حكاية الماليين في مواجهة التشدد الإسلامي... مراجعة لفيلم "تيمبوكتو"

الأربعاء 20 يوليو 202212:09 م

تتيح منصة التلفزيون الفرنسي الرقمية بمناسبة مهرجان كان مجموعة من الأفلام الحاصلة على جوائز في الدورات السابقة للمهرجان، وكنت متحمسة للغاية حين وجدت أن فيلم "تمبوكتو" لمخرجه الموريتاني عبد الرحمن سيساكو متاح للعرض ضمن هذه المجموعة. 

وقد حصد فيلم "تمبوكتو" منذ إنجازه العديد من الجوائز أبرزها سبع جوائز سيزار فرنسية وترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي بالإضافة إلى جوائز تكريمية في مهرجان كان السينمائي.
ورغم أن الفيلم منجز في العام 2014 فإن موضوعه شديد المعاصرة في ظل انتشار المشروع الجهادي في أنحاء عدة من العالم وخضوع السكان المحليين في سوريا وليبيا ومالي والصومال ونيجيريا على سبيل المثال لا الحصر لأحكام الجماعات المتشددة فجأة ودون أن يستطيعوا رد هذا البلاء عن أنفسهم. 
ورغم رغبتي بمشاهدة الفيلم، ظللت أرجئ هذه المشاهدة بسبب معرفتي أنه يتناول موضوع حكم السلفيين الجهاديين في تمبوكتو العاصمة الثقافية والتراثية لدولة مالي، وكنت أخشى من المشاهد الصادمة والعنيفة التي سأواجهها خلال المشاهدة.
طمأنني وفاجأني في الوقت نفسه أن الفئة العمرية المحددة أقرت أن الفيلم مناسب لمن هم فوق الثانية عشرة، ولكنني اعتبرت أن العنف المشهدي ليس بالضرورة ما يزعج بقدر ما هي فكرة العنف بحد ذاتها، وكنت محقة في ذلك. 
يمنع المقاتلون في "مالي" تدخين السجائر، والموسيقى، وخروج النساء بلا لباس شرعي يغطيهن بالكامل
يتناول الفيلم حكاية سيطرة مجموعة من المتشددين على مدينة تمبوكتو، يظهر الجهاديون في المشهد الأول وهم يلاحقون غزالة في الصحراء، ويرفعون علم داعش على سيارتهم الرباعية الدفع، لتنطلق حكاية الفيلم على مهل بعد ذلك. وهو يتناول الحياة اليومية للسكان في مواجهة حكامهم الجدد، وأشكال المقاومة المبتكرة التي يخترعها السكان في مواجهة الظلم والقسوة المستمرة المفروضة عليهم.
يمنع المقاتلون تدخين السجائر والموسيقى وخروج النساء بلا لباس شرعي يغطيهن بالكامل. 
يقضي المسلحون معظم الفيلم وهم يلاحقون أصوات الموسيقى التي تتحدى إرادتهم بأن تصدح من البيوت، يعتقلون ويعاقبون دون أن يستطيعوا احتواء قدرة السكان على الرفض.
وتسخر المشاهد التي يقف فيها المسلحون ليلاً على أسطح البيوت متابعين صوت الموسيقى وركضهم من مكان إلى آخر، من انشغالهم الدائم بكتم الصوت الذي يلاحقهم كل يوم من جهة ما.
كما يركز الفيلم على اختلاف لغة الحكام عن محكوميهم، لذا يحتاج المقاتلون إلى مترجمين ينقلون رسائلهم إلى اللغات المحلية، يتحدث المقاتلون العربية والانجليزية والفرنسية، وعلى مدار الفيلم ينقل المترجمون الرسائل إلى لغات أخرى، عدا المواجهة بين الشيخ والقائد المحلي للمجاهدين، إذ يتحدث كلاهما العربية الفصحى، وتسخر عملية الترجمة تلك بدورها من الحكام الذين يبدون دوماً تائهين ينتظرون ما يقدمه المترجم دون أن يستطيعوا التأكد من دقة هذه الترجمة. 
يتناول الفيلم أيضاً حكاية عائلة من الطوارق تعيش في خيمتها، مقدمةً نموذجاً موازياً للإسلام، فهي عائلة مؤمنة، ولكنها بالمقابل مسالمة وحرة، تعيش في الطبيعة القاسية متمسكة بالحب والجمال والموسيقى.
يتناول الفيلم بالتوازي حكاية عائلة من الطوارق تعيش في خيمتها على أطراف المدينة، مقدمةً نموذجاً موازياً للإسلام، فهي عائلة مؤمنة، تتوكل على الله في رزقها وحياتها، ولكنها بالمقابل مسالمة حرة تعيش في هذه الطبيعة القاسية متمسكة بالحب والجمال والموسيقى كأدوات لمواجهة رمال الصحراء الممتدة. 
تشكل الموسيقى الرمز الأساسي للمقاومة في الفيلم، ولكننا نشهد أساليب أخرى للمواجهة، كلجوء أم أجبرت ابنتها على الزواج بمقاتل أجنبي إلى شيخ الجامع للتدخل في المسألة، ورفض بائعة السمك ارتداء قفازين وتفضيلها الاعتقال على الاستسلام، ورغم أن السكان يخسرون دوماً رهانهم في المواجهة فهم لا يفقدون الأمل ولا يستسلمون وهو ما يجعل الحكاية أكثر تأثيراً. 
يقدم الفيلم حكايته القاسية في إطار بصري شديد الشعرية ويتجنب العنف المباشر إلا في مشهدي الرجم والجلد، وحتى في هذين المشهدين يتجنب المخرج أن يرينا آثار هذا العنف، فتبقى اللقطات بعيدة أو مصورة من زاوية لا تجعل العنف مريعاً،  وأعتقد أن ذلك نابع من رغبة لديه في القول إن العنف لا يؤثر في حكاية المقاومة التي يقودها السكان المحليون إلا أنني لم استطع منع نفسي من التفكير بأن المعالجة المختارة جعلت العنف يبدو أقل وطأة وأكثر احتمالاً. 
تنعدم الألوان في عالم الجهاديين الذين يرتدون ملابس تستوحي درجات ألوانها من الأسود أو من رمل الصحراء فيذوبون في محيطهم، فيما يتلون السكان بملابسهم التقليدية، وتبدو العرافة المجنونة ملونة بكل الألوان فيما تسخر من المسلحين وسلاحهم، ولعل أكثر مشاهد الفيلم تأثيراً هو المشهد الذي يتلون فيه فريق كرة القدم بكل ألوان الملابس بما فيها قميص ميسي في برشلونة ليلعب بكرة متخيلة بعد تحريم الكرة في المدينة، فيتراكض الجميع خلف الفراغ فيما يضحكون ويتحولون إلى ممارسة تمارين رياضية فردية حين تحوم حولهم دورية المسلحين متأكدة من خلو ملعبهم من كرة مدورة.
تنعدم الألوان في عالم الجهاديين الذين يرتدون ملابس تستوحي ألوانها من ألوان رمل الصحراء، فيما يتلوّن السكان بملابسهم التقليدية، وتبدو العرافة المجنونة ملونة بكل الألوان فيما تسخر من المسلحين وسلاحهم
تغيب شخصيات المتشددين عن الفيلم فهو غير معني بتقديمهم لنا ولا بشرح إيديولوجيتهم أو قناعاتهم، نتعرف فقط إلى شخصيتين منهم، المتشكك الذي يعجز عن تسجيل رسالة مصورة عن أسباب رجوعه عن غناء الراب رغم تلقين المسؤول عنه، والمنافق الذي يتبوأ منصباً مهماً في القيادة ولكنه معجب بزوجة كيدان الطوارقي ويدخن سراً.  
تتحول الغزالة الهاربة التي رأيناها في بداية الفيلم إلى شخصيات في نهايته، تركض وتهرب في الصحراء اللامتناهية من مصير الشخصيات الأخرى وينتهي الفيلم دون دلالة على النجاة، في نهاية تترك لخيالنا توقع الأسوأ أو الأمل بمستقبل أفضل. 
رافق ظهور الفيلم ونجاحاته المستمرة جدل وإشكالات كثيرة وإشاعات ترددت حوله، منها أنه مستوحى من عمل الصحافيين الموريتاني لمين ولد سالم والفرنسي فرانسوا مارغولان في فيلمهما الوثائقي "سلفيون" الذي اطلع سيساكو على مواده المصورة في العام 2012 وهو الأمر الذي نفاه سيساكو لاحقاً، وإشاعة أن الطفلة التي لعبت دور تويا في الفيلم تم اختيارها من مخيم للاجئين وأعطيت أجراً رمزياً عن دورها، ونهاية تغيير تفاصيل في الفيلم من أجل تصويره برضا الحكومة الموريتانية وبحماية الجيش الموريتاني بعد أن تعذر تصويره في مالي. 
على أيه حال، يقدم الفيلم محاولة جادة للانشغال بالسكان الذين يواجهون هذا الحكم الجائر الذي فرض عليهم في ظل غيابهم عن الساحات الإعلامية والفنية وهو ما يحسب له، كما يستغل المحيط الذي تدور فيه الحكاية ليحول كل هذا الجور إلى رمل يتطاير ويختفي لتسطع بعده شمس تسمح للموسيقى بأن تنساب دون أن تتراكض خلفها ظلال ترغب في إسكاتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard