‏"لم أعُد امرأة من اليوم"... فنان إيراني يعبر جنسياً والرأي العام ينشغل بمجتمع الميم

الاثنين 18 يوليو 202205:00 م

‏"56 عاماً عشت باسم شُهرِة لُرِستَاني، ومازال هذا الاسم في هويتي ‏القانونية إلى حين أغيره رسمياً خلال الأشهر المقبلة، ولكن وفق الشرع ‏الإسلامي وعُرف المجتمع أنا لم أعد امرأة من اليوم، وآمل أن أستمر في ‏خدمة الشعب تحت ظل كبار السينما، وأن أعالج هذا الألم الذي يراودني ‏منذ طفولتي، كما وأن أنقل البهجة للشعب عبر إطار آخر"؛ كانت هذه رسالة صوتية ‏للفنان العابر جنسياً الذي اختار اسم "مازيار"، يكشف فيها عن ‏خضوعه لعملية جراحية بعد أن كان مخرجة وممثلة سينمائية باسم ‏‏"شُهرة" التي ظهرت في أدوار كوميدية عديدة.‏

مازيار لُرستاني في أحد الأدوار، قبل العملية

وتفاعل مئات الآلاف مع الرسالة الصوتية والمنشور الإنستغرامي للفنان، ‏عبر متابعة حسابه، ومشاهدة منشوره عن هذا الأمر التي تخطت الـ5 ‏ملايين ونصف المليون مشاهدة. ‏

‏"أعتقد أنه إن لم يبق من حياة الإنسان سوى يوم واحد فلا بد من أن يبذل جهوده ‏ليحقق أحلامه. أنت البطل"، "أعتز بشجاعتك"، "أهلاً بك في الحياة ‏الجديدة"، "أنا مسرورة لأن المجتمع وصل إلى هذا المدى من النضج، ويتقبل ‏التمايز كيلا يضطر أحد أن يخفي هويته خوفاً من أحكام الناس"؛ هكذا ‏أتت تعليقات الإيرانيين أسفل منشور مازيار لُرِستاني، ليرد ‏الفنان بمنشور آخر يشكر فيه مشاعر الناس الحسنة تجاه قراره الصعب ‏والمصيري.‏

استغل مجتمع الميم في البلاد الفرصةَ لطرح مشاكله والتحدث دون ‏اكتراث عن معاناته ومطالبة الشارع بنظرة أكثر إنسانية في ظل ‏الترحيب الواسع الذي حظي به الفنان مازيار لُرستاني 

وشغل أمر العابرين جنسياً رأي العام، حيث رحب بعض الفنانين ‏والصحافيين بشجاعة وصداقة الفنان في إجراء العملية الجراحية ‏والإفصاح عنها وهو في العقد السادس من عمره، ولأنه لم يخف ميوله ‏الذكورية.‏

واستغل مجتمع الميم في البلاد الفرصة لطرح مشاكله والتحدث دون ‏اكتراث عن معاناته ومطالبة الشارع بنظرة أكثر إنسانية في ظل ‏الترحيب الواسع الذي حظي به الفنان مازيار لرستاني، ويعود سبب ذلك ‏لمكانته الاجتماعية وشعبيته لدى الشارع الإيراني.‏

مازيار لُرستاني قبل العملية

وبينما رحب الفنان بقبول أدوار الرجال في التمثيل السينمائي ‏والتلفزيوني، شكك بعض رواد المنصات عن مدى إمكانية قبوله من قبل ‏المعنيين للتمثيل بدور الرجال. من جهة أخرى طالب البعض بأن يهتم ‏الرجل بتسليط الضوء على زيادة وعي المجتمع تجاه العابرين جنيساً، عبر ‏تمثيله أو إخراجه أعمالاً سينمائية أو عن طريق وجهته الاجتماعية.‏

‏24 ألف عابر جنسي في إيران

ولم يكن مازيار أول فنان أفصح عن عبوره جنسياً، بل سبقه الفنان ‏المسرحي، سامان أرَسْطو، الذي غير هويته الجنسية من امرأة إلى ‏رجل عام 2008، وهو في سن 41 عاماً، وأكمل مشواره الفني في ‏العاصمة طهران، كما تزوج بعدها وانفصل، ثم عاد ليتزوج من جديد. ‏

واستمر سامان أرسْطو بمشواره الفني لمساندة العابرين جنسياً، حيث أخرج مسرحية ‏باسم "تشريح الجثة" تتحدث عن معانات هذه الفئة المهمشة في المجتمع الإيراني، و‏عُرضت المسرحية عام 2019 في طهران، كما شارك في عدة أفلام قصيرة بهدف ‏نشر ثقافة تقبل العابرين جنسياً في البلاد.‏

سامان أرَسطو

يجري عشرات الأشخاص سنوياً عمليات جراحية لتغيير الجنس في ‏إيران، كما أن هناك مراكز لدعم العابرين جنسياً في بعض من مدن ‏البلاد، حيث يحظون بدعم حكومي متواضع.‏

وآخر إحصائية من العمليات الجراحية للعبور جنسياً تعود لعام 2019 ‏وفقها قد تم إجراء 6 الآف عملية في إيران حسب تصريح رئيس مركز دعم ‏العابرين جنسياً غير الحكومية فرْشيد مسعودي، وبينما لم توجد أي ‏أعداد رسيمة عن عدد العابرين جنسياً في إيران، إلا أن عددهم يُقدّر بأكثر من 24 ‏ألف شخص. ‏

محسنون متطوعون من داخل وخارج البلاد

تم تدشين جمعية "شمس" الخيرية في سبيل مساعدة هذه الفئة من المجتمع ‏الإيراني، وتضم الجمعية نحو 300 عضواً تقوم بمساندتهم مالياً عبر إيجاد ‏فرص عمل لهم ومنحهم بعض الإمكانيات، وتقديم استشارات نفسية ‏بالمجان، ورعايتهم في إجراء العمليات الجراحية، فهي مساحة ومتنفس ‏للذين يعانون من التمييز.‏

ويقول رئيس الجمعية محمد نوري زاده، إن المحسنين من داخل وخارج ‏البلاد يقومون بدعم الجمعية، وأضاف: "مساعدة العابرون جنسياً ليست ‏على عاتق الجمعيات الخيرية فقط بل يجب أن تكون هناك قوانين واسعة ‏لدعمهم حكومياً، كما على وسائل الإعلام المحلية أن تعكس أخبارهم ‏وتسلط الضوء على معاناتهم ورعاية حقوقهم للحد من طردهم من ‏المجتمع التقليدي الإيراني".‏

وأعلن نوري زاده عن إنتاج خمسة أفلام وثائقية عن حياة العابرين جنسياً ‏عبر فنانيين إيرانيين تطوعوا بذلك، كما أطلقت وكالة فارس للأنباء حملة ‏إعلامية في نهاية عام 2021 لتسليط الضوء والمناشدة بحقوق هذه الأقلية ‏من الحكومة والبرلمان الإيراني، ومازالت الوكالة مستمرة في متابعاتها ‏حسب موقعها الإلكتروني. ‏

الثورة الإسلامية وحقوق مجتمع الميم

وكانت الثورة الإسلامية عام 1979، بمثابة نقطة تحول مفصلية ومهمة ‏لمن يعيشون اضطرابات الهوية الجنسية في إيران وخضوعهم لعملية ‏جراحية لتصحيح جنسهم عبر اعتراف صريح ديني وحكومي، مما جعلت ‏البلاد رائدة في مجال تقبل العابرين جنسياً على صعيد الشرق الأوسط، ‏إذ أفتى آية الله الخميني مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإمكانية جواز إجراء عمليات جراحية لتصحيح الجنس عندما كان ‏مرجعاً دينياً مقيماً في مدينة النجف العراقية عام 1964.‏

في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كانت تقوم إيران بإجراء عمليات جراحية ‏للعابرين جنسياً ولكن بعد الثورة الإيرانية، برز اسم مريم مُلك آرا ‏كأول عابرة جنسياً في عهد النظام الإسلامي وبفتوى صريحة من ‏الخيمني مما خلد ذكراها وسجلت متابعاتها وحصولها على نص الفتوى ‏كنقطة بداية للاعتراف بهذه الفئة رسمياً وشعبياً. ‏

وكانت مريم في سبعينيات القرن المنصرم بهيئة ذكورية وباسم ‏‏"فريدون" موظفة في هيئة الإذاعة والتلفزيون، وقد التقت بملكة إيران ‏فرح بهلوي آنذاك لتخبرها عن ميولها الأنثوية رغم جسدها الذكوري ‏ومعاناتها في هذا الشأن، فاقترحت الملكة أن يبادر "فريدون" بجمع ‏الأفراد الراغبين بتصحيح جنسهم، لتتم منحهم امتيازات حكومية، بينما هذا القرار ‏لم ير النور آنذاك.‏

ما زالت المؤسسات الحقوقية الغربية ترى في زيادة العمليات ‏الجراحية للتغيير الجندري في إيران دليلاً على عدم قبول النظام بحقوق ‏مجتمع الميم كالمثليين جنسياً والکویریین، حيث تجبر العابرين جنسياً على ‏إجراء العمليات من أجل أن يتمتعوا بحقوق المواطنة والأوراق القانونية

وتابع فريدون الذي كان يعتبر نفسه شخصاً ملتزماً دينياً عن فتوى شرعية ‏من رجل الدين آية الله الخميني، فأرسل له كتاباً عند ما كان مقيماً في ‏النجف، يشرح فيه أنه رجل المظهر وأنثى النفس، فظن الخميني أن ‏الشخص يعاني من ازدواجية الميول الجنسية، فرد عليه بأنه يحق له أن يكون أنثى ‏وفق الشريعة الإسلامية.‏

البحث عن زيارة الخميني في النجف وباريس وطهران

ثم ذهب فريدون إلى باريس بعدما حل الخميني فيها في ظل ‏تسارع وتيرة أحداث الثورة الإيرانية طالباً لقاءه ليصف حاله، ويشرح له أنه يعاني ‏من اضطرابات الهوية الجنسية، عله يحصل على فتوى تمكنه من إجراء ‏عملية جراحية تخلصه من صراعاته الداخلية، بيد أن محاولاته لم تثمر ‏ولم يلتق برجل الثورة.‏

وبعد أن عاد الخميني إلى إيران وانتصرت الثورة عام 1979، بدأ ‏فريدون بمحاولاته من جديد، فبينما كانت إيران تعيش في اضطرابات ‏وأزمة اجتماعية غيرت مسار المجتمع، كان فريدون يعيش حالة من ‏الضياع بين جسمه الذكوري وهواه الأنثوي. خسر وظيفته في ظل حملة ‏الإقصاءات الثورية وتطهير المؤسسات الحكومية من رجال النظام البائد، ‏لكنه لم يستسلم وبعد أربع سنوات أرسل طلباً آخر للخميني وجاء الرد ‏نفسه.‏

فقرر فريدون زيارة مكتب الخميني بنفسه، راضياً بكل المشقات التي ‏ستحصل له، واستطاع هذه المرة من زيارة الخميني والإيضاح له، وتمكن بأن ‏يخرج من مكتبه برفقة جواز إجراء العملية الجراحية. هكذا كانت البداية ‏في ثورة محافظة كان ترى مهمة الدولة تطبيق الشريعة الإسلامية بكل ‏حذافيرها، ولم تتقبل العابرين جنسياً ولم تعترف بحقوقهم. ‏

رغم ذلك ما زالت المؤسسات الحقوقية الغربية ترى في زيادة العمليات ‏الجراحية للتغيير الجندري في إيران دليلاً على عدم قبول النظام بحقوق ‏مجتمع الميم كالمثليين جنسياً والکویریین، حيث تجبر العابرين جنسياً على ‏إجراء العمليات من أجل أن يتمتعوا بحقوق المواطنة والأوراق القانونية، وهذا ما ‏تنفيه البلاد.‏

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard