عندما يستحيل الجميع حطبا للمحرقة... قراءة في رواية "الفرناق" لشادية القاسمي

الأربعاء 13 يوليو 202211:16 ص

يعود المؤرّخ إلى الماضي ليستقرئ أحداثه وفهم طبيعة مساره، متوسّلاً الصّرامة الموضوعية والدّقة العلمية، أمّا الرّوائي فيرتدّ إلى غياهب التّاريخ باحثاً في ثناياه عما يؤثّث به عوالم نصّه، فيبعث فيه شخصياته ويرسم لها مصائر في كنفه متّخذاً منه إطاراً تتحرّك فيه هذه الفواعل، وتنثال الأحداث من ثناياه. هذا تماماً ما فعلته الرّوائية التونسية شادية القاسمي في ثالث رواياتها "الفرناق" الصّادرة حديثاً عن دار زينب (الطبعة الأولى، 2022).

ففي هذه الرّواية تواصل المسار الإبداعي الذي استهلّته في رواية "المصبّ" (الطّبعة الأولى، 2016) و"رايات سود" (الطّبعة الأولى، 2019) والمتمحور حول عوالم المهمّشين في الأحياء الخلفية الذين تناستهم كلّ السُّلط. وفي هذه الرّواية ارتأت الرّوائية أن تحتفي بهؤلاء المهمّشين الذين عاشوا في ظرفية تاريخية حارقة اجتماعياً وسياسياً من تاريخ تونس المعاصر، وتحديداً الفترة الممتدّة بين سنة 1985 وأواخر سنة 1995 لمّا واجهت السّلطة الشّعب بالحديد والنّار، متوسّلة كلّ أشكال القمع والتعذيب لتفرض سطوتها، كاتمة كلّ صوت معارض.

تتّخذ شادية القاسمي موقفاً حاسماً من هذه الفترة ومن أحداثها، وهو موقف يظهر منذ العنوان، فقد اختارت أن تسم روايتها بـ"الفرناق"، وهي كلمة ذات أصول لاتينية FORNAX وتعني "الفرن"، ويُسمَّى القائم عليه "فرانقي".

أشكال حضور الفرناق في الرّواية

يحضر "الفرناق" في الرّواية حقيقة ومجازاً، فهو المكان الذي أخذ إليه "صفوانُ الدّرغوث" "المازري" الذي قضّى فيه فترة من الزّمن يراقب مِن كوّته أجساد النّساء المستحمّات، قبل أن يُنقل معصوب العينين إلى "فرناق" وزارة الدّاخلية. وبتتبّع خيوط السّرد ننتهي دون شديد عناء إلى أنّ البلاد استحالت كلّها "فرناقاً" ضخماً.

وانقسم أهلها إلى "فرانقية"، بدءاً بالمازري ومروراً بـ"عزّوز" الذي أحرق جسد ريحانة ورحمها، وانتهاء بصفوان الدّرغوث رمز السّلطة الجائرة. أمّا البقية فليسوا سوى حطب الفرن الضخم ووقوده الذي يلتهم كلّ ما يعترضه في سبيل أن تظل السّلطة السّياسية صوتاً واحداً في البلاد، دون أن يجرؤ أي فرد على نقدها فما بالك بمعاضتها. ولكن في أحيان كثيرة تتداخل المصائر فيستحيل "الفرانقي" هو ذاته الحطب، كما حدث مع المازري وصفوان الدّرغوث، وقد طوّعت الكاتبة كلّ تقنيات الكتابة لرسم هذا المحرقة العظيمة.

عوالم المهمّشين في الأحياء الخلفية الذين تناستهم كلّ السُّلط وعشرية تونسية قاتلة... رواية "الفرناق" الصّادرة حديثاً للرّوائية التونسية شادية القاسمي

انغلاق الأمكنة... اختناق الأقدار

في هذه الرّواية بدت أغلب الأمكنة مغلقة، فمجمل أحداثها تقع في "الفرناق" أو في قبو وزارة الدّاخلية وفي شقّة سوسة أو في الفندق الرّخيص أو في شقّة صفوان الدّرغوث، مقابل ذلك يبدو حضور بقية الأمكنة المفتوحة حضوراً ضامراً في الرواية، فـ"عين تونقة" لا تُذكر إلاّ عرضاً، وكذلك الأحداث التي تقع في الأماكن الخارجية في العاصمة، فلا ينقل لنا السّارد ما دار بين حورية وصفوان الدّرغوث قبل أن ترافقه ليكشف أمامها عجزه فلا نعرف "أين أخذها؟ وماذا حدث بينهما يومها" حتى يصل به الأمر إلى فضح عجزه أمامها.

فكلّ الأمكنة مغلقة تضيق بأصحابها حدّ الاختناق، بل كثيراً ما يلفّها الظّلام والسّواد، سواء كان ظلام القبو أو سواد سخامه أو البخار الذي يحيل الحمّام إلى ظلام. لذلك تهرع كلّ الشّخصيات إلى الهرب منها إلى فضاءات أرحب لعلّها تتخلّص من ربقة السّجن الذي يخنقها.

ففرّ المازري من "عين تونقة" مردّداً على مسامع ريحانة "اهربي.. غادري المكان بسرعة". ولاحقاً ستغادر هي شقّة سوسة فراراً من عزوز الذي امتصّ رحيق شبابها إلى تونس العاصمة، لكنّها سرعان ما عادت إلى الشّقة. وابتعدت علياء عن صفوان درغوث لحظة اكتشفت إعجابه بصديقتها، وعلمت أنّه المسؤول عن وفاة حبيبها. وسيهجر الرّيماني "عين تونقة" هرباً مما تحمله له من ذكريات مؤلمة ملغزة "فتناسلَ هروبٌ من هروبٍ وشقاء من شقاء".

لعبة الهروب والتّخفّي

ولا تشترك هذه الشّخصيات في الهروب فحسب، بل في إتقانها للعبة التّخفّي كذلك. فبعضها اتخذت أسماء جديدة للتّمويه، وبعضها الآخر تلفّع بصفة ليست له إمعاناً في التنكّر وإخفاء لحقيقته، أو لمجرّد اتقاء ما قد يؤدي إليه انكشاف حقيقتها. فها هو الرّيماني يخفي حقيقة ابنه بعد أن صار حديث الجميع، فكيف سيواجه عيون الآخرين لو عرفوا أنّ ابنه الذي ظلّ دائماً يحلم بلقائه مجرم سفك دماء القريب قبل البعيد.

وارتدت علياء، التي تمثل عينَ "صفوان الدّرغوث" رمزِ السّلطة السّياسية الفاسدة في الجامعات، ارتدت قناعَ طالبة جامعية حتّى يَسْهُلَ لها الاندساس بين الطّلبة ونقل كلّ همساتهم وسكناتهم إلى سجلاّت الدّاخلية. فالجميع يعتقد أنّها طالبة ولكن لا أحد يدري "اختصاصها أو الكلّية التي تزاول تعليمها فيها، ولا أحد يعلم من هي بالضّبط غير أنّ اسمها علياء".

نجحت شادية القاسمي في أن تنقل القارئ عبر متاهات تاريخ تونس المعاصر، في عشرية دموية (1985-1995) سلّطت السّلطة خلالها قبضة حديدية على أبناء هذا الوطن، وطوّحت بهذا القارئ في رحلة من "عين تونقة" إلى "سوسة" و"العاصمة" و"قابس"... محتفيةً بوسط تونس وساحلها وشمالها وجنوبها

أمّا مازري فقد شكّل تغيير اسمه طقس عبور نحو عوالم أرحب: "قرأ الاسم: يحيى... يحيى بن الهادي التّابعي"، معلناً بذلك قطعَ كلّ خيط يشدّه إلى ماضيه. تقول: "مات أخيراً المازري ولد الرّيماني وَوُلِدَ يحي بن الهادي التابعي". لكنّ هذا الهروب الذي بدأه الريماني ودولا لحظة "هَرَبَا معاً فعَبَرا الحدود إلى عالم يضمّهما ويطمر الأسرار التي جرّها كلّ واحد منهما وخبأها بين الضلوع"، فاستحال لعنة تحكم مصائر بقية الشخصيات هرباً من أقدارها.

لكنّ كلّ محاولات الهروب والتّخفّي لن تفلح في أن تحول دون الشّخصيات ومصيرها المأسوي، فهؤلاء قد غدوا كلّهم حطباً لمحرقة كبرى هي محرقة الوطن عندما ينكر أبناءه، ولا يبقى له من رهان إلاّ الحفاظ على استمرار السّلطة السّياسية في مرحلة حارقة من تاريخ تونس المعاصر. فيعلّق السّارد على أحداث سنة 1991:

"دفعوهم فرادى وجماعات نحو القبو، بعضهم من أبناء المركّب الجامعي بالمنار وبعضهم من كلّية الآداب بمنوبة أو كلّية 9 أفريل. قُسّموا إلى مجموعات صغيرة، طُمرت كلّ مجموعة في غرفة من غرف القبو الكبيرة (...) تغلي الجامعات من أسبوع فيعلوا موج العنف ولا ينزل (...) نخر الحزن القلوب قاتلاً خانقاً بعد أن أكل الموت الطّالبين عدنان سعيد وأحمد عمري".

السّقوط

هذا الموت والاضطهاد اللذان وسما المشهد السّياسي والاجتماعي لتونس ألقى بظلاله على عوالم شخصيات الرّواية. فقد انفتحت على مشهد موت دُولاَ زوجة الرّيماني جثة تتدلّى من التينة الكبيرة، لتتالى بعدها الجثث. فقُتل كيدة ونورا، وعلّقت جثتاهما في سقيفة الحمّام ثمّ لحق بهما ابن أمّ السّعد. ولأنّ كلّ هذه الجثث ينتمي أصحابها إلى الطّبقة المهمّشة التي لا يثير موتها غير المقرّبين منها.

فسرعان ما يُغلق ملف موتهم وتعود الحياة إلى سالف دبيبها، حتّى إن كلّف الأمر صفوان الدّرغوث، مالك الحماّم، حفلةَ عرس وهمي تمحو من الأذهان ذكرى وفاة كيدة: "أياماً بعد الاقتراح شهد حمّام الدّرغوث أعظم احتفال بحمّام عروس جال بها الكاليس كلّ الزّهراء تتبعها النّساء ويسبقها طبّال". لكن ابن الدّرغوث لم يكن يدرك أنّ التغطية على القاتل ومحاولة طمر جرائمه ستنتهي إلى دقّ عنقه بالطّريقة نفسها. فقد ثارت ثائرة مازري عندما أدرك أنّ ريحانة التي قضّى كلّ سنوات عمره يحلم بلحظة التقائه بها واستعادة حبّها، أصبحت زوجة صفوان الدّرغوثي، "فكان لا بدّ أن يزيح ابنَ الدّرغوث من طريقه كما أزيح الحجر من أمام بيتهم في عين تونقة".

لم تنجُ أي بقعة في تونس في الإفلات من قبضة نظام ظالم، ولم يسلم أغلب الشّعب على اختلاف طبقاته من ظلم السلطة. لقد استحالت البلاد خلال هذه العشرية (1985-1995) "فرناقاً" عظيماً صار له الجميع حطباً

ولأنّ الضّحية هذه المرّة ليست من فئة أولئك المهمّشين الذين سبق موتهم موته، إذ تتساوى حياتهم وموتهم دون أن يعبأ أحد بغيابهم، فإنّ موته سيشكّل بداية سقوط مازري، لأنّ المحقّق سيحاول فكّ اللّغز ليعرف من تجرّأ على الاقتراب من ابن الدّرغوث بكلّ جبروته وسلطته، وبخطّة محكمة من ريحانة التي لم تكن سوى خيط أخير انتظره المحقق ليفكّ طلاسم الجريمة: "فكلّ أصابع الاتّهام تشير إلى كلبه وكلّ الخيوط تنطلق نحوه والمصبّات تؤدّي إليه". فقد كان "الكلب"، كلب الدّرغوث، كما يلقّبه أعوان الدّاخلية، أكثر جرأة، فلم يكتف بمصاهرة سيده، بل لفّ خيطاً حول عنقه تماماً كما لفّه حول رقاب أخرى كثيرة، سقط بعضها لأسباب تافهة.

وهكذا انكشف سرّ القاتل الغامض الذي تفنّنت شادية القاسمي في إخفائه عن القارئ إلى حدود الصّفحة 169، فـ"موت صفوان أحيا ملفّات شبيهة. تكرّر الموت فيها بنفس الطّريقة. يخنق القاتل ضحيته بخيط معدني رفيع. تكدّست ملفّات قديمة أعادها الزّمن إلى النّور مجدّداً فلم يعد له ما يخفيه بعد أن حاصرته الحقيقة من كلّ جانب". لقد احترق يحيى التّابعي أو مازري في ذات "الفرناق" الذي تلذّذ بإلقاء الآخرين فيه. حاول بكلّ السّبل قطع كلّ صلة تشدّه إلى ماضيه في "عين تونقة"، ولكنّه لم يكن يدرك أنّ الخيط الوحيد الذي حافظ عليه سيعجّل بنهايته.

لكن شادية القاسمي لم تكتف بإدانة مازري، بل عمدت إلى تشريح الرّواسب التي جعلته يتحوّل إلى وحش كاسر يقطع رأس ضحيته دون أن يرفّ له جفن. أليس هو أيضاً ضحية لزوجة أبيه دولا التي كانت تستغل غياب أبيه لتنكل به. فلا تكتفي بأن تذكّره في كلّ مرّة أنّه لن يصبح رجلاً أبداً، بل تعلّقه لساعات طويلة في ذات الكرمة التي شنقها عليها. تداهمه كلّ هذه الذّكريات في زنزانته فيخاطب نفسه: "كم آلمتك دولا بكلامها وآذتك بسياطها. فصبرت لكن قسا قلبك ثمّ تحوّل صوّاناً لا يحسّ. قتلت حواسّك جميعها. تعلّقك كالشّاة في التينة وتتركك للحشرات تدبّ على جسدك تلسعه.

كانت ريحانة تصبّ الماء حين تعطش في فمك وتقسم اللّقيمات حين ينهشك الجوع وأنت تتأرجح في الهواء. اختارت دولا مصيرها فلتجرّب ما يحسّه المعلّق في جذع شجرة".

إنّ المازري الذي قطع رؤوساً كثيرة ليس إلاّ ضحيةً، لذلك كان ينتقم منها في كلّ من قتلهم فـ"كيدا ذنبه أنّه دقّ مُجدّداً على بلاط السقيفة وذكّرك بـدولا". وذكّره نورا في مزحة بأكثر جملة كدّرت صفو حياته فردّد في شكل مزحة: "أنت لست رجلاً"، وأي جملة أكثر استفزازاً في حياة المازري من هذه الجملة.

 غير أنّ دوافع القتل قد لا يكون سببها الغضب يقدر ما تحرّكها أحياناً دوافع الشّفقة، كما حدث مع ابن أمّ السّعد. يقول مازري: "قتله الشّبه بين الذي جمع بينكما. رأيت أن تخلّصه من آلام قادمة ستأتي. ستأتي وتلتهم براءته وسيكون مثلك (...) أشفقت ان يكبر الطّفل ويصير خشبة مثلكم في (فرناقهم) أو أي (فرناق) آخر".

محرقة الجسد

لم يكن معين يحيى في رحلة العبور من "عين تونقة" إلى العاصمة ومن "فرناق" الحمّام إلى "فرناق" وزارة الدّاخلية، سوى جسده. فما إن نفض عنه السّخام حتّى استطاع أن يرتقي من منزلة "الفرانقي" إلى مرتبة "كلب الدّرغوث"، ثم إلى صهره وموظف في الدّاخلية أخيراً. ولم يكن الجسد مطية المازري فحسب. بل شكّل كذلك سند ريحانة فضمن لها أن تبقى عشيقة لعزوز، منتصرة على زوجته إقبال التي هي دونها جمالاً جسدياً.

وبذات الجسد أغرت صفوان الدرغوث، فنقلها من مشرّدة لا مأوى لها إلى سيدة، وترك لها بعد رحيله "ما تعيش به مطمئنّة طوال العمر"، وجسدها هو ذات الثّمرة المحرّمة التي حاول مازري قطفها، وحينما لم يستطع بقيت حلماً مشتهى، يراوده في كلّ حين ممنّياً النفس بقطافه ذات يوم. وهذا الجسد هو الذي أدّى به إلى نهايته الوخيمة.

وكما مثّل الجسد في حياة مازري وريحانة سلّماً للارتقاء الاجتماعي، فإنّ السّلطة أيضاً كان لها نصيبها من حفلة الجسد، فعلياء تستغلّ جسدها طُعماً للإطاحة بالطّلبة المعارضين أو حتّى أداة للانتقام كما فعلت مع نصر حبيبها، الذي اختلفت معه فأودت به إلى أقبية وزارة الدّاخلية. وتعمد السّلطة إمعاناً في التنكيل بمعارضيها، إلى الاعتداء عليهم جسدياً، ضرباً واغتصاباً، لذلك يتّخذ عجز صفوان بُعداً رمزياً، فقد أفقده ذلك المعارض ذي الحزام الأسود فحولته نهائياً، وكأنّه بذلك انتقم لكلّ المعارضين من السلطة في شخص صفوان الدّرغوث بذات سلاحها.

ولأنّ كلّ جسد مصيره أن يشيخ ويذوي، فإنّ كل صعود اتّخذ الجسد سبيلاً له انتهى إلى سقوط مدوّ، فمازري" سيلقى مصير ضحاياه ذاته، وريحانة انتهت أرملة وعلياء فقدت حبيبها وحُكم على ابنها باليتم قبل ولادته. ولعلّ هذا ما جعل هذه الشّخصيات تجنح إلى الاستقرار، فقد آن للهرب أن ينتهي، لذلك عندما حرَّض مازري ريحانة كي يعاودا الهروب من جديد إلى عالم بعيد عن ظلال ستيرة وأطلال ابن الدّرغوث، رفضت. "ملّت الهروب وملّت الدّوامات التي تلفّ رأسها من حين لآخر". حان الوقت لتهدأ القلوب المكلومة وتلتقي في مشهد يلتقي فيه الرّيماني وأسرته بـريحانة، ويُجمع شمل عائلة أبي لبابة بحبيبة ابنهم وحفيدهم الذي قادته الصّدفة ليجد نفسه في بيت جدّه وأمام صورة أبيه.

ختاماً...

لقد نجحت شادية القاسمي على امتداد 185 صفحة في أن تنقل القارئ عبر متاهات تاريخ تونس المعاصر، في عشرية دموية سلّطت السّلطة خلالها قبضة حديداً على أبناء هذا الوطن، وطوّحت بهذا القارئ في رحلة من "عين تونقة" إلى "سوسة" و"العاصمة" و"قابس"... محتفيةً بوسط تونس وساحلها وشمالها وجنوبها. إذ لم تنجُ أي بقعة في هذا الوطن في الإفلات من قبضة نظام ظالم، ولم يسلم أغلب الشّعب على اختلاف طبقاته من ظلم السلطة. لقد استحالت البلاد خلال هذه العشرية "فرناقاً" عظيماً وصار الجميع حطباً له، ورغم ما اتّسمت به الرّواية من حزن، إلاّ أنّها في المقابل عبقت بروائح تونس وأرضها. واحتفت بأسماء تكاد تندثر، كـ"دولا" و"الريماني" و"مازري"، وبأغاني من أعماق التّراث التونسي، كأغنية "سوجا آآ لحمام، يَاوْمَا أحْلاَ مْبَارْكَة" التي تردّدها أم السّعد الحارزة وهي تغسل أجساد حريفات الحمّام، و تستدعي الكاتبة حتى ما يُردّد في الجنازات في الأرياف التونسية . جاء على لسان شافية شقيقة الرّيماني:

"واا ناري على الرّيماني خويا

واااعشّك من يومك خالي...

واااشومي على اختي دولا...

دارِكْ خِرْبَةْ بلاش أمّالي" 

لقد ماهت شادية القاسمي بين التاريخ (1985-1995) والجغرافيا (وسط وشمال وجنوب تونس) لتكتب نصّاً مختلفاً عن تجربتيها الرّوائيتين السّابقتين، رغم انغماسها جميعاً في عوالم المهمّشين كما أسلفنا. وننتهي بكلّ يسر إلى أنّ لغة القاسمي في هذه الرّواية قد بدت أكثر نضجاً واختلافاً عن التجربتين السّابقتين، فهي لا تكرّر ذاتها. ولا غرابة في ذلك، لأنّها تلج باب الرّواية متسلّحة بلغة الشّعر والقصّة، فقد أصدرت ديواناً شعرياً بعنوان "تراتيل" سنة 2014، ومجموعة قصص قصيرة جداً تحمل عنوان "طيف غيمة نافرة" سنة 2018.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard