العيش داخل الحكايات المقصوفة

الثلاثاء 2 أغسطس 202204:46 م

أربع حروب ألقت بظلها الثقيل على قطاع غزة، كانت الطائرات خلالها تُطعم البيوت صواريخ تمزقها وتلتهمها، فكل صوت قذيفة تسقط وكل ضجيج انفجار يتلوه كان يعني أن أرواحاً قد صعدت إلى السماء، أو أجساداً ستبيت لياليها التالية على الأرصفة وفي الشوارع، أو في خيام لا تقي ساكنيها سوى أنظار العابرين.

بعد الحرب الرابعة والأخيرة، وفي اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار في 21 مايو/أيار 2021، خرجت من بيتي أتحسس خطواتي على رصيف أحد شوارع مدينة خانيونس، وكأن قدميّ كانتا تشكّان في أن الحرب قد انتهت بالفعل، ومع كل صوت ضجيج كنت أنظر إلى السماء بفزع وتستعد قدماي لتوليا هاربتين، وتدور عيناي في الأفق لأتأكد أن لا دخان ولا لهيب يتصاعد إلى السماء، ككل المشاهد التي اعتدت أن أراها بحذر من شرفة بيتي بعد كل انفجار على مدى أحد عشر يوماً كانت هي عمر الحرب؛ فتلك الحرب تمتاز بأنها تضفي حالة من الأبدية على وجودها، فيعتقد القابع تحت لهيب الطيران الذي يمكن أن يطال كل بقعة في قطاع غزة أنه لن ينجو، وأن هذه المشاهد ستكون هي الأبد بالنسبة إليه.

الانتباه الأول

استقللت سيارة أجرة متجهة من خانيونس إلى مدينة غزة لتعبر بنا على امتداد شارع صلاح الدين، ولألمس بيدي الشعور الذي كنت أختبره للمرة الرابعة، وهو شعور الذي نجا من الكارثة، فيختلط في صدري الشعور بالامتنان والحزن والغضب، فكنت وأنا أطالع البيوت المدمرة على جانبي الطريق أشعر بالامتنان أن بيتي ما يزال قائماً، وأشعر بالغضبِ عندما أفكر بالطائرة التي ألقت القذيفة، وينتابني حزنٌ عارم عندما أذكر مصير ساكني هذه البيوت المحطمة، ففي الأيام الأولى بعد انتهاء الحرب لم يكف الجميع عن الحديث حول إعادة الإعمار في الإذاعات المسموعة وقنوات التلفاز، وكنت أتساءل كثيراً، أكانت هذه البيوت تمثل مجرد حجارة ومأوى لساكنيها؟ أم أنها كانت تعني حكايات كثيرةً لن تعود، فإن استطاعوا بناء البيوت، فمن سيعيد بناء الحكايات؟

تلك الحرب تمتاز بأنها تضفي حالة من الأبدية على وجودها، فيعتقد القابع تحت لهيب الطيران الذي يمكن أن يطال كل بقعة في قطاع غزة أنه لن ينجو، وأن هذه المشاهد ستكون هي الأبد بالنسبة إليه

منذ عام 1948، والاحتلال الإسرائيلي يدرك تماماً أن البيت بالنسبة للفلسطيني ليس مجرد حجارة، بل هو بمثابة العكاز، لهذا لم يتوقف عن استهداف البيوت ليمنع الفلسطينيين من الوقوف باتزان. حتى أصبح هدم البيوت بمثابة العقاب لكل من يحاول الوقوف في وجهه، فرأينا الاحتلال يهدم بيوت المطلوبين والأسرى والشهداء وغيرهم. ومع اعتبار البيت وطنا صغيراً، استمر الاحتلال في سلب أوطان الفلسطينيين الصغيرة، ففي العام نفسه التي قصفت فيه بيوت قطاع غزة بأطنان من المتفجرات، كشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن معدل مصادرة وهدم منازل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، ارتفع بنسبة 21% في أول تسعة أشهر من العام 2021 مقارنة بالعام الذي سبقه.

أما فيما يخص قطاع غزة، فوفقاً لتوثيق مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية، فإن العدوان الحربي الأخير على قطاع غزة، أدى لتدمير 7680 وحدة سكنية، منها 6367 أصيبت بأضرار كبيرة، و1313 تم تدميرها بشكل كامل. ليجد الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم دون عكاكيز، منهم من يعيش داخل خيام، ومنهم من يذوب حراً في الكرفانات الحديدية التي لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.

أيادٍ كثيرة غير ممدودة

بعد انتهاء الحرب الأخيرة، ومع رؤيتي الدمار الذي خلفته آلة الاحتلال الإسرائيلي، أصبحت غزة في نظري عجوزاً غير قادرة على المشي، يتقاتل كثيرون على مد أيديهم ليسندوها ولكن أحداً لم يقم بذلك. لم تكن تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بأن غزة عجوز مغلوبٌ على أمرها، بل كان الأمر يتكرر بعد كل حرب من الحروب الثلاث التي سبقت الحرب الأخيرة. وقد تمثلت لي الأيادي غير الممدودة، بكل الأطراف التي ارتبطت قضية إعادة إعمار غزة بها، ومنها إسرائيل التي لم تتوقف عن حصار غزة منذ أكثر من 15 عاماً، بالإضافة لأمريكا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ودول عربية مثل قطر.

كما رُبِطتْ مسألة إعادة الإعمار بشروط سياسية كان مِن أهمها إنهاء ملف الأسرى والتوصل لهدنة طويلة الأمد، تجلى هذا في تصريح بيني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي وقت الحرب حين رهن إعادة إعمار غزة بتسوية قضية الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى كتائب القسام في القطاع منذ عام 2014. وقد أدى هذا لنشوء سياسات غامضة ومتعارضة أغلب الأحيان، تسببت بعجز في الوصول للسياسات المناسبة لإعادة الإعمار. ناهيك بالانقسام الفلسطيني الذي جعل كل طرف فلسطيني راغباً بامتلاك القرار وتولي مسؤولية إعادة الإعمار. كل هذه الأيادي التي امتدتْ لم تساعد العجوز بل تسببتْ في رقدتها لمدة أطول.

خلال الحرب وفي الفترات التي تلتها، كانت الأرقام التي رأيتها على شاشة التلفاز بخصوص إعادة الإعمار، تجعلني أشعر أن الأمر هذه المرة مختلف تماماً، وأن غزة بعد الحرب لن تكون كما قبلها أو أثناءها، حدث ذلك مرات عديدة منها عندما أعلنت جمهورية مصر العربية في 15 أيار/ مايو 2021، عن تقديم 500 مليون دولار لإعادة الإعمار، ومن ثم في 26 من الشهر نفسه، تقديم قطر نصف مليار دولار آخر دعماً لعملية إعادة الإعمار، وغيرها من أخبار المساهمات التي لم تتوقف.

ولكن اليوم، وبعد مرور عام كامل على انتهاء الحرب، تشير التقارير المنشورة إلى أن الأمر يسير ببطء فيما يخص إعادة إعمار الوحدات السكنية المهدمة كلياً في غزة، على الرغم من التقدم بوتيرة أفضل فيما يخص الوحدات السكنية المتضررة بشكل جزئي. فوفقاً لتقرير "Shelter cluster Palestine" فقد قدمت المساعدة لأكثر من 44000 أسرة من الأسر التي تعرضت وحداتهم السكنية لأضرار جزئية في الحرب الأخيرة، وما تزال 2636 أسرة قيد التقدم أي مرشحة. تسبب هذا الأمر في وجود فجوة كبيرة في عملية إعادة الإصلاح، إذ ما زالت 3085 وحدة بلا إصلاح، وهناك 10 آلاف أسرة لم تحصل على تعويض عن الأضرار الطفيفة التي تعرضت لها وحداتهم السكنية. أما المنح المالية التي تم تقديمها للأسر النازحة بعد الحرب، فما زال هناك 1000 عائلة بحاجة لتمويل إضافي كمساعدة نقدية من أجل إيجاد مأوى.

البيوت التي قصفت داخل رأسي

التعامل مع البيوت الفلسطينية المدمرة كلياً في الحرب كعكاكيز أو كأفكار، يجعل الأمر أكثر صعوبة. فقد استطاع الاحتلال الإسرائيلي أن يقصف بيوتاً عديدة في رأسي خلال الحروب الأربع التي عايشتها في غزة، وعلى الرغم من المباشرة في عملية إعادة الإعمار –حتى وإن كانت تتم ببطء - فإن الأمر يكاد يكون لا يسير في رأسي، فكيف يمكن إعادة إحياء الغائبين؟ رغم ذلك، ما زالت 1593 وحدة سكنية من الوحدات التي دمرت كلياً في الحرب، لم تحظ بتمويل لإعادة إعمارها، ويشكل هذا ما نسبته 94.4% من الوحدات المهدمة كلياً في الحرب.

اليوم، وبعد مرور عام كامل على انتهاء الحرب، تشير التقارير المنشورة إلى أن الأمر يسير ببطء فيما يخص إعادة إعمار الوحدات السكنية المهدمة كلياً في غزة، على الرغم من التقدم بوتيرة أفضل فيما يخص الوحدات السكنية المتضررة بشكل جزئي

وفيما يخص الوحدات السكنية التي يتم إعادة إعمارها، فهي 95 وحدة فقط، وهي ما تزال في المراحل الأولى من إعادة البناء، ويتم تمويلها من اللجنة القطرية الخاصة بإعادة الإعمار، على الرغم من وجود تمويل مضمون لقرابة 250 وحدة سكنية من الوحدات التي دمرت كلياً. رغم ذلك كله، وحتى إن تم إعمار كل الوحدات السكنية التي تم تدميرها، فإنني أشعر – وسأظل أشعر - أن ثمّة بيوتاً كثيرة قصفها الاحتلال داخل رأسي ولا يمكن إعادة إعمارها.

على الرغم من تهجيرهم وهدم بيوتهم وقراهم ومدنهم في العام 1948، لم يتوقف الاحتلال عن ملاحقة بيوت اللاجئين الفلسطينيين، ما جعلني أفكر أن الاحتلال لا يتوقف أبداً عن قصف وملاحقة اللاجئين نفسياً، في رغبة للقضاء على كل نسلهم. فقد دمر الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل 700 وحدة سكنية للاجئين في الحرب الأخيرة، ما تسبب في تهجيرهم مرات أخرى. ومع الحديث عن إعادة الإعمار، فإن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونوروا" لم تستطع توفير التمويل المطلوب من أجل تغطية المتضررة بيوتهم في حرب 2021، إذ لم تصرف أي تعويضات لأصحاب الوحدات السكنية المدمرة كلياً، كما أنها لم تنتهِ من صرف تعويضات لجميع أصحاب البيوت المتضررة جزئياً في الحرب.

أدى ذلك إلى تظاهر المئات من أصحاب الوحدات السكنية المتضررة كلياً وجزئياً في الحرب، أمام مقر الأونروا في غزة صباح الخامس والعشرين من شهر أبريل/ نيسان 2022، رافعين لافتات تقول: "أين أموال إعادة الإعمار؟" و "الآلاف مازالوا بدون سكن بسبب تلكؤ الأنروا"، وهناك لافتة حملها طفلٌ كان مكتوباً عليها: من حقي السكن الآمن!

أكثر من مجرد أبراج

فكرة العلو كانت دائماً تثيرني، ولم أذكر عدد المرات التي وقفت فيها أمام برج الشروق أو في طوابقه العلوية، متأملاً غزة وهي مدينة شامخة كمدن حديثة متطورة. فكرة العلو – بالنسبة لي على الأقل - تمنح غزة رونقاً مختلفاً على الدوام، لذلك عندما زرت شارع الرمال بعد الحرب، ووقفت أمام البرج، اختلط شعور الحزن في داخلي باليأس، لولا أن رأيت بعض الرسومات واللافتات المعلقة على ركام البرج، هذا أخبرني أننا نحب الحياة وجعلني أشعر أنه من الممكن – في زمن ما - أن نعيد حكايات قصفت.

على الرغم من تهجيرهم وهدم بيوتهم وقراهم ومدنهم في العام 1948، لم يتوقف الاحتلال عن ملاحقة بيوت اللاجئين الفلسطينيين، ما جعلني أفكر أن الاحتلال لا يتوقف أبداً عن قصف وملاحقة اللاجئين نفسياً، في رغبة للقضاء على كل نسلهم. فقد دمر الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل 700 وحدة سكنية للاجئين في الحرب الأخيرة

ومع أملي الكبير بأن يعود البرج إلى علوه وأنا أرى الآليات تقوم بإزالة الركام وتجميعه، إلا أن شيئاً لم يحدث، ولم يعد برج الشروق إلى ما كان عليه. فلم ترصد أية مبالغ من أية جهة ليتم إعادة إعمار الأبراج في غزة، والتي احتوت على 450 وحدة سكنية، تمثلت دائماً في نظري كرايات فلسطينية مرفوعة إلى السماء تقارع الطائرات التي لم تتوقف يوماً عن منحها الحقد واللهب.

المهندس م. ص. الذي يعمل في وزارة الأشغال الفلسطينية بقطاع غزة، والذي كان يقوم بدور في عمليات إعادة الإعمار يقول: "في كل مرة أعود فيها إلى البيت بعد يوم شاق من إحصاء الأضرار، أخلد للنوم سريعاً حامداً الله على أنني ما زلت أحتفظ بذكرياتي وطفولتي/بيتي"

سقف البيت الذي يمثل لجميع الناس الأمان والدفء اعتاد أن يمثل للغزيين دوراً مزدوجاً، ففي الحربِ ينقلب دوره من وسيلة للأمان إلى وسيلة للتهديد خوفاً من انهياره فوق الرؤوس، فما زلت أذكر الوسيلة المثلى التي يلجأ إليها ساكنو الأبراج عند اشتداد القصف، وهي تركهم لغرف البيوت جميعاً والاحتماء بدرج البرج، الاحتماء بمكان لا يحده سقف.

على شريط الأخبار، في صوت المذيع الهارب من الراديو إلى رأسي، في أخبار ومنشورات متفرقة على منصات التواصل الاجتماعي، وفي الصور التي التقطها المصورون في غزة سواء أثناء الحرب أو بعدها؛ لم أتوقف عن رؤية أصحاب البيوت المهدمة الذين ما زالوا ينتظرون إعادة الإعمار، وباتوا إما يسكنون الخيام في تكرار لمشاهد الهجرة الأولى، أو يعيشون داخل ما تبقى قائماً من بيوتهم كشكل من أشكال العيش داخل الحكايات المقصوفة، أو يراوغون حرارة الصيف وبرد الشتاء على أمل إعادة الإعمار وهم داخل كرخانات.

وعلى الرغم من معايشتي لأربع حروب في قطاع غزة لم أفقد خلالها حياتي ولا أحد أطرافي ولم يدمر منزلي، فقد فقدت خلالها الكثير من الذكريات والحكايات، كأصحاب البيوت المدمرة، ومع كل حديث عن إعادة الإعمار، ما زال السؤال نفسه يدق باب رأسي: إذا أعادوا بناء البيوت، فمن سيعيد بناء الحكايات؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard