ماذا فعلت بي المسافة عن فلسطين؟

الأحد 6 يونيو 202112:52 م

عند ظهر يوم الثلاثاء، الثامن عشر من أيار/ مايو 2021، كانت ابنتي شهرزاد نائمة في سريرها، وابنتي سلمى في حضني تحاول أن تنام. وكما أفعل معظم الوقت في مثل هذه الحالة، أغني لهما ما حفظته من تهاليل، أحبّها إلى قلبي "نامي يا صغيرة"، وذلك تيمناً بمقطع "نامي ع العتيمة/ تَ نزاح الغيمة/ ويصير عنا ضوّ كبير/ يضوي عَ كل الجيرة".

لكن عندما لا يكن هدف الغناء هو النوم، أغني ما يتبادر إلى ذهني من أغانٍ أحبها من المحيط إلى الخليج. أراني أحياناً أنتهي من ترديد أغنية "بوب" مصرية، فأنتقل إلى أغنية فلسطينية تصلح للمظاهرات الشعبية، لينطلق بعدها من حنجرتي مقطع من أغنية تونسية جالسة على المتوسط. فأنا لا أعتمد "جانراً" محدداً؛ يحدث أن أبدأ بـ"طب ليه بداري كده" وأمر بـ"بحب البحر" لأصل إلى "نبنيو الدنيا زينة".

لكن عند ظهر يوم الثلاثاء ذاك، ومنذ ساعات الصباح، قضيت وقتي بالتنقل ما بين تطبيقات "السوشال ميديا" وبين الاعتناء بابنتيْ. بالأساس، كان جلّ تركيزي مع "ستوريز" الإنستغرام القادمة من حيفا، والبرنامج الفني الاحتجاجي الذي تزامن مع إضراب "18 أيار" في فلسطين.

فقد نقلت "الستوريز" الورشات والفعاليات التي تنوعت في أحياء المدينة، بما في ذلك حلقات "الجام" الموسيقية التي جمعت موسيقيين/ات في أمكنة عديدة، التف من حولهم/ن العشرات يشاركون ويشاركن الغناء. تلقائياً، وجدت نفسي أبحث عن "ستوريز" هذه الحلقات، أعيد تشغليها كي أغني معها لابنتيْ. كان أكثر مقطع كررته هو ذلك الذي غنّى فيه المشاركون/ات أغنية "بكتب اسمك يا بلادي/ ع الشمس اللي ما بتغيب". 

كانت متابعة الهبة الشعبية عامة، ومتابعة يوم الإضراب تحديداً، حركت في داخلي شعوراً لم أدرك عمقه. فإما أنه لم يأخذ حيزاً من تفكيري وأيامي، منذ أن قررت ترك فلسطين والإقامة في مكان بعيد عنها، أو أنني ببساطة قمعته لأنه موجعاً. وما أشطرنا في هذا عندما نرغب بتفادي مواجهة أثر أفعالنا وقرارتنا، حتى تلك التي نحبها. هذا الشعور يسمى "الحسرة"؛ الحسرة بأني لم أكن هناك.

الهبة الشعبية الأخيرة هي أول حدث تاريخي فلسطيني معاصر أعيشه خارج البلاد (منذ أن ولدت طبعاً). فقد ولدت قبل الانتفاضة الأولى بقليل، وبالتالي ما من ذاكرة لي معها إلا تلك التابعة للأهل والقصص. عشت وكبرت مع الانتفاضة الثانية وتعلمت منها الكثير، كما أبناء وبنات جيلي. وها أنا اليوم بعيدة جغرافياً عن انتفاضة أهل بلدي الأخيرة. فما الذي فعلته هذه المسافة بي؟

يصبح الغضب عاجزاً وثقيلاً، تخفف من ثقله الصور والفيديوهات والأخبار التي تصل من شوارع فلسطين، المظاهرات التي تملأ البلاد وتصدح أصوات النساء منها

أول المحطات التي أخذتني إليها كانت التفكير بكل بعيد/ة عن بلده قسراً. الانشغال بهذا الألم ليس وليد هذه اللحظة فقط، لكنه تكثف أكثر في فترة حملي بطفلتيْ التي تزامنت مع جائحة كورونا، واستمر مع الولادة وصعوبة قرار العودة إلى فلسطين في هذه المرحلة بسبب الجائحة أولاً، وكذلك لصعوبة السفر مع طفلتين مر على ولادتهما أسابيع قليلة، سواء بهدف قضاء وقت مع عائلتي و/أو المشاركة في الهبة الشعبية.

ازداد غضبي إثر تفكيري بانعدام العدالة في التفاصيل الحياتية الصغيرة التي يحتاجها كل إنسان يحب بلده وأهله ويشتاق لهما، وفتح أسئلة لا أجوبة لها إلا بسقوط سياسات قامعة لأنظمة ودول استعمارية و/أو دكتاتورية تجاه البشر. ومع هذا، يصبح الغضب عاجزاً وثقيلاً، تخفف من ثقله الصور والفيديوهات والأخبار التي تصل من شوارع فلسطين، المظاهرات التي تملأ البلاد وتصدح أصوات النساء منها، وتلك التي تملأ مدن العالم بضجيج اعتقدنا أنه اختفى. لكن الغضب يزداد مع متابعة صور أطفال غزة الذين قتلتهم صواريخ الاحتلال. ويزداد مع قتل الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية، مع وحشية المستوطنين في شوارع يافا وحيفا، مع الاعتقالات المستمرة في الشيخ جرّاح وأم الفحم. يزداد الغضب عندما تُوجه حركة حماس شكراً للنظام الإيراني بعد انتهاء الحرب على غزة. كأن أحدهم رمى على رأسك دلو مياه باردة، فيه كل صور وجوه ضحايا الطائرة الذين قتلهم النظام الإيراني.

نقول للعالم إن قضيتنا ليست مركبة: دولة استعمار استيطاني سرقت وتسرق الأرض، قمعت وتقمع أهلها. وهذا صحيح بالطبع. لكن علينا ألا ننسى أيضاً أن في العالم قضايا أخرى غير مركبة: دول وأنظمة تقتل وتعتقل شعوبها كل يوم لأنها تُطالب بالحرية والحياة الكريمة. وبالتالي، فإن صمت النخبة، من مثقفين/ات ونشطاء سياسيين/ات عن توجيه حركة سياسية فلسطينية شكرها لنظام دكتاتوري قامع، في أبسط التعابير، هو نفاق وقرف.

إن صمت النخبة، من مثقفين/ات ونشطاء سياسيين/ات عن توجيه حركة سياسية فلسطينية شكرها لنظام دكتاتوري قامع، في أبسط التعابير، هو نفاق وقرف

كيف وصلت إلى هذا؟

ساهمت المسافة عن فلسطين أيضاً بهذا الإدراك. ولها امتناني.

المحطة الثانية من الإجابة على سؤال "ماذا فعلت المسافة بي؟"، كان العودة إلى السؤال لماذا تركت فلسطين أصلاً؟ قبل سنوات، عندما كنت أغضب من حدث ما في فلسطين، سواءً كان سياسياً أو اجتماعياً أو حتى عاطفي، كنت أجدني أصرخ وسط صديقاتي "الهجرة... الهجرة يا بنات". فنضحك. كانت الرغبة بالهجرة تتزامن مع سكرات البارات في الليل (وأحياناً في طقة الظهر). لكني لم آخذها على محمل الجد آنذاك. ولا أعتقد أني عندما قررت السفر إلى برلين بحقيبة واحدة قلت لنفسي بأني مهاجرة. ما زال وقع كلمة "هجرة" ثقيل عليّ. لكني كل ما فعلته منذ نيسان/ أبريل 2017 هو خطوات نحو الهجرة. وها أنا اليوم، في أمستردام مع زوجي الإيراني وابنتيْ وبيت عائلتي الذي بنيته بعيداً عن بيتي الأول. لكنها غربة، وليست هجرة، أقول، وأضحك على نفسي.

لم أعش وسط بيئة تدفع نحو هجرة اختيارية من البلاد إلى مكان آخر بحثاً عن حياة أفضل. على العكس، ولدت وعشت وسط تأكيد على ضرورة البقاء؛ بقاء من بقي في وطنه، في وطنه. وعلى أن الهجرة تقترب من فعل الخيانة. لماذا عليّ أن أهاجر فلسطين في الوقت الذي تتمنى فيه اللاجئة العودة إليه؟ "شو مجنونة؟"، قال لي صديق فلسطيني لاجئ عندما عرف أني قررت العيش خارج فلسطين. وهذا مفهوم جداً. هذا بالإضافة إلى أني ولدت في محيط كل من اختار/ت فيه السفر خارج فلسطين، يسافر لسبب ما، عادة ما يكون للدراسة، انطلاقاً من مبدأ أن استثمار المعرفة يجب أن يعود بالفائدة إلى البلاد وناسها. وهذا نبيل جداً.

لكني قررت أن أترك فلسطين. جاء القرار عندما تعرّفت إلى مدينة برلين في العام 2016. صادف هذا العام لجوءً قسرياً واختيارياً للعديد من الأصدقاء والصديقات القدامى والجدد من بلادهم في المنطقة المتحدثة بالعربية بعد الثورات، إلى برلين. فأصبحت المدينة، بالنسبة لي الفلسطينية، ابنة عكّا، حاملة جواز السفر الإسرائيلي، المكان الأنسب للحياة وللحركة. فقد جسدت ما حلمت به وأردت أن أعيشه على أنه "حياة عادية". ففي استحالة السفر إلى مدن نحبها، بسبب الاستعمار الاستيطاني والدكتاتوريات، للقاء ببشر في بلادنا، للصداقة أو الحبّ أو العمل، حملتنا الكوارث لأن يصبح السفر إلى هذه المدن هو عبر البشر الذين طُردوا منها أو اختاروا الرحيل عنها ووصلوا إلى برلين، إلى أوروبا، إلى الغربة.

وفي الغربة لا نبتعد عن بلادنا ولا كوارثها. نفكر أننا كذلك أحياناً. تدربنا جيداً كيف نضحك على ذواتنا. كوارثنا لا تلاحقنا بالفكرة والوجع في المكان "الجديد" وحسب، بل هي موجودة في تفاصيل حقيقية من حولنا. فالمكان يصبح جميلاً بالبشر، ويصبح بشعاً بهم أيضاً. والمكان ذاته موجود وحيّ داخل أنظمة تغذي بشكل أو بآخر أسباب كوارثنا التي هربنا منها.

ولدت وعشت وسط تأكيد على ضرورة البقاء؛ بقاء من بقي في وطنه، في وطنه. وعلى أن الهجرة تقترب من فعل الخيانة. لماذا عليّ أن أهاجر فلسطين في الوقت الذي تتمنى فيه اللاجئة العودة إليه؟

حقيقة مؤسفة. أعترف. لكن مع هذا، نلتقي (البعض لا الكل) لنحتضن بعضنا البعض (ما قبل كورونا وما بعدها)، ونلتقي لنشتم إسرائيل والنظام السوري والإيراني والمصري والرأسمالية والأبوية والتطرف الديني (والقائمة ما زالت طويلة)، ونشعر بالعجز، وننظم مظاهرات، ونواصل نضالنا النسوي، ونرقص ونكتب ونغني، و"نمسح بالأرض" بمتحرش يتابع خطواتنا في مدينة اعتقدنا فيها أننا بأمان، ونمارس الجنس مع من نحب أو للمتعة فقط، ونشرب الكحول ونستيقظ ندامى في اليوم التالي. منا من تستطيع العودة إلى بلدها عندما ترغب، ومنا من لا تستطيع، بل مُنعت من ذلك أو لا تريد العودة حتى.

أنا من اللواتي تستطعن العودة. لكني قررت منذ زمن أن الزيارات تكفي. إلا أن ذلك لا يمنع "الحسرة" أحياناً. كما أن البعد الجغرافي عن بلدي وأهلي وناسي وصديقاتي هُناك هو خسارة تفاصيل كثيرة. أقلها أني لا أراقب ازدياد الشعر الشائب على رأس أمي، وأكثرها أني بعيدة عن معرفة الشعور اللحظي لما يمكن أن يفعله هتاف "الموت للعرب" الذي صرخت به عصابات المستوطنين تحت شباك بيتنا في عكّا. خسارة كلاهما موجع بأشكال مختلفة. لكن، هل إن فكرنا أكثر بالتفاصيل التي سنخسرها في بلادنا بدل تلك الجميلة المكتسبة في بلاد أخرى، هل كنا سنتراجع عن "الهجرة"؟ السؤال طبعاً لمن لديها امتياز الاختيار. وعذراً لمن تركتها قسراً.

الإجابة: لا أعلم. لكني سأواصل تعلّم خيار طرح الأسئلة ومواجهة الألم، حتى ذلك الذي نتج عن قرارات أحبها.

على الأقل، جاءت التكنولوجيا بشبابيك على أغانٍ من حيفا، أفتحها في بيتنا بأمستردام، لتسمعها ابنتيْ، الفلسطينيتيْن الإيرانيتيْن. هما أجمل ما خُلق نتيجة ابتعادي الجغرافي الاختياري عن عكّا واللجوء الذي فُرض على والدهما من طهران، وهما أهم ما يحملني اليوم لمواجهة الأسئلة.

لتكونا هما الإجابة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard