النبّاشون في سوريا... مافيات تجنّد الفقراء فوق أكوام القمامة

الاثنين 6 يونيو 202203:00 م

كمحارب يستريح، تجلس أم محمد وتسند بدنها المتعب إلى زاوية أحد الأبنية في حي القريات في منطقة جرمانا في ريف دمشق. تلتقط أنفاسها لبضع دقائق بعد رحلة عمل صباحية بدأتها بنبش القمامة وجمع بعض مخلّفاتها (علب بلاستيكية وأكياس نايلون وكرتون وعلب معدنية وأي شيء تراه صالحاً للجمع والبيع). حاويتان للقمامة ليستا بعيدتين عن مكان أم محمد تلخصان هدفها الآني. في داخلهما قمامة منثورة وحولهما أيضاً، وهو ما تبقى من النبش. وبالطبع لا يمكن الاستفادة منها، فكثر قد سبقوها ربما، والغلبة هنا لمن يأتي أولاً، والليل كما يقول قائل: "يستر العيوب"، لذا فمجد النبش لعاملي الليل.

ترفض أم محمد تصويرها، وترفض الحديث حتى. كان ذلك في البداية، ولكن بعد إلحاح شديد بالسؤال عما تبحث عنه والتعهد بعدم الوشاية بها، تومئ بالموافقة أخيراً، وتقول: "ماذا في وسعي أن أعمل غير النبش في القمامة؟ لا أعرف القراءة ولا الكتابة، ولا معيل لأبنائي الخمسة غيري، بعد وفاة والدهم خلال الحرب".

أم محمد هجّرتها الحرب من منزلها في حرستا في الغوطة الشرقية. بقي زوجها لفترة هناك ثم توفي ولم يترك لهم لا منزلاً ولا أملاكاً ولا أي شيء يسندهم في هذه الحياة، تقول: "هُدم بيتنا، وصرفت كل ما كان معي من مال وبعت كل ما أملك، حتى ثيابي". تتابع أم محمد: "أولاد الحلال أوصلوني إلى هذا العمل. وهو ليس عيباً أمام الفقر، فكل ما يهمني هو ستر الحال". يجب أن يتوقف المرء هنا أمام جملتها: "أولاد الحلال". هل صار النبش مرتبطاً بـ"أولاد الحلال"؟ أي درك وصل إليه السوريون إذاً؟

أم محمد هجّرتها الحرب من منزلها في حرستا في الغوطة الشرقية. بقي زوجها لفترة هناك ثم توفي ولم يترك لهم لا منزلاً ولا أملاكاً ولا أي شيء يسندهم في هذه الحياة

الآباء والأبناء

أبو الريش لقبٌ لرجل ثلاثيني يعمل هو وأولاده الثلاثة في نبش القمامة. ينتقل من منطقة إلى أخرى ولا حدود لعمله كما يقول لرصيف، مهما حاول الآخرون من النبّاشين مضايقته أو إبعاده. بات خبيراً في هذا العمل الذي يدرّ عليه وعلى أولاده مالاً مقبولاً من وجهة نظره، يكفي لكي ينسى ما يتكبده من عناء يومي في جمع مخلّفات القمامة. وهو لا يغيب عن عمله في أي يوم، مهما اشتدت حرارة الصيف أو برودة الشتاء.

تعرفنا إلى أبو الريش لدى مرورنا بتجمّع لحاويات عدة عند رأس شارع في منطقة دويلعة المحاذية لباب شرقي في مدينة دمشق. كان هو وأولاده ومعهم رجل وزوجته الشابة يمتهنان أيضاً العمل ذاته. يتجمعون في ساعة متأخرة من الليل حول موقد من النار أشعلوه من بقايا القمامة لتدفئة أجسادهم. "ورثت هذه المهنة من أبي، فهو نبّاش ذو شأن"، يقول ويضحك، قبل أن يكمل: "تركت المدرسة وانضممت إليه في نبش القمامة، والآن أورثها إلى أولادي، وأكبرهم عمره عشرة أعوام. لا ينفع العلم في هذه البلاد، ولا عمل في أي مكان تقريباً يضاهي ما نجنيه من مال هنا".

ويشرح أبو الريش فوائد هذه المهنة. فحسب تعبيره، كل ما يجمعه من كرتون وعلب بلاستيكية ومعدنية ينقله عبر سيارة السوزوكي خاصته إلى سمسار رفض تسميته، ويسلّمه ما جمع ويأخذ الغلّة مقابل ذلك. "هذه المهنة لها ناسها، ويجب أن تعرف من أين تؤكل الكتف خاصةً أن المال فيها متوفر كون القمامة لا تنفد أبداً من أي مكان"، يضيف.

للأطفال حصة

"عثرت على صينية معدنية صدئة وعلبتَي شامبو والعديد من زجاجات العطر الفارغة"، ينادي أحمد الذي يقف في قلب حاوية قمامة، وبالكاد يظهر رأسه منها، على زملائه في النبش عادل وكريم وفاطمة. أطفال عديدون لا يبلغ عمر أكبرهم الثلاثة عشر عاماً ومثلهم الكثير في مناطق أخرى، ولا تخطئهم العين كيفما توجهت عند النظر إلى الحاويات، فللأطفال حصة كبيرة أيضاً في نبش القمامة، ومنهم من تعلّم العمل من والديه والبعض الآخر امتهن العمل عبر شبكة كبيرة توظف الكبار والصغار لجمع المخلّفات.

لم تنجح في المرة الأولى محاولاتنا للحديث معهم، فهم منشغلون في التنقل من كيس قمامة إلى آخر، ومن حاوية إلى أخرى، فبراءة الطفولة لديهم لا يلهيها السؤال عن أحوالهم وظروف معيشتهم وكيف دفعهم حال العيش إلى نبش الزبالة وتحمّل رائحتها الكريهة؟ وهم بالطبع لا يعلمون شيئاً عن ملاحقة مشغّليهم ومساءلتهم القانونية عن عمالة الأطفال وزجّهم في أعمال لا تتوافر فيها أدنى الشروط الصحية. هم أطفال فحسب، ضحايا مجتمع وحياة وواقع ما كانوا ليختاروها يوماً، لو خُيّروا.

في المرة الثانية نجح الأمر عندما اقتربنا منهم حاملين معنا كيس قمامة وكيساً آخر فيه خبز يابس. "اعتدنا على الروائح الكريهة"، يقول أحمد البالغ من العمر 11 عاماً لرصيف22، ويشرح عن ظروف حياته وعمله في النبش: "نحن مجموعة أيتام تجمّعنا في منطقة واحدة، وكنا نتسول حينما عرض علينا شخص العمل في نبش القمامة وتعهد لنا بأن يعطينا المال لقاء هذا العمل، وبألا يسيء أي شخص إلينا كما يفعل الناس في الشارع عندما نطلب منهم المال".

يشرح أبو الريش فوائد هذه المهنة، فكل ما يجمعه من كرتون وعلب بلاستيكية ومعدنية ينقله عبر سيارة السوزوكي خاصته إلى سمسار، ويسلّمه ما جمع ويأخذ الغلّة مقابل ذلك. "هذه المهنة لها ناسها، ويجب أن تعرف من أين تؤكل الكتف خاصةً أن المال فيها متوفر كون القمامة لا تنفد أبداً من أي مكان"

تمّ الأمر بسرعة وبدأ الأطفال بالعمل في نبش القمامة، وما شجعهم على ذلك بحسب أحمد، أن هناك الكثير من الأطفال غيرهم يعملون في المهنة ذاتها، وجميعهم لا يعلمون بالطبع مخاطر نبش القمامة على صحتهم وما الذي يمكن أن تسببه لهم من أمراض مستقبلاً، إن بقوا في العمل ذاته. ذلك فضلاً عن جهلهم التام بحقوقهم الإنسانية والتي يبدو أنها فقط شعارات تنادي بحقوق الطفل من هناك وهناك، ولا تطبيق لها على أرض الواقع إلا أمام الكاميرات وفي صفحات الوكالات الإعلامية.

مافيا النبش

مكب القمامة الرئيسي في جنوب العاصمة دمشق، والمحاذي لمنطقة باب شرقي، عالم آخر يختلف عن ذلك العمل المنفرد في نبش القمامة في الحاويات. نحو 2،300 طن من القمامة تُنقل إلى مكب النفايات يومياً عبر سيارات نقل القمامة التابعة لمحافظة دمشق بحسب ما كشف لنا مصدر في مديرية المحافظة رفض الكشف عن اسمه، أو الحديث عن النبّاشين عند سؤاله عن حقوقهم وغض النظر عنهم، فاكتفى بمنحنا رقم الوزن.

في ذلك المكب تتكشف خفايا عمل المافيا المنظمة لعمل النبّاشين، وهذا ما تبين لدى سؤال رصيف22، رجلاً أربعينياً رفض إعطاء اسمه، عن سبب تواجده في هذا المكب وليس في الحاويات. يقول: "المسؤول عنّا في النبش وضعنا في مكب النفايات هذا كقطاع حصري لعملنا، ولا حاجة إلى تواجدنا بالقرب من الحاويات بسبب وجود أشخاص تم فرزهم مسبقاً إلى هناك"، وعند سؤاله إن كانت هناك حاجة فعلية إلى مسؤول عنهم في العمل، أجاب باختصار: "خليها على الله كلهم مسؤولون في هذا البلد".

عمل النبش في القمامة يترأسه كبير النبّاشين، وقد يكون هناك أكثر من كبير، وهو الشخص المسؤول عنهم وعن شبكة كبيرة تعمل على تقسيم المناطق إلى قطاعات، وفيها يتم توزيع الأشخاص الذين يعملون فيها إما طواعيةً بالانضمام إلى هذه الشبكة، أو بالتضييق عليهم كي يتم إلحاقهم بالشبكة وضمان رزقهم، بالإضافة إلى توظيف الأطفال في النبش وقد باتوا عمادها الأول. يتلقى هؤلاء مبالغ ماليةً متواضعةً لقاء عملهم، أمّا الأرباح فتعود على تلك الشبكة المنظمة لعمل النبّاشين.

والشبكة مرتبطة بخلية عمل أكبر تضم ورشاً صغيرةً لإعادة تدوير المواد البلاستيكية والكرتون والقطع المعدنية والزجاجية بطرق شرعية وغير شرعية، وبالطبع هناك التجار الكبار المستفيدون من هذا العمل والذي يعود عليهم بالربح الأكبر.

يشكّل النباشون -بحسب مديرية النظافة في دمشق- تكتلاً مترابطاً يسيطرون به على مكبات النفايات، بالإضافة إلى استئجارهم أطفالاً لهذه الغاية، وينتشرون في أحياء دمشق

القانون الغائب

يحظر القانون السوري العمل في نبش القمامة وفقاً للقانون رقم (49) لعام 2004 المتعلق بشؤون النظافة، والذي ينص على أنه "يُحظر تحت طائلة المسؤولية وفرض العقوبة المنصوص عليها في الفصل السابع من هذا القانون، نبش النفايات في الحاويات وسلال المهملات وأماكن تجمعها". وبحسب مديرية البيئة في ريف دمشق، فإنه "في حال تم القبض على من يعمل في مهنة نبش القمامة غير المرخصة، تُفرض عليه غرامة مالية تبلغ قيمتها ثلاثة آلاف ليرة سورية، وتتضاعف الغرامة عند تكرار العمل، وأحياناً تصل العقوبة إلى السجن".

ونظراً للازدياد الكبير في أعداد العاملين في نبش القمامة، مع ازدياد أعداد المشغلين لهم وتوسع دائرة شبكة العمل المتصلة بالنبش بسبب الأرباح الكبيرة التي يتم جنيها، يُبيّن مدير النظافة في محافظة دمشق عماد العلي، وجود دراسة لزيادة الغرامات على العاملين في نبش القمامة، والتي لم تُعدّ رادعةً وذات فعالية بحسب تعبيره.

ويشكّل النباشون -بحسب مديرية النظافة في دمشق- تكتلاً مترابطاً يسيطرون به على مكبات النفايات، بالإضافة إلى استئجارهم أطفالاً لهذه الغاية، وينتشرون في أحياء دمشق. وبالرغم من تعليمات وزارة الإدارة المحلية والبيئة ومحافظة دمشق وريفها لمكافحة الظاهرة، إلا أنها تتسع ويتم تنظيمها نظراً لمردودها الكبير على المافيا المسيطرة.

هذه المافيا -بحسب المديرية- تضم القائمين على المكبات، ومن يقف وراءهم، وأصحاب الورش الصغيرة ومعامل تزوّر منتجات تشتريها من النبّاشين (علب شامبو، وزجاجات عطر، وزجاجات كحول)، عبر إعادة تعبئتها وبيعها على بسطات منتشرة في شوارع دمشق. يضاف إلى ذلك محال منتشرة لشراء المواد التي يخرجها النبّاشون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard