خيول شمال غرب سوريا... مصائر غامضة تهدّد السلالات العربية الأصيلة

الثلاثاء 12 يوليو 202204:27 م

"تطايرت الشظايا داخله، واختلط صوت القصف مع ضجيجٍ مرعبٍ من جهة الإسطبل الذي لا يبعد عن بيتي سوى أمتار قليلة. خاطرت بحياتي كي أتفقد خيولي الأربعة، إلا أنّ ما كنت أخشاه، كان قد حدث"؛ بهذه الكلمات يصف أبو نادر مستو، مشهد نفوق أربعة خيول أصيلة، بعد استهدافها خلال حملة نظام بشار الأسد العسكرية على مناطق الغوطة الشرقية، في شباط/فبراير 2018.

أبو نادر، خمسينيٌّ مهجّر من ريف دمشق، ويقيم حالياً في ريف إدلب، كان يربّي في إسطبله الخاص ثمانية جياد من السلالة العربية الأصيلة، قبل أن يضطر إلى بيع أربعة منها فقط، نتيجة ظروف الحصار القاسية التي عاشها سكان الغوطة الشرقية قبل تهجيرهم القسري.

يروي أبو نادر لرصيف22، عن علاقته مع خيوله: "صبرت كثيراً على غلاء المعيشة، ثم بعت قطعة أرض لزوجتي بغرض تأمين احتياجات أسرتي من جهة، والغذاء والدواء لخيولي من جهة أخرى. ستة أشهر فقط كانت كفيلةً بعودة المعاناة مجدداً بسبب الغلاء الفاحش آنذاك، وتوقّف الحياة، وقررت في النهاية بيع أربعة من خيولي، بعد أن هزلت وثقلت حركتها. لم يمضِ شهران بعد ذلك حتى تعرّض الإسطبل لاستهداف صاروخي من الطائرات. شعرت يومها بأن أولادي قُتلوا".

لازمت أبا نادر أزمة نفسية عانى منها طويلاً بعد استقراره في ريف إدلب، فقد اجتمعت فيه مصيبتان، مصيبة تهجيره القسري من أرضه، ومصيبة فقدانه خيوله، ولم يستطع التخلّص منها إلا بعد شرائه فرساً أصيلةً في مكان إقامته الجديد. يقول: "لا يمكنني العيش من دون جواد، أهتمّ بنظافته وأمشّط شعره. علاقتي تكبر معه يوماً بعد يوم. هو بمثابة ابنٍ لي. حتى أفراد أسرتي يعاملونه كأنه واحد منهم".

تحديات ومعوقات

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، لم تسلم الخيول السورية من مخاطر هدّدت وجودها وقلّصت أعدادها، وخاصةً في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد في مناطق إدلب وأريافها وأرياف حلب، حيث يواجه مربّو الخيول العربية الأصيلة تحديات تتمثل في الحفاظ على هذه السلالات العريقة التي ذاع صيتها عالمياً، لا سيما أن الخيول السورية تتميز بالجمال والقوّة واللون والتكوين الفيزيولوجي الرشيق والثمن الأغلى، بفضل العناية بسلالاتها والمحافظة على أنسابها.

تطايرت الشظايا داخله، واختلط صوت القصف مع ضجيجٍ مرعبٍ من جهة الإسطبل الذي لا يبعد عن بيتي سوى أمتار قليلة. خاطرت بحياتي كي أتفقد خيولي الأربعة، إلا أنّ ما كنت أخشاه، كان قد حدث

يملك المربّي عمر الصغير، مزرعةً في قرى عفرين في ريف حلب، مساحتها دونمان، فيها ما يزيد عن 20 رأساً و8 أمهار بأعمار مختلفة، وتتوفر فيها أرسان قديمة (أصول الخيول العربية)، مثل: كحيلات كحيلة العجوز، كحيلة أم عرقوب، كحيلات كروش، حمدانيات، حمداني عفري، سمري، وابن غراب. كما تتوفر في مزرعة الصغير جيادٌ قوية، إذ شارك في سباقات عديدة أقيمت في مناطق إدلب وريف حلب، واستطاع تحصيل المركز الثاني مع حصان "شام الأصيل" في الشوط المحسن، عن دورة نظّمتها "جمعية العزّة".

يشير الصغير، الذي يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 25 عاماً، والموروثة عن أجداده، كابراً عن كابر، إلى أن تربية الخيول في أسرته لم تنقطع أبداً بالرغم من تعرّض خيولهم للإهانة، حسب تعبيره، بسبب ظروف الحرب والقصف والتهجير والتنقل الكثير إلى أماكن آمنة وبعيدة عن استهدافات قوات النظام.

يصف المعاناة التي تلازم تربيتهم للخيول، وتتمثّل في عجزهم عن تسجيل خيولهم والأمهار حديثة الولادة وتوثيقها، ما يؤدي إلى ضياع أنسابها، بالإضافة إلى ضعف توفير الغذاء والأدوية والمأوى المناسب واللقاحات الدورية، إذ تغيب أدوية ولقاحات التهاب الرئة والإسهال الذي يصيب الأمهار حديثة الولادة، بالإضافة إلى فقدان لقاحات الكزاز، وهو ما أدّى إلى نفوق 3 أمهار في مزرعته.

الخيل تحبّ الهدوء، وإطلاق الرصاص والقصف والصراخ سبّبت خسارة الأمهار في بطون أمهاتها، ما يؤدي إلى ضياع تعب المربّي طوال سنة كاملة، يقول الصغير، ويضيف: "المنظمات الفاعلة والحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة السورية تنظر إلى تربية الخيول على أنها مجال ترفيهي، وأن المربين ليسوا بحاجة إلى أي دعم".

ويطالب تلك المنظمات ووزارة الزراعة والثروة الحيوانية التابعة للحكومة المؤقتة، بتقديم دعم لمربيّ الخيول، من غذاء وأدوية ولقاحات ومكمّلات غذائية ومستلزمات طبية وفحوصات دورية ومعدات لازمة للعناية بها من حيث تنظيفها، وإنشاء مضامير واسعة لترويض الخيول، والضغط على المنظمة العالمية للخيول العربية الأصيلة (WAHO)، لتسجيل وتوثيق الخيول والأمهار التي في شمال غرب سوريا.

الخيل تحبّ الهدوء، وإطلاق الرصاص والقصف والصراخ سبّبت خسارة الأمهار في بطون أمهاتها، ما يؤدي إلى ضياع تعب المربّي طوال سنة كاملة

مطالب وتعطيل

أُسست الرابطة السورية للخيول العربية الأصيلة شمال غرب سوريا، في العام 2016، بعد الخسارة الكبيرة في أعداد الخيول السورية وتدهور تربيتها، نتيجة ظروف الحرب الدائرة، وضمّت الرابطة مجموعةً من المربّين والأطباء والمهتمين، وساهموا في طرح نموذج إرشادي للمربين ومساعدتهم على تربية خيولهم، صحياً وتوعوياً، في محاولة منهم لإعادة الجواد العربي إلى دائرة الأضواء والاهتمام، وإنعاش رياضة الفروسية بهدف الحفاظ على تراث الآباء والأجداد.

يقول محمد صبحي الأفندي، رئيس الرابطة السورية للخيول العربية الأصيلة وجمعية "سكب" لأنساب الخيل، لرصيف22: "الخيول السورية تتميّز عن بقية الخيول العربية الأصيلة بأنها ذوات دمٍ سوريٍّ صافٍ 100%، وقادرة على التحمل والسرعة والتكيّف مع كل الظروف والعوامل المحيطة، وتُعدّ رمزاً اجتماعيّاً وجماليّاً، إلا أنّ الحرب الدائرة تسبّبت بنفوق العديد من الخيول السورية جرّاء الجوع والتعرض لقذائف وصورايخ نظام الأسد من جهة، وغياب المأوى بعد تدمير عشرات المرابط، من جهة أخرى".

ويحوي شمال غرب سوريا، عشرة نوادٍ، وأكثر من 20 مربط خيل بين المتوسط والصغير، فيما بلغ عدد الخيول 650 رأساً أصيلاً وفقاً لإحصاء أجرته الرابطة في الربع الأخير من العام الماضي، بحسب الأفندي.

ويُعدّ الأحمر والأزرق والأشقر أبرز ألوان الخيل العربي، كما تُعدّ "الكحيلة والدهمة والمعنقية والشويمة والصقلاوية والكروش وأم عرقوب والنواكية والحمدانية والعبيات"، أبرز أرسانها ومرابطها المشهورة، إلا أن نسبةً كبيرةً من الخيول والأمهار غير مسجلة رسمياً.

يتحدث الأفندي عن جملة من الصعوبات والتحديات التي تواجه تربية الخيول السورية، في شمال غرب سوريا، إذ "لم تعد ذلك المشروع الاقتصادي المثّمر، بسبب ظروف الحرب، والغلاء الفاحش وضعف القوة الشرائية وارتفاع نسبة نفوق الخيول المتكرر بسبب الاستهداف والقصف، فضلاً عن التنقل المستمر الذي جعل العرض أكثر من الطلب".

ويشير إلى أن ارتفاع تكلفة تربية الرأس الواحد الشهرية من جهة، وفقدان اللقاحات والأدوية أو ارتفاع أسعارها إن وُجدت من جهة أخرى، يشكّلان عائقاً أمام استمرار تربيتها، فضلاً عن حاجة المربين الماسة إلى عيادات بيطريّة مختصة، تحوي تجهيزاتٍ طبيّةً ومخابر لفحص واختبار الأدوية، والتحاليل الدوريّة اللازمة للخيول.

ويحمّل الأفندي المنظمة العالمية للخيول العربية (واهو)، مسؤولية تدهور تربية الخيول، من خلال الاقتصار على تسجيل أنساب الخيول الجديدة في مناطق النظام فقط، ورفضها تسجيل الخيول والمواليد الجديدة في شمال غرب سوريا التابع للمعارضة السورية ضمن منظمتها، إذ وصلت نسبة الجياد غير المسجلة والمختومة بختم "واهو"، إلى أكثر من 50% من نسبة الخيول الموجودة، ما يهدّد بضياع الأصول وأنساب الخيول مع مرور الوقت وانخفاض سعرها بشكل كبير.

ويلفت إلى أنهم عملوا على تسجيل الخيول عبر إرسال العيّنات والخزعات والإثباتات اللازمة إلى مكتب الواهو في دمشق، من أجل إرسالها من دمشق إلى المكتب الرئيسي في بريطانيا، إلا أنهم كانوا يتعمدون إبقاء العيّنات لأكثر من ثلاثة أشهر حتى تفقد العيّنة قيمتها.

استطاعت الرابطة، بالرغم من هذه العوائق، إقامة مهرجانات عدة ورعاية سباقات فريدة، شارك فيها خيّالون من مختلف مناطق شمال غرب سوريا، بهدف نشر ثقافة الفروسية ومعرفة الخيول المميزة والقوية وتنشيط تعارف المربّين في ما بينهم، ولتسليط الضوء على تربية الخيول في شمال غرب سوريا وما تعانيه، ولفت انتباه المنظمات المعنية إليها.

 منظمة الـ"واهو"، هي المنظمة العالمية للخيل العربية، أنشئت في العام 1968، ومقرّها بريطانيا، وتهدف إلى تحسين نقاء الدم للخيول العربية، والحفاظ عليها

وأنشئت منظمة الـ"واهو"، وهي المنظمة العالمية للخيل العربية، في العام 1968، ومقرّها بريطانيا، وتهدف إلى تحسين نقاء الدم للخيول العربية، والحفاظ عليها وتعزيز وتيسير اكتساب وتوزيع المعرفة في جميع البلدان حول تاريخ الخيول العربية وتربيتها ورعايتها وعلاجها، وتُعرّف المنظمة "الحصان العربي الأصيل"، بأنه: "الحصان الذي يظهر في أي كتاب خاص بتسجيل الخيول ‘stud book’، للخيول العربية الأصيلة أو المسجل في قائمة المنظمة العالمية للخيول العربية الأصيلة بصورة مقبولة".

خسارة بالجملة

يُعدّ الجواد العربي الأصيل ثروةً وطنيةً واقتصاديةً، إلا أنه بحاجة إلى عوامل تساعد في زيادة أعداده وتطوير تربيته ومكافحة خطر الأوبئة والأمراض الحيوانية الفتّاكة التي تؤدّي إلى خسائر فادحة ترهق مربّي الخيول في بقعةٍ غير مستقرة اقتصاديّاً وعسكريّاً مثل شمال غرب سوريا، وسط غياب أيّ برامج وقائيّة دوريّة ولقاحيّة وبرامج تأمين الأعلاف الغنيّة وتوفير مصادر المياه النظيفة للشرب.

يتحدث حسين بلان، نقيب الأطباء البيطريين شمال غرب سوريا والمختص بطب الخيول، إلى رصيف22، عن فقدان أكثر من 50 رأساً من الخيول هذا العام، بسبب القصف والعمليات العسكرية، وأكثر من 20 رأساً بسبب سوء الرعاية والتغذية التي تؤدّي إلى أمراضٍ خطيرة، كالمغص القاتل، لافتاً إلى أن الخيول الأصيلة تحتاج إلى مأوى مريح وتنظيم فترات الطعام والمداومة على الجرعات المضادة للديدان التي تؤدي إلى ضعف الخيل وهزاله، بالإضافة إلى تلقّي اللقاحات الأساسية.

وفق بلان، تمّ التواصل مع الجانب التركي لإدخال لقاحات الإنفلونزا، واللقاحات الأخرى التي تسبّب موت الأمهار في أعمار مختلفة، سواءً بعد الولادة مباشرةً أو بعد شهر، ما يسبّب خطراً كبيراً على السلالات والأرسان، خاصةً أنه تتوفّر في الشمال الغربي أرسانٌ لها قيمتها الجمالية وبصمتها في السباقات، مثل: كحيلات، منتوقيات، صقلاويات، ابن عمود، وأكثر من أربعة رؤوس أحفاد مروان الشقب.

ولوحظ في مناطق شمال غرب سوريا، نفوق عددٍ كبير من المواليد الجدد، نتيجة أمراض عدة دخلت إلى المنطقة، من بينها "هربس الخيول" (الإجهاض المعدي)، والذي يؤدّي إلى خسائر فادحة وفقدان الكثير من الأمهار، بالإضافة إلى إصابة ذوات الأعمار الكبيرة والتي تؤدّي إلى أعراض عصبية تنتهي بشلل الخيول.

ومع قلة الأدوية والمستلزمات الطبية في الصيدليات البيطرية، فإنّ هناك غلاءً كبيراً في سعرها إن وُجدت، وخاصةً الأدوية التركية القادمة عبر معبر باب الهوى الحدودي، والتي يُعدّ مفعولها مقبولاً نوعاً ما، والأدوية الفرنسية والإيطالية ذوات الفعالية الأقوى.

وبحسب بلان، فإن ارتفاع الأسعار طال الأعلاف والأتبان ومادة الشوفان الأساسية التي وصل سعر الطن الواحد منها إلى 600 دولار، وبتلك الأسعار وصلت كلفة الرأس الواحد شهرياً إلى 300 دولار، فضلاً عن قلّة مساحات مرابط الخيول ومضاميرها، باستثناء مربط واحد يُجهَّز حالياً في منطقة الفوعة في ريف إدلب، وبمساحة 110 هكتارات، لترويض الخيول من أجل المنافسة على السباقات والإنتاج.

عجز حكومي

يرى الدكتور باسم محمد صالح، المدير العام للمديرية العامة للزراعة والثروة الحيوانية والري في الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة السورية، في حديث إلى رصيف22، أن قطاع الخيول مهمٌ جداً ويُعدّ ثروةً وطنيةً، ولكنه في حالة إهمالٍ منذ اندلاع الثورة السورية، بالرغم مما يجسده من معاني الأصالة العربية والارتباط بالأرض والإنسان العربي.

صبرت كثيراً على غلاء المعيشة، ثم بعت قطعة أرض لزوجتي. ستة أشهر فقط كانت كفيلةً بعودة المعاناة مجدداً. قررت في النهاية بيع أربعة من خيولي. لم يمضِ شهران بعد ذلك حتى تعرّض الإسطبل للقصف. شعرت يومها بأن أولادي قُتلوا

ووفق إحصائية مبدئية قدّمها مكتب الزراعة والثروة الحيوانية، فإن عدد الخيول شمال غرب سوريا، يتراوح ما بين 800 و900 رأس من الخيل، منها ما هو مسجّل في (واهو) المنظمة العالمية، ومنها خيول وطنيّة غير مسجلة، ومن ضمن الخيول 390 رأساً في "جمعية العزة" المهتمة بتربية الخيل وفق إحصائية للجمعية في العام 2018.

يشير الصالح إلى أن المديرية العامة للزراعة والثروة الحيوانية والري في الحكومة المؤقتة تعمل على إحصاء الخيول الموجودة في المناطق المحررة شمال غرب سوريا ومنطقتي تل أبيض ورأس العين في محافظة الحسكة، واللتين تتبعان للمعارضة السورية.

ويصف واقع تربية الخيول بـ"الصعب جداً، فمن جهةٍ تعاني المديرية من قلة الدعم وقلة الكوادر المختصة، ومن جهة أخرى، يعاني المربّون أيضاً من قلة الدعم، لأن الدعم الحالي في المناطق المحررة هو دعمٌ موجّهٌ فقط إلى مربّي الأبقار والأغنام والماعز من أعلاف وأدوية بيطرية، كونها من الأولويات".

وتتواصل المديرية مع جهات فاعلة ومنظمات داعمة، كالأوتشا، إلا أنّ لدى هذه المنظمات أيضاً أولويات منسجمة مع الداعم في الاهتمام فقط بتربية الأبقار والأغنام والماعز ومدّها بالأعلاف والتحصينات الوقائية، بالإضافة إلى عدّها تربية الخيول رفاهةً، فليست في استطاعة أيّ شخص تربية الخيول، وفق الصالح.

مع ما يحيط بثالوث "الواهو والغذاء والرعاية الصحية"، يدفع مربّو الخيول ضريبةً باهظةً منذ أعوام، ما تزال ارتداداتها السلبية مستمرةً في ظلّ غياب حلولٍ فعّالةٍ تسلّط الضوء على معاناتهم، في حفظ حياة خيولهم العربية الأصيلة، والأهم حفظ أنسابها من الاندثار. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard