكنت أيضاً أعاني من خمول دائم في جسدي وتعب نفسي وعاطفي ووضع مالي سيئ للغاية، ورسوب متكرر في الجامعة، وكان الحل أو المهرب إنْ صح التعبير بذهابي لأداء الخدمة العسكرية.

فجأة، وجدتُ نفسي أنام وأستيقظ وأمارس الرياضة وأتناول الطعام وأدرس مع أشخاص لا أعرفهم تنفيذاً لأوامر أصدرها أشخاص لا أعرفهم أيضاً، ولكن عليّ أن أنفّذها رغماً عن أنفي، وإلا سأرى ما لا يعجبني.

في أول إجازة لي، اتّصلتُ بالفتاة التي كنتُ أحبّها ورفضتني عدة مرات، وقلت لها: "لقد التحقتُ بالجيش، ولكنني كل خميس بعد المغيب سأكون في المنزل ويمكنك الاتصال بي على الهاتف الأرضي في حال غيّرت رأيك بخصوص علاقتنا". وبعد حوالي ثلاثة أشهر، جاء يوم خميس واكتشفتُ أنني محروم من الإجازة وأنّ اسمي وُضع ضمن قائمة الحرس. جُن جنوني فماذا لو أنها اتصلت هذا الخميس ولم أكن موجوداً؟ ستظن أنني أكذب عليها وفي حال اتصلتُ لأبرر لها لن تصدقني.

"الحب: هو تلك الندوب التي تركتها الحصى الناعمة على ركبتيَّ حين مشيتُ عليهما وكلّي أمل بأنكِ ستتصلين الخميس القادم"

يومها، وجدت شخصاً يقف بدلاً عني في المحرس مقابل مبلغ من المال وقفزتُ من فوق سور الثكنة الشمالي، ثم ركبت القطار المغادر من حلب إلى اللاذقية ووصلت قبل المغيب إلى منزلي. ولكنها لم تتصل. الحب: هو كل محاولاتك الفاشلة للفتِ انتباه شخص يحب شخصاً آخر.

حين عدتُ إلى الثكنة ليلاً أخبرني رفاقي أن الشخص الذي أعطيته المال ليحرس بدلاً عني لم يأتِ، وأنَّ رئيس الحرس أخبر الضابط المسؤول بما حدث.

في الاجتماع الصباحي، صرخ الضابط الضخم بصوت أرعبني: "رامي غدير". أجبت: "حاضر". قال بالفصحى: "إليَّ". حين وصلتُ جعلني أخلع حذائي وكل ثيابي باستثناء الشورت وأجثو على ركبتيَّ وأمشي عليهما في ساحة الاجتماع الإسمنتية الممتلئة بمياه الأمطار والحصى الناعمة والقليل من الثلج، ثم أخرج مقصاً من جيبه وقصّ شعري بشكل عشوائي أمام الجميع وهو يقول بصوت عالٍ: "والله لأمسح فيك الأرض وعلّمك كيف بتهرب يا كرّ". بعدها أعطى أمراً للعناصر كافة كي يباشروا بدرس الرياضة الصباحي، ثم أمرني بالنهوض واللحاق به.

كانت الحصى الناعمة مغروسة في ركبتيّ والبرد قارساً للغاية. حملت ثيابي ومشيتُ خلفه. حين وصل إلى غرفته، أشعل سيجارة وجلس قرب المدفأة بينما بقيت في الخارج أنفّذ أوامره بالاستلقاء على بطني وظهري والسير على كوعيَّ وركبتيَّ وما شابه. رغم ذلك، كنتُ أشعر بالسعادة لأن الحب كان السبب في كل ذلك، وتمنّيتُ لو أن تلك الفتاة تشاهد ما يحدث لي بسببها. الحب: هو تلك الندوب التي تركتها الحصى الناعمة على ركبتيَّ حين مشيتُ عليهما وكلّي أمل بأنكِ ستتصلين الخميس القادم.

بعد ستة أشهر، جاء اليوم الذي يُقام فيه عرضٌ عسكريٌّ كختام لمرحلة التدريبات، وكان عليّ أنا وستمئة مجنّد غيري أن نسير النظام المُنْضَمّ بحضور عدد من الضباط الكبار، وعشرات الضباط من مختلف الرتب وغيرهم من صف الضباط المتطوعين، هذا الأمر كان مرعباً بالنسبة إليّ لأنني حتماً سأخطئ وفي حال ضبطت سأُحرم من الإجازة وأدخل السجن إلى أن يعود الجميع من إجازاتهم.

بينما كنّا نسير باتجاه الساحة الرئيسة التي تحيط بها الأشجار، استطعتُ قبل الوصول الهرب والاختباء وراء تلةٍ صغيرة، وتفاجأت بوجود أكثر من عشرة أشخاص مختبئين وراءها، بقينا معاً هناك حتى انتهاء العرض.

بالطبع، لو كشف أحد الضباط أمرنا كنّا سنسمع الجملة التالية بصوت عالٍ: "منبطحاً ولاك، شو عم تساوي هون يا كرّ إنت ويّاه؟". لحظتها وانطلاقاً من فهمي وتحليلي لمعادلة أو مقدمة "يا كرّ إنت ويّاه"، كنت سأشعر بأنَّ كل مَن كان يختبئ وراء التلة هم شخص واحد، أو "كُرٌّ" واحد لا فرق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard