ملهاة إبراهيم نصر الله.. حين أدركت أنني لا أعرف شيئًا عن فلسطين

الثلاثاء 26 يوليو 202205:15 م

قبل عامين فقط، كان يُمكنني أن أزعم بقلب مُطمئن أنني أعرف تاريخ فلسطين جيدًا، ليس فقط الرسمي أو ما يتعلق بالقضيّة الفلسطينيّة، ولكن أعرف شعبها، حفظت ملامحهم في أشعار محمود درويش، وعايشت آلامهم في روايات غسان كنفاني، وكان لذلك الأثر الكبير في تكويني الثقافي، وظلّ الوضع على ما هو عليه، حتّى بدأ هذا كلّه بدأ يتبدّد بعد قراءتي رواية "قناديل ملك الجليل"، وهي أوّل ما طالعت من الملهاة الفلسطينيّة للروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، وكان أوّل ما عرفت من خلال هذا الكشف، هو ظاهر العمر، القائد الذي خاض محاولة استقلال فلسطين عن الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، وقد نجح في ذلك بعض الوقت، تماماً، كما فعل علي بك الكبير في مصر، وللدهشة، فقد تحالف الاثنان قبل سقوطهما، وذلك بفعل عوامل كثيرة.

كان السؤال الذي أخذ يلحّ عليّ بعد انتهائي من تلك الرواية، يتعلّق بكيف لم أفكّر يوماً بأنّ فلسطين لها هذا التاريخ القديم الممتدّ. ما الذي جعلني أتعامل معها طوال هذا الوقت على أنّها مجرّد ولاية من ولايات الدولة العثمانيّة؟ وما الذي يجعلنا بعيدين إلى هذه الدرجة عن تاريخها الأبعد من تاريخ القرن العشرين؟ وكأنّ محاولات الاستقلال والنهضة والرموز الثقافيّة كانت حكراً علينا نحن المصريّين فحسب.

هذا بالضبط ما فعلته في "قناديل ملك الجليل" التي لم تكن سوى بداية أدخلتني عالم إبراهيم نصر الله، فالتهمت كل ما هو "ملهاة" بعد ذلك. ببساطة، لقد أخذ الرجل بيدي مثل طفل صغير ليُعرّفني على فلسطين التي لم أعرفها من قبل، إذ يروي في "زمن الخيول البيضاء" عادة تكسير الأطباق للإعلان عن رغبتهم في الزواج كعادة قديمة ربما اندثرت الآن، وفي "تحت شمس الضحى" يهمس لي: "صحيح كانت بوادر الصراع موجودة والناس قلقة، لكن الفلسطينيين كانوا يعشقون محمد عبد الوهاب أيضاً، ويقرأون الصحف ويشتاقون لزيارة القاهرة"، وفي "أعراس آمنة" يؤكد لي أن الزغاريد التي يطلقها الفلسطينيون في توديع شهدائهم ليست إلا تعبيرًا عن بكاء مكبوت، فلا أحد يتمنى فقدان أحد، وآلاف التفاصيل الأخرى التي تجسّد لنا هوية ومِزاج وتاريخ شعب عبر العصور بعيداً عن حدوده ورصاصه وشهدائه.

كان السؤال الذي أخذ يلحّ عليّ بعد انتهائي من تلك الرواية، يتعلّق بكيف لم أفكّر يوماً بأنّ فلسطين لها هذا التاريخ القديم الممتدّ. ما الذي جعلني أتعامل معها طوال هذا الوقت على أنّها مجرّد ولاية من ولايات الدولة العثمانيّة؟

وفي "طفولتي حتى الآن" التي صدرت قبل أسابيع، كجزء جديد من الملهاة الفلسطينية، أكمل معي إبراهيم نصر الله السير، أو ربما أنا من أكملت معه، فتنقل بي إلى عالم المخيمات، وتمامًا كأنّي أطلع عليه لأول مرة، فلا وجود كثيف لأسماء مؤسسات الأمم المتحدة وجهات الإعاشة، ولا تنويه بسوء التغذية وأمراض فقر الدم رغم شعور القارئ بكلّ ذلك في كل سطر، ولا أسئلة العودة إلى الديار، استثنى هو كل ذلك ليطلعني على عالم الأحلام، السفر، المطار الوهمي، السيدة التي تتعلم القراءة والكتابة وتتفوق أمام نفسها وأولادها، حتى المخيم أصبح جديداً مع إبراهيم نصر الله.

ببساطة، ما فعلته روايات نصر الله هو أنّها أعادت تشكيل تاريخ فلسطين في ذهني، لكن تلك المرة أعادتها كشعب لا مجرد تواريخ جامدة، أناس عاديين قبل أن يتحولوا إلى فصائل، أمة وُجدت قبل الصراع وبعده، مجتمع لا يتمنّى أن يفقد أحداً، ولا أحد يريد العيش فيه كبطل، وإنّما يريدون العيش كآدميين، وربّما، هذا السبب هو ما جعلني أتفهّم قليلاً سر رفض محمود درويش إلقاء قصيدة "سجّل أنا عربي" أكثر من مرّة… ببساطة، لقد أراد أن يقول إنّنا شعب فلا تختزلونا في قصيدة وقضيّة.

 تلك المرة أعادتها كشعب لا مجرد تواريخ جامدة، أناس عاديين قبل أن يتحولوا إلى فصائل، أمة وُجدت قبل الصراع وبعده، مجتمع لا يتمنّى أن يفقد أحداً، ولا أحد يريد العيش فيه كبطل، وإنّما يريدون العيش كآدميين

لقد امتدّ التاريخ عند نصر الله إلى ما هو أبعد من ذلك في هذا المشروع "التوثيقي الروائي"، حيث أعاد فلسطين شعباً بأكمله إلى القرّاء، لم ينتصر فقط لبلاده، بل حذّر من التاريخ الرسميّ الذي نقرأه في كتبنا ونتعلّمه في مناهجنا الدراسيّة. صحيح أنّ أيّام الأحداث الكبرى في تاريخ الأمم مهمة كجزء من الوعي الجمعي، وصحيح أيضاً أن النظر إلى فلسطين من منظور قضيتها وصراعها أمر طبيعي وانشغال الكتّاب والشعراء بهذا الجانب ليس عيبًا، بل وواجب علينا معرفته، لكن الأكيد أيضاً أن اختزال الشعوب في أيام حزنها ومجدها، وتجاهل أنها مجموعة من بشر لهم حياة وأفكار تتطور وطِباع حسنة وسيئة.

ما زلت أذكر تلك اللحظة حين ذهبت إلى حفل توقيع "طفولتي حتّى الآن" قبل أسابيع، في القاهرة. لم أذهب من أجل توقيع كتاب، أو حتّى رؤية كاتب كنت قد تعلّقت به، فتلك مغامرة غير مضمونة إذا خالفت تصرّفاته ما يكتب. ولكن ذلك لم يهمّني كثيراً، ولم أجرؤ بينما ألتقط معه صورة تذكاريّة، أن أخبره أنّني أصدرت روايتين، والثالثة في الطباعة، ما يعني أنّني زميل. كلّ ما دار في ذهني في تلك اللحظة، هو أنّني بجوار الرجل الذي أعاد تشكيل بلد بأكمله واستردّ إنسانيّته، بينما تعلّمت أنا من كلّ هذا، عدم الاستسلام للتاريخ النمطيّ، واختزال البلد - أيّ بلد - في بضعة تواريخ سياسية وأماكن أثريّة، وهو ما بدأ يتشكل عندي بعد الملهاة، التي كانت شعلة صغيرة مضيئة أمام كلّ هذا الظلام.

لقد أدركت ببساطة، أنّني لم أعرف عن فلسطين قبل ذلك، إلّا بضعة رتوش.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard