ماذا جرى في رحلة نور حمادة إلى طهران؟

الجمعة 29 يوليو 202206:34 م

برزت الحركة النسوية في إيران بعد مرور فترة على الثورة الدستورية (عام 1910)، فصدرت في ذلك العام أول صحيفة نسائية إيرانية، واستمرت الحركة النسوية الإيرانية حتى عام 1933، ولكن بعد ذلك شهدت هذه الحركة سياسات وأحداثاً ضدها، وتطورات كثيرة.

عقد في بيروت عام 1929 مؤتمر للمرأة السورية واللبنانية بجهود الناشطة النسوية اللبنانية نور حمادة وناشطات أخرى، وتبع هذا المؤتمر، مؤتمر آخر في مجال النسوية، عقد في دمشق عام 1930 برئاسة نور حمادة و بحضور جمعيات نسوية من إيران وتركيا والعراق ولبنان وسوريا والأردن والهند ودول أخرى، وكذلك جمعية الاتحاد الدولي النسائية، والذي اتخذ عنوان "مؤتمر نساء الشرق".


کان من المقرر تنظیم المؤتمر کل عامین في إحدی الدول الشرقیة، ثم یلي کل مؤتمر اجتماع في لبنان للمصادقة علی ما یصدر عنه. وبعد عامین علی المؤتمر الأول، في تشرين الأول/أکتوبر 1932، ذهبت نور حمادة وصديقتاها (حنیفة خوری بالنیابة عن المرأة المصریة، وفاطمة سعید مراد بالنیابة عن المرأة السوریة) إلی طهران. واستمرت الاستعدادات لعقد المؤتمر الثاني، شهراً بأکمله، حیث شهدت طهران عقد ندوات واجتماعات نسویة مکثفة بمشارکة جمعیات نسویة إیرانیة.

كان تنظيم المؤتمر برئاسة نور حمادة من الأحداث المهمة في تاريخ الحركة ‏النسوية الناشئة في إيران، الأمر الذي جعل الصحف والجمعيات النسوية تقوم ‏بتغطيته على نطاق واسع

وأقيم المؤتمر الثاني في طهران، باستضافة جمعیة "النساء الوطنیات" الإيرانية التي تأسست في شباط/فبرایر 1923 علی ید الناشطة الإيرانية محترَم إسکندري، وعدد من صديقاتها.

وعقد المؤتمر الثاني والذي اختص بالمرأة الشرقية بمشاركة ممثلات من ستة عشر دولة بهدف تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة. وكان مؤتمر نساء الشرق مؤسسة ‏تطوعية تهدف إلي تحسين ظروف المرأة في الدول الشرقية.

تنظيم المؤتمر برئاسة نور حمادة كان من الأحداث المهمة في تاريخ الحركة ‏النسوية الناشئة في إيران، الأمر الذي جعل الصحف والجمعيات النسوية تقوم ‏بتغطيته على نطاق واسع.‏

زيارة نور حمادة إلى طهران

أشار الوزير في الحكومة القاجارية الإيرانية مهدي قُلي خان هدايت في كتابه ‏‏"ذكريات ومخاطر" إلى هذه الزيارة، قائلاً: "زارت عام 1932 طهران، الشاعرة والناشطة النسوية اللبنانية ‏المولودة عام 1887 وإحدى الناشطات في مجال حقوق المرأة في الشرق ‏سيما المناطق الإسلامية، ورئيسة مؤتمر نسوان الشرق نور حمادة, برفقة نساء ‏من الهند ومصر والشام، حيث أقيم المؤتمر وصدر عنه قرارات، وأكد ‏أن الإسلام أكثر حرصاً على شأن المرأة ومقامها والتذرع به غير صحيح".

وتقول الصحافية الإيرانية إلهه هاشمي حائري التي ذهبت نيابة عن صحيفة "اطلاعات" الشهيرة في إيران لتجري لقاء ‏مع نور حمادة في فندق "كونتيننتال" في طهران خلال فترة إقامتها في هذه المدينة عن ذلك اللقاء: "كنت أعرف السيدة نور ‏حمادة من خلال جرائد العراق وسوريا ومصر وأعرف أنها سيدة فاضلة، ‏وتحملت أعباء إنشاء مؤتمر نساء الشرق، وأنها رائدة الحركة والصحوة ‏النسويتين في بلاد العرب خصوصاً في الشام. إنها رحبت بي بوجه مبتسم ولم ‏تفارق وجهها الابتسامة حتى نهاية المقابلة. ومن خلال شرحها الشامل لمسيرتها ‏كان يتضح لي حجم الأعباء التي تحملتها من أجل إقامة المؤتمر".

"كانت من النساء الفاضلات والمتعلمات، اسمها نور حمادة. لم ترتد ‏الحجاب في حين لم يكن سائداً مشاركة امرأة دون ارتداء الحجاب في مثل هذه المجالس"

ثم تشرح سيرة نور حمادة قائلة: "إنها امرأة درزية, تعلمت و تخرجت في ‏بيروت. بدأت كتابة الشعر في الثانية عشرة من عمرها حيث سطرت بيوتاً من فائض ‏قريحتها الشعرية. إنها تجيد الإنكليزية والتركية وقليلاً من الفرنسية، بالإضافة ‏إلى العربية التي هي لغتها الأم. منذ عملها في المجال النسوي أنشأت العديد من ‏الجمعيات والاتحادات منها مجمع النساء المحمديات والذي دعت جميع النساء ‏المسلمات للانضمام إليه بغية إصلاح وضع المرأة وصيانتها من التطرف الديني ‏الذي يحول أحياناً دون تطورها. كما نجحت في إنشاء مجمع نساء سوريا لكل السوريات، وأيضاً أنشأت ‏عدداً آخر من المجامع التي استهدفت المرأة العربية ودعتها للانضمام إليها".

وقبيل انطلاق مؤتمر طهران ألقت نور حمادة في صالة "مستورة أفشار" وهي عضو في ‏مجلس رئاسة "جمعية النساء الوطنيات", الجمعية النسوية الرائدة في إيران, ‏كلمة حول تطوير مستوى تعليم النساء، وخاصة الفتيات، واتباع مبدأ ‏‏"الدين للحقّ والوطن للجميع".

وألقت كلمة أخرى في المكان نفسه قالت فيها بلغة شعرية: "عندما ‏أتحدث عن المرأة السورية فإني لا أعني المرأة الإيرانية والعربية فحسب، بل أتحدث ‏عن المرأة الشرقية وغير الشرقية. إن حديثي عن المرأة السورية هو حديث عن ‏كل النساء، لأن المرأة السورية تحب وطنها أولاً، ثم بيتها، ثم أقرباءها المقربين ‏منها، ثم جيرانها البعيدين عنها. هذه الحركة بدأت من قمم جبال لبنان و‏سوريا الشامخات، من قمم لبنان البيضاء كـشَعر رجل طاعن في السن، ومخضرة ‏أراضيها بالشجر الذي حملوه خشباً لسليمان الحكيم، من قمم الجبل العجوز ‏الذي رأى عجائب لم يشهد عليها غيره من الجبال؛ هو الجبل المحاط بالدول ‏والتاريخ الخالد والأسرار الكثيرة التي تغطيه، وبالرغم من ذلك لم ينحني ظهره، وسيبقى ‏شامخاً دائماً وسرمداً بقمته ومشهده الجميلين". ثم اختتمت حديثها ببيت ‏من شعر نظمته عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها.

وألقت نور حمادة محاضرات عديدة طيلة إقامتها في طهران لمدة شهر كامل في مقرّ ‏المنظمات والجمعيات منها منظمة الكشافة الإيرانية، وصالة وزارة المعرفة، وأول ‏دار حضانة للأطفال في إيران، والمدرسة الأمريكية للإناث، وجمعية المرأة المتطلعة، ‏ومدرسة "الناموس"، و مراكز أخرى، خاطبت فيها النساء والفتيات الإيرانيات.

زيارة نور حمادة لإيران وإقامتها المؤتمر النسوي في طهران أعطت طابعاً جديداً ‏للعمل النسوي في إيران، حيث بدأت المرأة الإيرانية حركة فريدة ومنقطعة النظير ‏في تاريخ الحياة الاجتماعية والفردية

‏لم ترتد نور حمادة الحجاب في كل تلك المحاضرات، وجاء في التقرير الذي أصدرته ‏جمعية "الأدب" في طهران عن حضورها، والذي نشرتها مجلة "خواندني ‏ها" (المقروءات): "كانت من النساء الفاضلات والمتعلمات، اسمها نور حمادة. لم ترتد ‏الحجاب في حين لم يكن سائداً آنذاك مشاركة امرأة دون ارتداء الحجاب في مثل هذه المجالس".

زيارة نور حمادة لإيران وإقامتها المؤتمر النسوي في طهران أعطت طابعاً جديداً ‏للعمل النسوي في إيران، حيث بدأت المرأة الإيرانية حركة فريدة ومنقطعة النظير ‏في تاريخ الحياة الاجتماعية والفردية. لم يحق للمرأة آنذاك التحدث إلى رجل ‏وإن كان قريباً لها في الشارع وفي الأماكن العامة الأخرى، وكانت ملزمة بإطاعة الأب والأخ ‏والزوج في البيت، وكان تواجد المرأة في المجتمع وأمام الأنظار مقيداً جداً، كما أنى المرأة الإيرانية كانت ‏تفتقد للكثير من حقوقها الطبيعية.

وبعد زيارة نور حمادة لطهران، وإقامة المؤتمر ‏النسوي هناك، والاطلاع على تجارب حمادة ونساء أخريات من دول ‏عربية تشجعت المرأة الإيرانية للتنظيم والمسارعة في متابعة مطالبها المتمحورة ‏حول المساواة بين الرجل والمرأة.‏

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard