"دم على نهد"... إبراهيم عيسى يستعيد رواية قديمة ليثير جدلاً جديداً

الأربعاء 18 مايو 202211:30 ص


رغم أنها من رواياته المبكرة الصادرة بعد سنوات قليلة من بداية عمله الصحافي، لا تبتعد أحداث رواية "دم على نهد" للصحافي والإعلامي المصري إبراهيم عيسى الصادرة في 1996، كثيراً عن "خلطته" المعروفة في كتاباته الصحافية والروائية والفنية، تلك “الخلطة” التي تُقابل عادة بموجاتٍ من الهجوم لطرحها آراء صادمةً وجريئة.

الرواية التي يستعد عيسى لإخراجها للنور من جديد في دراما تلفزيونية، تعود إلى وقت كان يصبغ كتاباته بصبغة الصحافي الذي يكشف عن الخفايا والانتهاكات. وبحسب الغلاف الترويجي للرواية فإنها "رواية جريئة ومشوقة. تفضح أساليب الأجهزة المخابراتية في الدولة الأمنية وتحكي لنا عن الحقيقة... تلك التي تتمنى لو أنك لم تعرفها أبداً".

في الرواية يكشف عيسى عن أعمالٍ وممارساتٍ مشبوهةٍ لرجالات السياسة والصحافة والأمن من خلال سيرة سفاح. فهل يستفيد عيسى من الانفراجية الدرامية الجزئية التي شهدها رمضان الماضي أم هناك "حيل درامية" ستضمن أن يمر المسلسل من دون قلق كبير؟

مع ميلاد "الوطنية للإعلام" وسيطرة الدولة على الإنتاج الدرامي، اختفت نهائياً فرص تقديم رجال أمن يمارسون الفساد أو يستغلون سلطاتهم، فما هي الوسائل التي ستمكن الكُتَّاب من تقديم عمل تدور أغلب صفحاته حول فساد وانتهاكات أفراد داخل الأجهزة الأمنية؟

كود الأعلى للإعلام

وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام كوداً ملزماً من 16 بنداً، على كتّاب ومخرجي ومنتجي الدراما التلفزيونية الالتزام بها، أبرزها: إبراز تضحيات رجال الشرطة والأمن في سبيل الوطن.

ومع ميلاد المجلس وسيطرة الدولة على الإنتاج الدرامي، اختفت نهائياً فرص تقديم رجال أمن يمارسون الفساد أو يستغلون سلطاتهم أو ينتهكون حقوق المواطنين، فكيف سيقدم المسلسل المرتقب لإبراهيم عيسى رواية تدور أغلب صفحاتها حول فساد وانتهاكات أفراد داخل الأجهزة الأمنية؟  

حكاية سفاح

صدرت الطبعة الأولى من "دم على نهد" عن دار ميريت في 1996، وكانت ميريت وقتذاك ودار الثقافة الجديدة داري النشر المصريتين الوحيدتين اللتين تنشران لكتّاب "مغضوب عليهم" أو لا تحتضنهم الدولة بشكل علني. وصدرت أحدث طبعات الرواية عن "الكرمة" الناشر الحالي لإبراهيم عيسى في 2015.

وتدور أحداث الرواية حول الصحافية مي الجبالي، التي تقرر إعداد كتاب عن سفاح محكوم عليه بالإعدام، وتنجح بمساعدة أحد عشاقها الذين يملكون علاقاتٍ وطيدةً مع الأجهزة الأمنية في الفوز بلقاءات أسبوعية مع  السفاح محمود حلمي الذي "يفضّ أسرار" هذا العالم الكابوسي.

يكشفُ السفاح النقاب عن العديد من مغامراته المثيرة، ووقائع القتل التي ارتكبها، والشخصيات التي تعامل معها وكانوا سبباً في أن يصير "سفاحاً"، بدءاً من عائلة "العبيدي" التي تمارس تجارة الآثار في الصعيد، وتُمول "مطاريد" الجبل (لصوص يعيشون في الجبال) مقابل حماية أعمالهم غير المشروعة.

لا يُفوّت عيسى فرصة تقديم شخصية رجل دين يحمل تناقضات واضحة، ففي الرواية، يحكي السفاح للصحافية قصة الدكتور سميح، رجل الدين الشهير، و"نجم الإسلام في زمانه"، الذي يصطاد الصغار ويعتدي عليهم جنسياً، ومنهم بطل الرواية

لا يُفوّت عيسى فرصة تقديم شخصية رجل دين يحمل تناقضات واضحة، ففي الرواية، يحكي السفاح للصحافية مي الجبالي قصة الدكتور سميح، رجل الدين الشهير، الضيف الدائم في برامج التلفزيون، والحوارات الصحافية، والواعظ الديني في أكبر مساجد مصر، يحكي أنه نجم الإسلام في زمانه. ومع ذلك يصطاد الصغار ويعتدي عليهم جنسياً، ومنهم بطل الرواية، السفاح محمود حلمي.

وتستعرض الرواية من خلال السفاح فساد الحياة السياسية في مصر خلال فترة التسعينيات، والتي استمرت فيها سيطرة الحزب الوطني الديمقراطي الذي أسسه الرئيس الراحل أنور السادات على الحياة السياسية، في ظل وجود أحزاب معارضة هشة، ينشغل معظمها بمغازلة السلطات.

كما تستعرض الرواية ما واجهه بطلها من فساد الشرطة، واستغلالها أمثاله من المجرمين المسجلين في توجيه نتائج الانتخابات، أو حتى التخلص من زملائهم ومنافسيهم بالقتل أو الوصم.

توقعات السيناريست

اختار عيسى التعاون مع الكاتب محمد هشام عُبيّه الذي كتب سيناريو مسلسل بطلوع الروح المعروض خلال رمضان المنقضي.

ويأمل عُبيّه أن ينتهي من كتابة السيناريو وتسير خطوات تنفيذ المسلسل في وقت قريب. يقول لرصيف22 إنَّ فكرة تحويل رواية "دم على نهد" إلى مسلسل تليفزيونيٍّ جاءت بمبادرة من إبراهيم عيسى نفسه، وإن الحوار بينهما حول تجهيز المسلسل بدأ عقب عرض ونجاح مسلسل "في كل أسبوع يوم جمعة" المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد.

لا يعلق عُبيّه على المحاذير التي قد تعوق تقديم الرواية أو تأثير تلك المحاذير على شخصيات المسلسل وأحداثه، وأوضح بعض المعلومات التي قد تخفف من الاعتراضات التي تقف عقبة في طريق الإنتاج. وكشف عُبيّه، نقلاً عن إبراهيم عيسى، أنه سبق للمؤلف أن سعى إلى تقديم عمل درامي أو سينمائي مأخوذ عن الرواية، ولكن تعثر ذلك في المرتين، ويعلق عُبيّه : "نأمل أن تنفك اللعنة هذه المرة".

وداعاً رجل الدين

أكد عُبيّه أنه وشريكه في كتابة السيناريو وائل حمدي أجريا تعديلات كثيرة في النص الدرامي الذي سيكون مختلفاً عن الرواية، مضيفاً أنَّ شخصية رجل الدين الدكتور سميح لن تكون موجودةً في المسلسل: "حذفناها لأننا لم نرَ لها ضرورةً درامية".

وقال إن عيسى لم يعترض على التغييرات: "منهجه في ذلك هو منهج نجيب محفوظ، فمن الطبيعي أن يختلف النص الدرامي عن الرواية المكتوبة، وهو بالطبع متفهم ذلك".

وتابع: "الثيمة الأساسية في الرواية هي السفاح المحكوم عليه بالإعدام الذي تُجري معه الصحافية مي الجبالي لقاءات. احتفظنا طبعاً بالقوام الأساسي للرواية، وهناك مشاهد أخذناها كما هي".

البقاء في الثمانينيات

أكد عُبيّه لرصيف22 أن المسلسل سيُبقي على الحقبة الزمنية التي تتناولها الرواية، وهي منتصف الثمانينيات، في عصر الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك. وبيّن أن الإبقاء على الأحداث في فترة الثمانينيات له مبرر درامي: "اخترنا هذه الحقبة الزمنية لأننا أردنا الاستفادة من الثمانينيات التي ستكون فرصةً للحديث عن الأوضاع السياسية والاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، وحرية الصحافة التي كانت كبيرة في ذلك الوقت، فضلاً عن تصاعد أعمال الجماعات الإرهابية".

ولفت عُبيّه إلى أن الرواية "جريئة على المستويين السياسي والجنسي"، وأنه سيحاول الحفاظ على تلك الجرأة إلى أقصى حدود تسمح به شاشة العرض، كاشفاً عن أن عرض المسلسل على منصةٍ (لم يحددها) سيعطي لهما حرية أكثر في التناول.

وتنتج منصتا شاهد ونتفلكس مسلسلات عربية تتخفف كثيراً من القيود والمحاذير التي تفرضها الجهات الرقابية المصرية على الاعمال الدرامية والسينمائية، وهو ما جعل الأولى (شاهد) قبلة صناع الدراما المصرية خلال الاعوام الثلاثة الأخيرة، فيما لم تقدم نتفلكس سوى عدد محدود من الأعمال المقدمة من صناع الدراما المصريين.

"سنثير جدلاً"

أما عن شركة الإنتاج، فقال السيناريست المصري إنه في البداية جرى التعاقد مع شركة إنتاج مصرية، ولكنها اعتذرت عن عدم استكمال المشروع. كاشفاً أنه من المقرر أن تكون هناك شركة عربية، لم يحددها، تتولى إنتاج المسلسل، الذي سيصدر في شكل limited series أي مجموعة محدودة من الحلقات لا تتجاوز العشر.

وختم عُبيّه: "المسلسل سيثير جدلاً لأنه سيكون عنيفاً في مضمونه، ورغم أن هذه الرواية تبدو سهلةً في تحويلها عملاً فنياً، فإنها في الحقيقة صعبة لا سيما أنَّ الروايات عموماً لا تُجيب عن كل الأسئلة، لكن العمل الدرامي لا بد أن يُجيب عن 90 % من الأسئلة"، مستكملاً: "نحن أخذنا الحبكة الأساسية من الرواية، مع زرع شخصيات جديدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard