رحلة أفراد من مجتمع الميم-عين مع بعض الأخصائيين النفسيين

الجمعة 13 مايو 202204:00 م

تندرج هذه المقالة ضمن "طيف22"، وهو مشروع مخصص لالقاء الضوء على التنوعات والاختلافات الجنسانية والجندرية والجسدية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يشارك فيه صحفيون وصحفيات، ناشطون وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمون لهم/نّ، ليكون مساحة للتعبير بحرية عن مختلف المواضيع المتعلقة بالتوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، بغرض كسر التابو والحديث بموضوعية عن هذه المسائل الشائكة.

على الرغم من حذف المثلية من الدليل التشخيصي للجمعية الأميركية للطب النفسي في العام 1987، وتراجع منظمة الصحة العالمية في العام 1990، عن تصنيف المثلية الجنسية كنوع من الاضطراب العقلي، ومع التطور البارز في البحث العلمي الذي أثبت أن كل محاولات ما يُسمى "بالعلاج التحويلي" ليست سوى وهم وأداة تعذيب بحق أفراد مجتمع الميم-عين، إرضاءً لأنانية المجتمع والدين، على حساب حرية وخصوصية الأفراد.

ورغم كل محاذير اتباع مثل هذه الأساليب المجحفة في التعاطي مع قضايا مجتمع الميم-عين من قبل بعض المعالجين/ات والمختصين/ات في علم النفس، وآثار ممارساتهم/نّ السلبية على نفسية الأفراد المعنيين، لا يزال بعض المعالجين/ات يصرّون على "علاج المثلية"، بحسب ما يزعمون، ضاربين عرض الحائط بكل الدراسات التي أثبتت عدم صوابية هذا الأمر.

أسيرة في جسد آخر

روت بيسان (اسم مستعار) عن الصعوبات التي مرت بها عند اكتشاف نفسها وما تريد، فقالت: "في الخامسة عشر من عمري شعرت بأن هذا الجسد ليس جسدي، وما أنا إلا أسيرة في جسد آخر لا يعبر عن هويتي الجندرية. عشت حالة من الاغتراب القاسي، بين جسد رجل أكرهه ولا أستطيع النظر إليه بالمرآة، وبين روح امرأة تنتظر الخلاص".

وأضافت بيسان، وهي عابرة جنسياً تعيش في فلسطين، لرصيف22: "بدأت أعبّر عن ذاتي الحقيقية من خلال ملابس أختي ووضع المكياج، إلا أن هذا التصرف لم يعجب والدتي التي كانت تصرّ على القول إن هذه (الحركات مو إلك)، وبعد فترة صارحتها بشعوري وقلت لها بصريح العبارة بأنني لست الابن الذي انتظرته لسنوات، وما أنا إلا بفتاة مسجونة في جسد آخر، فما كان منها إلا أن صفعتني، وقالت لي: أعوذ بالله من الشيطان يلي بعقلك".

وتابعت الفتاة البالغة من العمر 24 عاماً، حديثها بالقول: "قامت أمي بإخبار والدي عن الموضوع، فما كان منه إلا أن دخل إلى غرفتي وبدأ بضربي وكيل وابل من السباب والشتائم، وفي نهاية جولة الشتم والضرب قال لي: جهز حالك بكرا بدي آخدك لعند معالج نفسي مؤمن وابن حلال أعرفه من الجامع".

وبالفعل، ذهبت بيسان مع والدها إلى المعالج، الذي بدا، للوهلة الأولى، شخصاً لطيفاً واحترم خصوصيتها، بحيث أنه طلب من الوالد عدم حضور الجلسات، غير أنه مع الوقت بدأ الحديث يتخذ مسلكاً آخر: "خلال جلستنا الأولى، شرع في الحديث عن الدين، معتبراً أن العبور الجنسي حرام، وعندما طلبت منه مخاطبتي بصيغة المؤنث احتراماً لهويتي الجندرية، رفض ذلك بشكل قاطع وقال لي: اخجل من نفسك. عندك دقن وشوارب وبتقلي احكي معك كبنت، اخجل يا زلمة، واضاف المعالج بنبرة حاسمة: أعوذ بالله أنت شاب وكل ما تشعر به لا يعدو كونه اختباراً من الله لإيمانك".

وأوضحت بيسان أن المعالج طلب منها التقرب من الله، من خلال تكثيف الصلوات وشغل أوقات فراغها بالدعاء والتضرع، على أمل أن ينتهي هذا "الاختبار"، على حدّ وصفه.

وبحسب بيسان، فإن المعالج النفسي لم يكتف بذلك فحسب، بل وصل به الأمر لحدّ التحرش بها: "خلال إحدى الجلسات، تقرّب مني بطريقة مشينة وتحسس عضوي، عندها أحسست برهبة وخوف كبير، ولكني كنت عاجزة عن ردعه. وبعد فترة أدركت أنه أخبر عائلتي أن سبب مشكلتي هي طول القضيب".

"شرع المعالج النفسي في الحديث عن الدين، معتبراً أن العبور الجنسي حرام، وعندما طلبت منه مخاطبتي بصيغة المؤنث احتراماً لهويتي الجندرية، رفض ذلك بشكل قاطع وقال لي: اخجل من نفسك. عندك دقن وشوارب وبتقلي احكي معك كبنت، اخجل يا زلمة،  أعوذ بالله أنت شاب وكل ما تشعر به لا يعدو كونه اختباراً من الله لإيمانك"

بعد مرورها بهذه التجربة المريرة، باتت بيسان تخشى اللجوء إلى معالج نفسي آخر: "أصبح لديّ هاجس كبير من فكرة زيارة المعالج النفسي، رغم حاجتي الماسة لهذا الأمر"، هذا وختمت حديثها بالقول: "كل إنسان بلحظة من اللحظات، يحتاج لدعم نفسي، ولكن (العلاج) الذي فرضته عائلتي عليّ كان انتهاكاً لروحي وجسدي".

الصراع الداخلي

عرّف عالم النفس الأميركي جورج واينبورغ "الهوموفوبيا" أو رهاب المثلية، بأنه "الخوف من الوجود بالقرب من الأشخاص المثليين".

في هذا الصدد، تحدث كريم، المقيم حالياً في بيروت، عن تجربته مع المعالج النفسي الذي كان يعاني من رهاب المثلية، فقال لرصيف 22: "أخبرت عائلتي بعمر الـ 12 عن تعرضي لاعتداء جنسي من قبل أحد أقربائي، فنصحتني أمي بالتوبة لله كوني شخصاً مذنباً بحسب رأيها، ومن ثم أرغمتني على التوجه للعلاج النفسي".

وأوضح كريم (30 عاماً) انه قصد أحد المعالجين النفسيين في دمشق، غير أن هذا الأخير انتهك الخصوصية من خلال السماح لوالدته بحضور الجلسات.

وتحدث الشاب عن أسلوب المعالج الذي لم يأخذ بعين الاعتبار أخلاقيات المهنة، فقال: "لم يراعِ صغر سني وتأثير مصطلحاته المشبعة بالهوموفبيا والذكورية في نفسي، على العكس، كان قاسياً جداً بألفاظه، بحيث طلب مني بأن أكون (أكثر رجولة)، على اعتبار أن (مثليتي هي نقيض للرجولة)".

نتيجة الضغوطات العائلية والدراسية التي واجهها، بات كريم يعاني من نوبة من الاكتئاب والضغط النفسي الشديد، فقرر تخطي تجربته السابقة في العلاج التي أرغم عليها من قبل عائلته، وقصد معالجاً آخر.

وحرصاً على الشفافية، أخبر المعالج عن ميوله الجنسية، وطلب منه أن يساعده على تجاوز الاكتئاب الذي يعاني منه، إلا المعالج أصرّ على تجاهل هدف كريم، وبشكل صادم انصب جهده على إقناعه بأن مثليته جاءت كنتيجة مباشرة لتعرضه للاغتصاب في الطفولة.

عارض كريم هذا التحليل غير المنطقي، وأكد له بأنه يشعر منذ الطفولة، وحتى قبل حادثة الاغتصاب، بالانجذاب لأقرانه الذكور في المدرسة، وحتى لبعض شخصيات الكرتون، كالكابتن ماجد، إلا أن الأخصائي تجاهل كل هذا وبقي متشبثاً برأيه، لا بل ذهب بتحليلاته إلى القول بأن كريم يخفي حقيقة أنه شعر بالنشوة عندما تعرض للاغتصاب: "أقسى شيء خلال هذه التجربة كانت قناعة المعالج المطلقة بأنني امتلكت نشوة بالاغتصاب... هذه الجملة لوحدها كانت بمثابة السكين الذي يغرز في قلبي".

تركت هذه التجربة المريرة بصماتها العميقة في نفس كريم، الذي أنهى حديثه بالقول: "لا توجد كلمات تعبر عن مدى الحزن واليأس الذي انتابني خلال رحلتي مع المعالج النفسي".

الموروثات والأفكار النمطية

عند التطرق لقضية الميول الجنسية والهوية الجندرية، غالباً ما تسيطر بعض الصور النمطية، والتي قد تربط ما بين الشكل والصوت وطريقة اللباس بالميول الجنسية، وهكذا يصبح مثلاً الشاب صاحب الصوت الناعم رغم ضخامة بنيته، بالمفهوم المجتمعي السائد، مثلي الجنس، بغض النظر عن ميوله الحقيقية، وإنما يحكم عليه بناء على قوالب نمطية، ترى بأن الشكل وطبيعة الصوت أو اللباس هي معايير الهوية الجندرية والميول الجنسية.

روى حسين عن تجربة زواجه بعمر 16 حسب العرف العشائري السائد في مجتمعه العراقي، فقال: "لم أستطع التقرب جنسياً من زوجتي، ليس كرهاً أو نفوراً منها، وإنما لم أشعر أن هذا ما أرغب به، وعندما فاتحني والدي بالموضوع قلت له وبدون أي تفكير مسبق "أنا أحب الرجال ولا رغبة لي بالنساء".

"أقسى شيء خلال هذه التجربة كانت قناعة المعالج المطلقة بأنني امتلكت نشوة بالاغتصاب... هذه الجملة لوحدها كانت بمثابة السكين الذي يغرز في قلبي"

لم يتصور حسين، المقيم حالياً في المانيا، أن ردة فعل والده ستكون بهذه البرودة، الأمر الذي رسّخ القناعة لديه بأن عائلته كانت على دراية بميوله ولهذا لسبب قامت بتزويجه.

وتابع الشاب، البالغ 35 عاماً، حديثه بالقول: "قرر والدي التوجه إلى أحد المشايخ في مدينة النجف، الذي قال له: ميول ابنك نابع من شيطان يعيش في داخله، وعندها طلب مني الشيخ أن أجلس في وسط الغرفة، وقام بنثر التراب من حولي وهو يردد تعاويذ لم أفهمها، كما قام بتبخيري محاولاً طرد الشيطان، واستدرك بالقول: يبدو أن شيطاني تغلب عليه، إذ لم تنجح طلاسمه وتعاويذه في ثنيي عن التفكير في الرجال".

وأشار حسين إلى اقتراح أخيه الكبير بالتوجه للعلاج النفسي فقال: "ذهبت إلى المعالج الذي بدا وكأنه (حارس الفضيلة وشرف العشيرة)، وقال لي بدون أي مواربة: كل عائلتك شايفتك ميت وموتك هو ستر للعائلة والعشيرة... لا أنكر امتلاكه قدرة رهيبة على الإقناع، وجعلني على استعداد لفعل أي شي للتخلص من شعور الانجذاب إلى الرجال وجعل ذلك الشعور يختفي".

وأغرقت هذه التجربة حسين في خضم نوبة من مشاعر الذنب والوصم، وصولاً إلى الاكتئاب الشديد وحتى التفكير في الانتحار.

شددت ليانا حلاوي، الحاصلة على ماجستير في علم النفس العيادي، بأنه من غير المقبول في يومنا هذا، أن يعتبر البعض المثلية "مرضاً يستوجب العلاج، وإنما هي شكل صحي من أشكال التوجه الجنسي، وهذا ما أكدت عليه منظمة الصحة العالمية والكثير من جمعيات الأطباء النفسيين الوطنية حول العالم".

"لا يجوز اختراق خصوصية الأفراد، وإنما لا بد من بناء الثقة بين الاختصاصيين النفسيين وأفراد مجتمع الميم-عين، واحترام خصوصيتهم والابتعاد عن كل ما من شأنه الإساءة إليهم، ومساعدتهم على مواجهة كافة أشكال التمييز والإقصاء ووصمات العار التي يتعرضون لها"

وبالتالي، اعتبرت ليانا أنه لا بد من تصحيح جميع الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة حول المثلية والعبور الجنسي، سواء لدى العائلة أو بعض العاملين في الحقل الطبي من الاختصاصيين النفسيين، وضرورة إيقاف كافة الجهود الرامية لمحاولة تغيير الميول الجنسية، التي أثبتت عدم جدواها وأدت إلى تداعيات سلبية على الصحة الجسدية والنفسية لأفراد مجتمع الميم-عين الذين خضعوا/خضعن لهذه الممارسات، وهي مستندة في كثير من الحالات إلى الموروث الثقافي والاجتماعي، وبعض المعتقدات الدينية التي ترفض وتتخذ مواقف سلبية تجاه المثلية الجنسية والعبور الجنسي".

وقالت حلاوي، لرصيف 22، أن كل هذه الممارسات والأساليب التي جاءت في شهادة الأفراد أعلاه تتعارض بشكل تام مع أخلاقيات وآداب مهنة العلاج النفسي: "لا يجوز اختراق خصوصية الأفراد، وإنما لا بد من بناء الثقة بين الاختصاصيين النفسيين وأفراد مجتمع الميم-عين، واحترام خصوصيتهم والابتعاد عن كل ما من شأنه الإساءة إليهم، ومساعدتهم على مواجهة كافة أشكال التمييز والإقصاء ووصمات العار التي يتعرضون لها، وليس ترسيخ ذهنية العار في نفوسهم، أو محاولة إقناعهم بالقيام بممارسات تتعارض مع ذواتهم".

وفي الختام، أكدت ليانا "أن العنف الممنهج الذي يتعرض له أفراد مجتمع الميم-عين، لا سيما العنف الأسري والعنف المجتمعي، يلقي بهؤلاء الأفراد تحت ضغط جملة من الاضطرابات النفسية، كاضطراب القلق المزمن والاكتئاب الحاد الذي يؤثر على حياتهم بشكل كبير ويجعلهم أسرى حالة من الخوف والتوتر الدائم". 

هذا المشروع بالتعاون مع Outright Action International.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard