عندما تكون الحريات مجزأةً تصبح الضحية جلاداً... مجددو الخطاب الديني مثالاً

الجمعة 22 يوليو 202211:03 ص

مقدمة

كثيراً ما نسمع في المجتمعات ذوات الأغلبية المسلمة، عن محاكمات للمفكرين الأحرار والمجددين في الخطاب الديني بتهمة ازدراء الأديان أو التعدي على المقدسات، وتتراوح بين غرامات مالية وأحكام بالسجن، وتصل إلى فتاوى بهدر دم المجدد الديني، أو الحكم بإعدامه، كما حدث مع ضحايا الأصولية الدينية، كالمفكر السوداني محمود محمد طه المعدوم شنقاً عام 1985، بعد تحريض الإخوان والأنصار والسعودية عليه بتهمة الردة، بسبب كتبه.

ولعل أشهر قضايا ازدراء الأديان الحديثة التي انتشرت بين سنتي 2021 و2022، هي تلك التي حُكم فيها المفكر الإسلامي المصري المعروف أحمد عبده ماهر، بالسجن خمس سنوات مع الشغل والنفاذ على إثر مجموعة من التصريحات والكتابات، التي عُدّت تعدياً على المقدسات والمسلّمات الإسلامية. ولعلنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى العودة إلى بعض المفاهيم حتى يتم توضيحها وشرحها خاصةً أن الكثير منها يبدو محل غموض والتباس حتى عند ضحايا اتهامات حكم الردة أو قوانين ازدراء الأديان الفانتازية، لإحكام سطوة رجال الدين، وخطابات الكراهية، على غرار ما غرّد عنه أحمد عبد ماهر، بعد أن عانى هو نفسه من هذه القوانين ومن التكفير، محرضاً على اللا دينيين في أكثر من مناسبة على موقع تويتر.

في أي مبحث علمي أو مقال جدلي، تأخذ مسألة تحديد المفاهيم من دون مواربة، الأهمية الجوهرية، وأهم المفاهيم التي سنركز عليها في هذه المقالة، هي ازدراء الدين وخطاب الكراهية والتحريض، بالإضافة إلى مفهوم الإلحاد، وذلك قبل أن نتطرق في الجزء الثاني من هذه المقالة إلى واقع اللا دينيين بين استلاب حرية التعبير والتحريض حتى من قبل من يصدّرون أنفسهم مصلحين (مدّعين التنوير كما يناسبهم)، أو مجددين للخطاب الديني.

إن أهم المفاهيم التي سنركز عليها في هذه المقالة، هي ازدراء الدين وخطاب الكراهية والتحريض، بالإضافة إلى مفهوم الإلحاد، وذلك قبل أن نتطرق في الجزء الثاني من هذه المقالة إلى واقع اللا دينيين بين استلاب حرية التعبير والتحريض حتى من قبل من يصدّرون أنفسهم مصلحين (مدّعين التنوير كما يناسبهم)، أو مجددين للخطاب الديني

توضيح المفاهيم

يُفهم ازدارء الدين أو التجديف على أنه إساءة إلى ما يعبَّر عنه بالمقدس من الأفكار والطقوس الموروثة من الآباء والمعتقدات ورموزها من الأشخاص كالأنبياء والرسل، وقد يتعدى هذا المفهوم ليشمل حتى الأعراف الاجتماعية المنبثقة مما سبق وعلاقات القوة بين المتّبعين أو غير المتّبعين لدين ما، والمؤسسات الدينية بمن يمثلها أو ينتسب إليها، وهم في أغلب الأحيان من الرجال.

وقد تغيّر هذا المفهوم عبر التاريخ نحو ثلاث مرات، حددها الفيلسوف الأمريكي والحقوقي Austin Dacey، في كتابه "مستقبل التجديف: الحديث عن المقدس في عصر حقوق الإنسان"  (2012) The Future of Blasphemy. ففي قديم التاريخ، تضمن الازدراء كل إساءة لفظية إلى الآلهة.

ثم تغيّر المفهوم في العصور الوسطى، ليشمل كل خطاب مثير للفتنة، أو فيه تعدٍّ على القانون والنظام العام. ثم جاء المفهوم الحديث فأصبح الازدراء تهمةً تلاحق كل خطاب من شأنه أن يجرح المشاعر أو يمسّ بكرامة المؤمن وحقوقه.

في السياق الإسلامي، كانت الزندقة هي المصطلاح الأكثر استعمالاً، وقد رُميت به أسماء معروفة عدة فضّلت منهجية العقل على النقل في مجالات اختصاصها، وتجرأت على السؤال والشك والتفكير بمنطق وعقلانية، على غرار الإمام الغزالي مثلاً، الذي أُحرقت كتبه، وعبد الله بن المقفع مترجم كتاب "كليلة ودمنة"

وفي السياق الإسلامي، كانت الزندقة هي المصطلاح الأكثر استعمالاً، وقد رُميت به أسماء معروفة عدة فضّلت منهجية العقل على النقل في مجالات اختصاصها، وتجرأت على السؤال والشك والتفكير بمنطق وعقلانية، على غرار الإمام الغزالي مثلاً، الذي أُحرقت كتبه، وعبد الله بن المقفع مترجم كتاب "كليلة ودمنة". وفي زمن ليس ببعيد، لاحقت هذه التهمة الكاتب المصري فرج فودة، ونجيب محفوظ، وحامد أبو زيد، وحتى الكاتبة النسوية المعروفة نوال السعداوي.

لعل الازدراء بمعناه الحديث المقترن بالمساس بمشاعر المؤمنين، هو الأكثر أهميةً والأجدر بأن يناقَش، إذ يفرض نوعاً من الحصانة غير المفهومة لبعض الأيديولوجيات الدينية مقارنةً بغيره.

ولعل الازدراء بمعناه الحديث المقترن بالمساس بمشاعر المؤمنين، هو الأكثر أهميةً والأجدر بأن يناقَش، إذ يفرض نوعاً من الحصانة غير المفهومة لبعض الأيديولوجيات الدينية مقارنةً بغيرها، فتوصيف دين الإسلام مثلاً بالفاشي، أو القول بعدم صلاحياته لكل زمان أو مكان، يُعدّان ازدراءً عند العديد من الجهات التابعة أو المدافعة عن هذا الدين عاطفياً، لا عقلانياً وإنسانياً، بالرغم من أن كلا المثالين لا يمسان بكرامة الأفراد ولا أعراضهم أو ممتلكاتهم أو ممارسة طقوسهم التعبدية الفردية. في حين أن نقد المسيحية مثلاً، أو حتى تجسيد رموزها الدينية في صور كاريكاتورية، نادراً ما يقابَلان بتهم الازدراء والتجديف، وهذه مقارنة منطقية حالية. وتعجّ منصات التواصل الاجتماعي بتدوينات وتعليقات تحرّض بشكل واضح على كراهية الأفراد ذوي الانتماءات العرقية أو الجندرية أو الفكرية المختلفة وإقصائهم، بسبب الإسلام، من دون أن يلاحَق المحرضون بتهم الازدراء أو التحريض. غياب الانسجام والوضوح في معايير تقييم خطاب الازدراء، يضعنا فعلاً في موقف صعب يستدعي ضرورة إعادة الوقوف على مفهوم حرية التعبير وحدود اختلافه مع خطاب الكراهية ومفهوم الحريات التي لا تتجزأ.

يحدد مبدأ حرية التعبير ما ينبغي أو ما لا ينبغي أن نقوله قانونياً على جميع الأنواع والتوجهات الجندرية المختلفة عنا، ما يُسمى اختصاراً "خطاب الكراهية". وتم تعريف "خطاب الكراهية" كخطاب يهاجم أو يسخر من مجموعة أو من شخص بسبب خصائص نموذجية ظاهرة. المادة العشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تدعو لتجريم "أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تحرّض على التمييز أو العداوة أو العنف".

وغالباً، يصدر التعبير عن الرأي (أو إبداء الرأي)، باللفظ أو بالكتابة، لا بفعل أو بسلوك ولا بالإشارة. أما التحريض، فهو الآخر لا يصدر إلاّ عن قول إما باللفظ وإما بالكتابة كذلك، سواء كان التحريض ضد شخص طبيعي أو اعتباري، أو ضد نظام سياسي، أو ضد فئة من الناس. فالكلام، شفاهةً كان أو محرراً، هو العنصر المشترك بينهما، بيد أن هذا العنصر المشترك لا يوحّدهم، إذ يظلان بالرغم ذلك مختلفين اختلافاً جوهرياً، وهذا الاختلاف يكمن في المفهوم والطبيعة القانونية والهدف لكل منهما.

إن "التعبير عن الرأي" تصريح ينبثق من الفكر الصالح المباح، مداده قول الحق والحقيقة حسبما يراهما المُعبِّر، ويرتكز على مبدأ الحق غير المطلق في ممارسته، ويقوم أساساً على فكرة البحث وتبادل الأفكار، في حين أن "التحريض" نقيض ذلك تماماً؛ فهو من حيث المبدأ يمثّل جريمةً أو يحث على ارتكابها، ولا يمتّ إلى الفكر المنهجي العلمي بصلة

إن "التعبير عن الرأي" تصريح ينبثق من الفكر الصالح المباح، مداده قول الحق والحقيقة حسبما يراهما المُعبِّر، ويرتكز على مبدأ الحق غير المطلق في ممارسته، ويقوم أساساً على فكرة البحث وتبادل الأفكار، في حين أن "التحريض" نقيض ذلك تماماً؛ فهو من حيث المبدأ يمثّل جريمةً أو يحث على ارتكابها، ولا يمتّ إلى الفكر المنهجي العلمي بصلة. هناك خطوط تتقاطع بين "التعبير عن الرأي" و"التحريض". ونظراً لاختلاف الرؤى بينهما، نلحظ بعض الأنظمة السياسية أو ذوي النفوس المريضة يستغلون هذا التقاطع واختلاف الرؤى لملاحقة كل من يُعبِّر عن رأيه بتهمة جريمة التحريض مثلاً. وأكثر ما يُنسَب إلى هؤلاء تهمة "التحريض على كراهية النظام"، لأن هذه التهمة هي بالتحديد القميص الفضفاض الذي يمكن إلباسه لمن يُراد تكميم أفواههم. وقد يستغل آلية التحريض بالمعنى الذي حددناه كل من امتلك سلطةً ماديةً أو معنويةً تخوّل له تصوير الآخر المستضعف والمختلف على أنه يشكل خطراً على المنظومة، سياسيةً كانت أم دينية.

فعلى سبيل المثال، في سلسلة من التدوينات على التويتر لأحمد عبده ماهر، تحريض مباشر على المسلمين السابقين أو اللا دينيين، إذ يدعو فيها السلطات إلى تتبّعهم وتعقّب بياناتهم حمايةً لما أسماه فقه التنوير! بل زاد في ذلك وجمعهم في الخانة نفسها مع المتطرفين والسفاحين ووصمهم في تدوينة سعى إلى محوها بمسمى لفئة مهمشة نتاج منظومة الذكورية المتسلطة والمقصود هنا "اللقطاء!!! يا للعار". وهذا في حد ذاته أسلوب مخابراتي سلطوي واضح وجلي للتحريض المبطن، خاصةً أن أغلب من ساندوه بناءً على مبدأ حق الإنسان في حرية التعبير، كانوا من اللا دينيين/ ات والنسويات. وبالرغم من أننا كنسويات راديكاليات جذريات ولا دينيات، لا نرى أي علاقة بين مصلحي الخطاب الديني (المجملين للموروث بحقيقته) والتنوير، إلا أننا في الوقت نفسه نجتمع بالرغم من كل شيء على حق الجميع في النقد والتعبير وحرية الرأي تجاه شخصيات وموروثات تاريخية يتعامل معها البعض على أنها حقيقة والآخرون كأسطورة من باب مناقضة العلم والأركيولوجيا و الكوديكولوجيا.

من تغريدات عبدو ماهر التحريضية

يبدو إذاً، أن اللّبس والغموض اللذين يشوبان فهم بعض التقاطعات بين الازدراء أو التجديف وحرية التعبير وخطاب التحريض، يقعان عند كثيرين منا، بما في ذلك من صنّف نفسه من المفكرين والمصلحين والمجددين. قد يرى كثيرون ممن يدّعون الحرص على التعددية في شكلها الثقافي، أن سنّ قوانين وتشريعات تجرّم الازدراء هو الحل الأفضل لضمان ما يعبّر عنه بالسلم الاجتماعي وتحقيق التعايش. غير أن تحقيق هذين الهدفين لن يكون مجدياً إطلاقاً إن أقدم على تقديم تنازلات عما يُعدّ في بعض البلدان المتحضرة، كما في النرويج وهولندا، حقاً محمياً وعموداً أساسياً من أعمدة حرية التعبير، ألا وهو انتقاد الدين والرموز الدينية من دون التجاوز على المتديّنين/ ات في أشخاصهم/ هن. بل إن التنكر لهذا الحق في ممارسة حرية التعبير هو ضرب من الانبطاح والإذعان والاستسلام لإملاءات المتطرفين والإرهابيين. وهو عادةً ما ينتهي بتطبيق حكم الردة بالتصفية الجسدية أو المعنوية، التي أصبحت لها في عصرنا الحديث حصانة قانونية تحت ما يسمى "قانون ازدراء الأديان"، للحد من الإلحاد.

يبدو إذاً، أن اللّبس والغموض اللذين يشوبان فهم بعض التقاطعات بين الازدراء أو التجديف وحرية التعبير وخطاب التحريض، يقعان عند كثيرين منا، بما في ذلك من صنّف نفسه من المفكرين والمصلحين والمجددين.

وهنا، لا بد من التوقف عند شرح مفهوم هذه الكلمة المُساء استعمالها (الإلحاد)، وفهمها حتى عند من يشار إليهم بالنخبة المثقفة. إن معنى الإلحاد في اللغة، وحسب ما جاء في معجم المعاني الجامع، هو المَيْلُ عن القصْد، ولحَدَ إِليه بلسانه: أي مال. إذاً، الإلحاد لغوياً هو صفة تطلَق على كل من مال عن القصد، وهنا يصبح كل البشر، داخل منظومة الدين أو خارجها، ملحدين/ ات. أما الاستعمال الاصطلاحي للمعنى، فيقتضي العودة إلى أصل الكلمة الإغريقية المشتقّة من أثيوس atheos، وترجمتها عدم الاعتقاد بوجود إله/ آلهة، وهو مصطلح سابق لمرحلة الأديان الإبراهيمية. وعليه فإن استعمال كلمة إلحاد أو ملحد، لتوصيف كل من تخلى أو هجر موروثه الديني، ما هو إلا استعمال عبثي غير دقيق. لذلك، وعلى الرغم مما يشاع نمطياً، فإن الملحد ليس بالضرورة مناهضاً للدين عموماً، وهو أيضاً لا يكره الإله لأن من المحال كره شيء ما لا نؤمن بوجوده أصلاً. اقترح ريتشارد دوكينز، مصطلح اللا ربوبية، عوضاً عن الإلحاد، ونحن، كـ"لا دينيات"، نميل إلى هذا المصطلح، كون الإلحاد، تحديداً، مصطلح ديني بعمقه ولا يمثلنا مطلقاً. ولعل المصطلحات الأخرى، مثل الطبيعية naturalism، أو الإنسانوية العلمانية secular humanism، تشير ضمنياً إلى رفض الدين وتحدد جوهر فلسفة الفرد أو رؤيته للعالم. وهنا نعرّج على مصطلح اللا دينية، الذي يراه الكثيرون حاوياً لمصطلح الإلحاد والربوبية. ليست اللا دينية سوى موقف بالتخلي عن الدين لأسباب فلسفية أو علمية أو أخلاقية أو نسوية. وتعتمد رؤيةً تاريخيةً علميةً لبشرية الأديان، إذ لا يُعدّ الدين سوى صناعة بشرية، أنتجه عقل الإنسان لسد حاجته إلى قوة عظمى أو خارقة ينسب إليها أفعال الشر والخير والعقاب والثواب للسيطرة على البشر في مرحلة نضجهم العسكري والاجتماعي. وعليه، يرى اللا ديني/ ة، أن الأديان من صنع البشر، وليست من لدن إله، بغض النظر عن ماهية المسبب للكون إن كان هناك من مسبب، بينما يعتقد الربوبيون بوجود قوى عظمى بغض النظر عن مسماها لدى كل فرد، هي التي صنعت هذا الكون ولا علاقة لها بصفات إله أو آلهة لدين محدد.

إن المنظومة الثقافية الاجتماعية والسياسية والقانونية برمتها، في دولنا، مشوهة، لأنها تقوم على حماية المعتقدات السائدة ودين الدولة، أكثر من الاهتمام بحماية الإنسان

واقع اللا ديني/ ة العربي/ ة في خطاب الإصلاح الديني

أما وقد انتهينا من توضيح مفاهيم جوهرية في الخطابات السائدة اليوم حول مواضيع تمس المعتقدات الدينية وحرية الضمير والمعتقد، فسنخصص الجزء الثاني من هذا المقال لتسليط الضوء على واقع اللا دينية في المجتمعات الناطقة بالعربية. إن المنظومة الثقافية الاجتماعية والسياسية والقانونية برمتها، في دولنا، مشوهة، لأنها تقوم على حماية المعتقدات السائدة ودين الدولة، أكثر من الاهتمام بحماية الإنسان. فقد ينتفض المجتمع من أجل المؤسسات الدينية أو دين الأغلبية، في حين لا يتم الالتفات إلى ازدراء البشر. كما لا يوجد تشريع فعلي يعمل على حماية الأقليات واللا دينين/ ات وحرية تعبيرهم/ هن كالتي كفلها ميثاق حقوق الإنسان الذي ينعم من خلاله المسلمون/ ات بحقهم في المعتقد كأقليات في الغرب، بل يستخدمون في الغالب هذا الحق لترويج ما يُسمّى بالإسلاموفوبيا، المقصلة الموجهة لتكميم أفواه حتى المسلمين/ ات، وهذا ما سنتطرق إليه في مقال منفصل، لأن الفوبيا مرض خوف غير مبرر من شيء معيّن غير معروف للمصاب بالفوبيا، وهذا لا ينسجم مع طبيعة الدين الضامّ عبر التاريخ آلاف الحركات الأصولية المتطرفة، وزراعة الرعب والخوف المبررين. فكثيرون مثلاً، لا يعلمون عن القانون الجزائي الموحّد الصادر من جامعة الدول العربية عام 1992، وعن المادة 162 التي تنص على أن المرتد هو المسلم الراجع عن دين الإسلام، أو من سبّ الإسلام ورسوله أو حرق القرآن، إذ يعاقَب بالإعدام بعد أن يستتاب ويُمهَل ثلاثة أيام، أو عن المادة 165 التي تنص على تجريد المرتد من حقوقه المدنية وتعدّ تصرفاته قانونياً باطلةً ويُمنع من الزواج ويُبطَل زواجه في حال كان متزوجاً ويُحرم من أولاده ويطلَّق غيابياً ويجرَّد من أملاكه، وهذا ما يمكن للدول الأعضاء المنضوية تحت مظلة الجامعة العربية تطبيقه على اللا دينيين/ ات، ولو غابت عن دساتيرها هذه العقوبات.

نسمع من المتدينين، وعبر المنابر السياسية والدينية والإعلامية، تكراراً لما يسمونه حماية قيم الأسرة أو الكتب المقدسة، أو حتى رجال الدين، فيما لا يتم النظر إلى الأمر إن تسبب في أذى لمجموعة من البشر، وحماية حياتهم هي الأقدس من أي قيم أو كتب أو سلطات رجال دين، كالأنثى والطفل والنساء والأقليات الجندرية واللا دينيين/ ات والمختلفين/ ات في الدين

نسمع من المتدينين، وعبر المنابر السياسية والدينية والإعلامية، تكراراً لما يسمونه حماية قيم الأسرة أو الكتب المقدسة، أو حتى رجال الدين، فيما لا يتم النظر إلى الأمر إن تسبب في أذى لمجموعة من البشر، وحماية حياتهم هي الأقدس من أي قيم أو كتب أو سلطات رجال دين، كالأنثى والطفل والنساء والأقليات الجندرية واللا دينيين/ ات والمختلفين/ ات في الدين. بل في الغالب، يأخذ رجال الدين دور المحرّضين على خطاب الكراهية وقمع الحريات بفتاوى لصالح نصرة منظومة الدين كموروث غيبي.

تعاني اللا دينية أو اللا ديني، في العالم الناطق بالعربية الأمرّين. فإلى جانب النبذ الاجتماعي، تتكاتف كل السلطات السياسية والدينية على تعميق عزلته/ ها وتكميم فمه/ ها، وحتى إلى إعدام وجوده/ ها. فالتعتيم ممنهج فعلياً على اللا دينية كخطاب جديد يصنع ديناميكيةً غير معهودة في النقاشات أو الديمغرافيا. إذ تصر الحكومة المتأسلمة على تجاهل وجودهم/ هن حتى تعدادياً، مما اضطر بعض الناشطين إلى الأخذ بزمام الأمور وإطلاق مظاهرة #نحن_هنا الافتراضية في شهر شباط/ فبراير الماضي، لتعداد اللا دينيين/ ات في البلدان الناطقة بالعربية. وعلى الرغم من التحديات وحجب روابط المظاهرة في أكثر من مناسبة، تمكّنت قلّة من المشرفين/ ات على الحدث من الحصول ولو بشكل معنوي على بعض الإحصائيات التقريبية التي من شأنها أن تؤكد تنامي ظاهرة ترك الدين وبروز وعي جديد يطمح إلى العلمانية مع التقدم العلمي الحاصل حالياً ومع تطور وسائل التواصل التي قرّبتنا من ثورة فكرية جادة تحتاج إلى مراحل نضج إنساني ووعي. رابط التويتر أسفله يحتوي على كل تفاصيل المظاهرة الرقمية #نحن_هنا ونتائجها.

بالرغم من تشدّق العديد من التنويريين بدفاعهم عن الحريات وتصدّر بعض الشخصيات لقائمة المصلحين والمجددين للدين الإسلامي تحديداً، إلا أنه يبدو أنهم في غالبيتهم يشتركون في مباركة وجود رقابة على حرية التعبير ورفض وجود اللادينيين/ ات.

وعليه، وبالرغم من تشدّق العديد من التنويريين بدفاعهم عن الحريات وتصدّر بعض الشخصيات لقائمة المصلحين والمجددين للدين الإسلامي تحديداً، إلا أنه يبدو أنهم في غالبيتهم يشتركون في مباركة وجود رقابة على حرية التعبير ورفض وجود اللادينيين/ ات. يتبنى الجميع فعلاً عقلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عندما يكون المختلف عنهم في الرأي من الأشخاص الذين اختاروا التحرر من أصفاد الدين نحو الإنسانية في مبدئها الحقوقي المطلق. محاولة قمع اللا دينية ممن يحملون كنية "مفكرين" في البلدان الناطقة بالعربية، تضعنا أمام تساؤلات جريئة قد تشمل حتى مدى مصداقية المنتوج الفكري لهؤلاء "المصلحين"، إذ عن أي إصلاح يتحدثون، أو أي فكر ينتجون وهم أول من يشجع على تكميم الأفواه المختلفة؟ وهنا نستحضر قول كانط "أمام تقليص حرية التعبير هناك تقليص لحرية التفكير".

لا بد من التطرق في ختام مقالتنا، إلى ما نعيشه في واقعنا بين الصراع والتحضر. يقول الفيلسوف ميشيل فوكو، إن المفكر الأبيقوري زينون، من صيدا، قال يوماً إنه يجب أن ندرس حرية التعبير كإحدى المهارات التي يتعلمها الإنسان كما الطب أو الإبحار، وكبقية المهن. بغض النظر إن كانت هذه الأفكار تعود إلى زينون أو فوكو تحديداً، المهم أهميتها الإنسانوية الملحة لواقع عصرنا الحالي. في عالم يزدحم بالعنصرية والكراهية، يجب علينا أن نتعلم كيف نبحر عبر الكلام، كما البحارة القدماء علموا وتعلموا من تجاربهم العملية. وهنا لا يمكننا أن نتعلم إذا كانت الدولة الديكتاتورية المتزاوجة مع سلطة الدين القاتلة للمختلف، لا تسمح لنا كأفراد باستخدام السفينة مجازياً. التعايش مع وجود اختلافات أمر صعب، خصوصاً أن القناعات، والقيم وأساليب الحياة، ليست فقط مختلفةً بل مسببة للصراعات. ولكن يجب علينا ألا نخاف من ذلك، لأن الصراعات في جوهرها جزء أصيل من الحرية وأحد أهم مصادر الإبداع لدى الشعوب، ولو لم تكن هناك اختلافات، فلن يكون لدينا خيارات وتالياً حرية. ما نحتاجه ليس إلغاء الصراعات، ولكن التأكد من حدوثها بطريقة متحضرة، هكذا هو مبدأ الحريات التي لا تتجزأ حسب الأيديولوجيا الضيقة لكل فرد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard