الحبّ والزواج في مخيمات اللجوء… هل تختلف العادات عما كانت عليه في فلسطين؟

الأربعاء 16 ديسمبر 202001:36 م

يحتاج الكثير منّا إلى اختيار شريك/ة حياة ضمن علاقة حب يكون مصبها نهاية سعيدة، ونحن كفلسطينيين/ات لاجئين/ات في المخيمات لنا عادات وتقاليد توارثناها عن أجدادنا في موضوع الحب والعلاقات الزوجية.

لكن بين جيل تهجّر من فلسطين، وجيل المخيمات مسافة شاسعة ربما، مع ذلك، لا يزال الكثيرون يحملون نفس المعتقدات القديمة المتعلقة بالحبّ والبحث عن شريك/ة، رغم تطور الوسائل واختلافها عن قبل. 

فوسائل الحب والعلاقات الزوجية، وبيئة القرى في فلسطين كان لها طقوسها الخاصة ليس في العادات والتقاليد والمعتقدات فحسب، بل كذلك بطرق التواصل مع الحبيب السري، فمنهم من كان يلتقي بمحبوبته عند تعبئة جرار الماء على النبع، ومنهم تحت الشجر، وفي بيئة المخيم ذات البيوت المتلاصقة، ما إن تفتح الشبّاك حتى تجد البيت الآخر مقابل لك، أو في الحارات وزواريبها الضيقة التي تجعل العشّاق في جوٍ مناسبٍ ومريح للتلاقي أحياناً.

كيف تتشابه أو تختلف العادات والتقاليد بين تلك التي كانت في فلسطين قبل النكبة واليوم في المخيمات فيما يتعلق بالحبّ؟ هل تغيّرت مع ظروف اللجوء ووسائل التواصل الحديثة؟ أم هل يعيش الفلسطينيون/ات اللاجئون/ات شكل بقاء آخر في فلسطين من خلال الحفاظ على عادات متعلقة بالحب والعلاقات الزوجية؟ 

في حديثهِ لرصيف22، يقول أبو خالد العجاوي (86 عاماً)، من بلدة عمقا في قضاء عكا، لاجئ في مخيم نهر البارد: " في قريتنا عمقا كانت العادات والتقاليد أصيلة في هذا الموضوع، لكن أيضاً كانت تحصل قصص حب كنّا نسمعها من هنا وهناك في القرية، كنت أذهب مع الفتيات إلى النهر حيث كانت الفتيات يملأن جرار الماء للأراضي الزراعية، ونجد شباباً أكبر منّا يتحدثون إلى الفتيات بالسر، لذلك اليوم أنا أعرف كيف جدّك تزوج جدّتك في فلسطين، وكيف اختارها لأنّه كان يعرفها، وينتظرها عند جرار الماء ويعرف توقيت الذاهب إلى هناك، وكنّا نحن الأصغر سنّاً نلاحظ من يريد مَن، في ذاك الوقت، وطبعاً، كانت كلها أسرار بين المتحابين إلى حين يأتي إلى بيت والدها لكي يطلب يدها، ويمثل أنّه لم يرها، لكنّه سمع عنها وعن أهل بيتها أنّهم ذوو نسب أصيل وشريف".

أبو خالد يشهد على كل العلاقات التي نجحت والتي فشلت، يروي ما حدث عن الحب في فلسطين، وحتى يروي تفاصيل قصص كاملة، ينظر إلي ويقول: "حتى أنت أعرف مَن جدّك كان يريد؟"، قلتُ لهُ: "جدّتي"، قال: "لا، قبل جدّتك "ميسر" كان يريد عائشة الله يرحمها…"، ضحكت وقلتُ له: "مَن عائشة؟"، قال: "لا تعرفها هذه من بلادنا الله يسهل عليها".

كيف تتشابه أو تختلف العادات والتقاليد بين تلك التي كانت في فلسطين قبل النكبة واليوم في المخيمات فيما يتعلق بالحبّ؟ هل تغيّرت مع ظروف اللجوء ووسائل التواصل الحديثة؟ 

أمّا أم فوزي موعد(83 عاماً)، من قرية صفورية في قضاء الناصرة، لاجئة في مخيم نهر البارد، فتقول لرصيف22: " أبو فوي الله يرحمهُ كان يغار عليّ كثيراً، وكنتُ أعرفه من قريتنا صفورية، كان ينظر نظرات إعجاب إليّ، حتى جاء إلى والدي وطلب يدي، لم يأخذ الموضوع كثيراً، ولم يطل، الحمدلله والدي وافق، ولكن كانت عاداتنا وتقاليدنا محافظة جداً في صفورية، وأنا من عائلة كانت لا تسمح بأن أخرج كثيراً من البيت، والدي كان متشدداً معنا، ليس خوفاً من الاحتلال، لكن كان هنالك أصول بهذا الموضوع، ليس مثل اليوم".

 وتتابع: "كنت أعرف ما كان يحصل أمام ماء القسطرة في صفورية، كانت البنات يذهبن إلى هناك…"، وتصمت، "لأنو ما كان في لا تيلفون ولا شي هاد واتساب ولا الرسائل يا خالتي".

بين الأجداد والأحفاد 

ما قبل 1948، يتذكر جيل النكبة كل تفاصيل العلاقة في الزواج والحب، هي أيضاً، تفاصيل تعكس هويتنا وعاداتنا وتقاليدنا وسيرتنا العاطفية، وكم نحن بحاجة إلى الحب حتى في زمن النكبات الأولى، الحب يعكس إنسانية الإنسان، وهو قطرة الماء في القلوب التي أدمنت الهروب والخوف والحروب، ويختلف كثيراً ذاك الزمن عن هذا الزمن، وذاك الجيل عن هذا الجيل الأكثر حداثة وانفتاحاً في طرق الحب والزواج، وقد حدثت قصص حب كثيرة في المخيمات اليوم، منها نجح ومنها فشل، لكن ما الاختلاف بين الأجداد والأحفاد في علاقات الحب؟ 

 باجس العلي (36 عاماً)، من قرية الشيخ داوود في قضاء عكا، لاجئ في مخيم عين الحلوة، يقول لرصيف22: "تعرفت على فتاة من بلدة صفد، من مخيم البداوي، أكبرها بثماني سنوات عبر فيسبوك، بعد ذلك انتقلنا إلى واتساب، وبقينا نحو شهور نتكلم، وقد اتفقنا على كل شيء، وأحببتها وأحبتني كثيرًا، وكنّا جداً متفهمين في كل شيء، واستمرت العلاقة، لم أكن ألتقيها بسبب العادات والتقاليد، فقط نتكلم لساعات عبر التلفون، حتى أخبرتها بأني سأطلب يدها من أهلها، إذ ذاك أخبرت هي أهلها عني".

ويتابع: "لكنهم رفضوا رفضاً قاطعاً وعاقبوها لأنها كانت تحدثني فقط عبر الواتساب، وقالوا لها: لا تكلمي شخصاً لا تعرفينه، كيف تثقين به؟، وكانوا لا يسمحون بلقائي معها، هي كانت تخاف منهم كثيرًا، ويقولون في النهاية: كيف تثقين به؟ مع أنني تقدمت لها بالزواج الرسمي حسب عادتنا وتقاليدنا، وتم الرفض بسبب طريقة تواصلي معها، ثم انفصلنا".

بعد فشل هذه الطريقة التي حصلت عبر سوشال ميديا، بسبب العادات والتقاليد التي تختلف بين عائلة وعائلة أخرى، بحسب اختلاف الجغرافيا في فلسطين، ما زالت بعض العائلات تحتفظ بطريقة أجدادها في هذه العلاقات، يجب أن يتقدم الشاب مع أهله إلى بيت الفتاة ويجب أن تكون لا تعرفه ويتعارفان في الصالون وأمام الأهل، هذا تفكير العائلات المحافظة التي ما زالت حتى اليوم تؤمن بهذه الفكرة رغم تغير الوسائل في المراسلة والتواصل وتطورها. 

"قالوا أهلي بأن الأوجب أن يأتي إلى البيت بأقرب وقت ممكن، فأخبرته بذلك، وأخبر أهله وكانوا رافضين لأنني من قرية لا تشبه بعاداتها عادات قريتهم في فلسطين، لكنّه أقنعهم بذلك، وقد حصل التوافق بين طريفين وتمت الخطوبة في النهاية"

ليال القيسي (27 عاماً) من قرية المغار في قضاء طبريا، لاجئة في مخيم البداوي، تروي لرصيف22: "تعرفت على شاب عن طريق فيسبوك، أصبح يكلمني بشكل يومي، وقال أنّه معجب بكتاباتي عبر فيسبوك، وبعد فترة ليست بطويلة جداً، بدأنا ندخل بعلاقة حب، ونتبادل الشعر وأخبرت أهلي فوراً أنني على ارتباط بهذا الشاب، وكانوا جداً متقبلين للموضوع، لكن قالوا لي: الأوجب أن يأتي إلى البيت بأقرب وقت ممكن، فأخبرته بذلك، وأخبر أهله وكانوا رافضين لأنني من قرية لا تشبه بعاداتها عادات قريتهم في فلسطين، لكنّه أقنعهم بذلك، وقد حصل التوافق بين طريفين وتمت الخطوبة في النهاية".

تأثير المعتقدات

تختلف قصة باجس عن ليال، مع اختلاف العادات والقرى التي أصبحت لاجئة إلى المخيمات بكل ما فيها من عادات وطقوس في الحب والعلاقات، فقرية المغار بعيدة جداً عن قرية الشيخ داوود، والبعد يختلف أيضاً في القبول وعدم القبول، وفي العقليات أيضاً، والسؤال هو: كيف استمرت هذه العادات وتسلسلت من الأجداد للآباء حتى الأحفاد الجدد رغم الاختلاف بين وسائل التواصل الحديثة وبين الزواريب الضيقة وضفاف النهر وجرار الماء والزراعة وبيئة القرى، من هنا وهناك؟

 قالت لرصيف22 الناشطة هبة الله أحمد، من جمعية نواة التضامن في مخيم نهر البارد: "صادفنا حالات كثيرة من البنات اللواتي تعرضنّ لانفصالات زوجية أو خطوبة فاشلة، وهذا عكس بشكل سلبي على تعليمهنّ في المدرسة مما اضطررن إلى ترك المدرسة والانتساب للجمعية لمعالجة أوضاعهنّ النفسية والاجتماعية، ومن خلال جلسات العلاج النفسي اكتشفنا أنّ هذه الحالات كلها بسبب الزواج المبكر، وربما أيضاً بسبب علاقات الحب التي تبوء بالفشل بشكل متكرر أو عدم قبول الأهل للطرف الآخر بسبب العادات والتقاليد التي تختلف بين عائلة وأخرى".

وأضافت: "فقد تسبب صدمات نفسية للطرفين البنات والشباب، البنات المنتسبات أعمارهن بين 16 وعشرين عاماً تقريباً، وكلها بسبب بعض المعتقدات في مجتمعنا، وهناك أيضاً بعض الحالات التي استغربناها، هي سماح الأهل للبنت بالخطوبة في هذا العمر عند بعض العائلات، وعند عائلات أخرى معارضتهم على السماح بقبول شريك الحياة غريب عن عادات البلدة أو عن المخيم، مما يؤثر سلباً على الطرفين".

تبقى حاجتنا لعلاقات الحب كاحتياجنا للماء والهواء، رغم اعتراض القبيلة/ أهل البلد لبعض الضوابط التقليدية المحافظة بنظريتها لهذا المفهوم. تختلف الطرق والوسائل من زمنٍ لآخر، لكنّها لا تختلف في المضمون والغاية منها، وعلى الأهل النظر إليها بعين واعية وحريصة في آن واحد، لأنّ زمن الأجداد يختلف كلّياً عما وصلنا إليه من تطور في وسائل الاتصال التي تساعد التباعد على الاقتراب، وتساعد بشكل افتراضي على لقاءات العشّاق الذين ليس لديهم حدائق في المخيمات، فقد تمسي "غرفة التشات أو الماسينجر" الشاهد الوحيد على أول لقاء بين عاشقين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard