هوس السوريين بالنظافة يتجاوز الحرب... سنغسل ولو على البابور

الاثنين 25 يوليو 202205:06 م
لم نسمع صوت "بابور الكاز" في بيتنا خلال طفولتي إلا في حالتين، الأولى حين كانت أمي تطبخ وليمة من رؤوس الأغنام مما كان يتطلب ناراً قوية لضمان تنظيف هذه الأجزاء من الذبيحة، والثاني حين كانت تهم بتنظيف الثياب الداخلية البيضاء لكل العائلة، والتي يجب أن تعقم بغليها مع "نيلة" المكعب الصغير الأزرق الذي كانت النسوة يستخدمنه لضمان بياض ناصع، هذا البياض هو أحد معايير النظافة الذي كان يقاس به تفوق النساء بين بعضهن. 
حصلت أمي لاحقاً على غسالة أوتوماتيك بالتقسيط، إلا أنها اليوم عادت لتغلي الثياب على "البابور" الذي كانت قد خبأته في السقيفة، ذلك المكان الذي تحتفظ فيه بأشياء فقدت أهميتها لكن الاحتمال قائم بأن تستعيدها يوماً.

ضوء شحيح في ليل الحرب

تردي أوضاع التوزيع الكهربائي في مناطق كثيرة وانعدامه في مناطق أخرى من سوريا دفع الجزء الأكبر من السوريين للعودة إلى الوراء وإحياء عادة استخدام القناديل ولمبة الكاز. فالبطاريات واستخدام أشرطة الإضاءة التي تعرف محلياً باسم "ليد" ليستا مجديتين دائماً في ظل غياب مصدر كهربائي دائم للشحن خاصة في المخيمات والمناطق البعيدة التي لم تزل أعمدة نقل الطاقة فيها متضررة وخارج الخدمة.
ليل الحرب طويل ومفزع، تقول أم يوسف لرصيف22 وتضيف أنها تشعل لمبة الكاز داخل الخيمة التي تعيش فيها مع أسرتها في مخيم بالقرب من بلدة "أبو خشب" شمال دير الزور خشية من اللصوص ولمراقبة الأرض التي قد تدب عليها حشرة ضارة أو أفعى سامة.
تكلفة لمبة الكاز لتأمين الإنارة أقل من الحصول على بطارية وشحنها عند أحد أصحاب المولدات الخاصة بمبالغ تفوق قدرة الأسر الفقيرة
على هذا الأساس تعيش الأسر في المخيمات والمدن لتأمين بدائل الطاقة الكهربائية التي بإمكان من لا يصل دخله إلى 50 دولاراً شهرياً أن يحصل عليها.

الخوابي والجرار بدلاً من الثلاجات في الصيف

تقول أم يوسف: "أمشي مسافة طويلة للحصول على قالب ثلج لأني لا أمتلك براداً في خيمتي، سعره نحو 5000 ليرة، ويومياً أحتاج لقالب واحد على الأقل، يعني هذا أن أنفق 150 ألف ليرة شهرياً على الثلج وهو مبلغ أعتاش منه أنا وأولادي الثلاثة وزوجي.
لتوفير تكلفة الحصول على الماء البارد صيفاً تعمد أم يوسف للف عدد من العبوات البلاستيكية بقطع من كيس قنب حصلت عليه من أحد الفلاحين مجاناً، ثم تبلل القنب بالماء وتترك العبوات في مهب الريح ليلاً لتبرد بهدف شربها في اليوم التالي، وهذه هي أرخص السبل التي وجدتها لشرب ماء يردّ عنهم بعض الحرارة المرتفعة في مخيمهم في البادية التي لا مصدر فيها للظل على حد تعبيرها. 
الحياة في المدن تتطلب وسائل أكثر أناقة وفقاً لتعبير عمّار الذي يبيع أواني فخارية على الطريق التي تصل الريف الواقع غرب المدينة بدمشق. يقول لرصيف22: 
"بسبب انقطاع الكهرباء تراجع دور الثلاجة وعاد استخدام الجرار والخوابي لتبريد الماء صيفاً، كما طوّر البعض الفكرة وزودها بصنبور بلاستيكي. تزايد الإقبال على بضاعتنا خلال العامين الأخيرين بشكل كبير نتيجة لوصول ساعات التقنين الكهربائي لمستويات عالية، وبعد أن كان الفخار قد حُصر بأصيص الورد، أو الأواني الخاصة بالمأكولات التراثية، صار مطلوباً بكميات كبيرة من قبل الناس وتحديداً خوابي الماء التي تُبرّد بوضعها في مهب الريح أو الظل.

على الحطب أو البابور... الماء الساخن شرط للغسيل

تعاني سوريا من نقص توافر مادة الغاز المنزلي المترافق أساساً مع ساعات تغذية كهربائية لا تزيد أحياناً عن أربع ساعات خلال يوم كامل، بمعدل خمس ساعات قطعاً مقابل ساعة وصلاً للتيار الكهربائي.
بسبب انقطاع الكهرباء تراجع دور الثلاجة وعاد استخدام الجرار والخوابي لتبريد الماء صيفاً
نتج ذلك عن نقص شديد في كميات الوقود الواصل إلى سوريا والذي يستخدم في تشغيل محطات توليد الطاقة، ولهذا لجأت العائلات التي تعجز عن شراء أسطوانات الغاز لاستعادة "بابور الكاز" الذي تصل كلفة تشغيله لست ساعات إلى 4000 ليرة سورية هي سعر ليتر الكاز.
تقول أم فرح السيدة الخمسينية التي تعيش مع أسرتها في منطقة دروشا غرب دمشق لرصيف22: "صوت البابور عالٍ وتشغيله مزعج، لكنه لم يدخل ضمن خياراتي الإلزامية إلا بعد عجزي عن الحصول على أسطوانة غاز بسعر يناسب دخلي، وحين وصل الأمر حد اضطراري لدفع كل راتبي البالغ 120 ألف ليرة للحصول على أسطوانة ناهيك عن طول فترة الانتظار للحصول على واحدة من المنافذ الرسمية بسعرها الحكومي، لجأت لشراء بابور من السوق، حينها كان قد وصل سعره لـ 45 ألف ليرة سورية أي حوالي 13 دولاراً، وهو ثلث الراتب، لكن الأمر ضروري لإتمام ما يحتاجه المنزل من طبخ وسواه".
أما أم خليل فعادت في الزمن إلى ما قبل البابور، تجلس المرأة الخمسينية على كرسي خشبي منخفض وأمامها "طشت" لتغسل على يديها، تسخن المياه في "الدست" فوق كومة الحطب التي تجمعها لتغسل به، ثم تبدأ بدعك الثياب قطعة قطعة، قبل أن تضعها في "سطل"وتبدأ بنشرها. 
"الحطب هو أهم البدائل لماء الاستحمام" تقول لرصيف22، فالوقود مرتفع الثمن والكهرباء نادراً ما تصل ومعظم المنازل لا تملك رفاهية الطاقة الشمسية.

ماذا بخصوص فوط الأطفال؟

في سوريا اليوم، صار توجه النساء إلى الأفران لشراء أكياس الطحين الفارغة جزءاً من عملية التحضير لولادة الطفل، فالأكياس مصنوعة من القطن مما يجعلها بديلاً آمناً للطفل حديث الولادة كفوط ولا تتسبب بتسلخ الجلد. كما تروي نجوى الأحمد في حديثها لرصيف22.
اشترت نجوى من أحد مخابز مدينتها دير الزور عشرة أكياس من الطحين فارغة لتقوم بقصها وغسلها تحضيراً لاستقبال حفيدها الأول، هذه الأكياس ستصبح عشرين فوطة قماشية متكررة الاستعمال بعد غسلها، وإن كان الأمر يبدو متعباً ومقرفاً للبعض فإن غالبية مواليد ثمانينيات القرن الماضي ومن سبقهم، عاشوا طفولتهم بفوط من هذا النوع.
ترى نجوى وهي في بداية ستينياتها أن الرضاعة الطبيعية للمرأة القادرة على ذلك باتت أيضاً الخيار الوحيد بدلاً من حليب الأطفال الجاهز، والذي بات يعدّ صنفاً نادراً ومرتفع الثمن، وهو من وجهة نظرها ليس عودة للخلف بقدر ما هو أمر طبيعي وضروري، فحليب الأم هو الأكثر صحة للطفل. 
في نفس الوقت تظل البدائل مثل تخفيف حليب البقر ببعض من الماء أو تغذية الطفل بالأرز الناعم بعد سلقه من الضرورات التي فرضتها الحرب.

البيوت في الحرب تصنع من الطين والتبن

عاد رائد العيسى إلى قريته أبو الحسن شرق نهر الفرات ليجد منزله مهدماً بفعل عمليات القتال التي شهدتها دير الزور خلال العام 2018 بين تنظيم داعش وقوات سورية الديمقراطية.
اشترت نجوى من أحد المخابز 10 أكياس من الطحين فارغة لتقوم بقصها وغسلها تحضيراً لاستقبال حفيدها الأول، هذه الأكياس ستصبح 20 فوطة قماشية متكررة الاستعمال

ولضرورة إعادة ترميم المنزل ومع ارتفاع أسعار مواد البناء ما كان من الرجل الأربعيني إلا أن يعود للبناء بالأسلوب القديم، أو الطوب المعروف بالـ(لِبْن). 

بمجهود جماعي من أفراد الأسرة. يصنع الطوب من الطين الممزوج بالقش أو التبن ويوضع في الشمس ليجف، ثم يبنى المنزل بسقف مكون من أعمدة خشبية أسطوانية الشكل ترصف بتباعد بضعة سنيمترات، ثم تمد فوقها طبقة من القصب، فطبقة من البلاستيك المستخدم في الأعمال الزراعية، ثم طبقة من القش، وأخيراً يسكب الطين الممزوج بالتبن، والأخير هو قش مطحون أو أكثر نعومة. 

هذا الأسلوب من البناء القديم كان منتشراً في مرحلة ما قبل الألفية الثالثة بكثافة، إلا أن رخص مواد البناء قبل الحرب دفع سكان مناطق الريف في شرق سوريا للتوجه لمنازل اسمنتية، والتخلي عن منازل الطين. وحدها الحاجة هي ما يدفعهم اليوم للعودة للأسلوب القديم.
يقول سكان القرية إن بيوت الطين باردة صيفاً ودافئة شتاء، في محاولة منهم لتعزية أنفسهم حول ما آلت إليه أحوالهم بعد الحرب

أرقام مرعبة 

لكل نقص فرضته الحرب عند السوريين أوجد الفقراء بدائلهم، إذ أشار التقرير الوطني الأول للتنمية المستدامة الصادر في عام 2019 أن نسبة الفقر في سوريا وفق خطّ الفقر الوطني الأعلى وصلت إلى حوالي 63.6% في ذلك العام، فيما قُدّرت نسبة الفقر المدقع بـ 41.5%.
أما التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية فتشير إلى أن معدّل انتشار الفقر يراوح ما بين 90 و95%، وأن المخيمات والتجمعات السكانية الصغيرة والبعيدة عن المدن هي الأشد فقراً.
اليوم أجد أميّ تبحث عن نفس البدائل التي تبحث عنها نساء سوريا، وهي تعيش في مدينة الحسكة التي كانت واحدة من خزانات الثروات الإستراتيجية زراعياً ونفطياً في سوريا، ولربما سيطول بها الحال في خلق البدائل وتحمل ما تفرزه الحرب والعقوبات الاقتصادية التي تدفع النساء ثمنها لإبقاء المنازل نظيفة ودافئة ومضاءة. 
تعزّي أمي نفسها بالقول: "أصلاً الطبخ ع الحطب أطيب، واللي ما إلو قديم ما إلو جديد".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard