شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
تقبيل أيدي الكبار في العيد... احترام أم خنوع أم طمع في "العيديّة"؟

تقبيل أيدي الكبار في العيد... احترام أم خنوع أم طمع في "العيديّة"؟

حياة

الأربعاء 6 يوليو 202206:04 م

قبلة بعد الحمّام قد تتسبب بالطلاق

تقول سهاد، 50 عاماً: "حين تزوجت لم أقلق لكون عائلة زوجي محافظة ولها تقاليد صارمة، قلت في نفسي سأتعود، فالحقيقة أنني لم أجىء من منزل يحتفل برأس السنة ويسمح باللباس القصير أو بالأصدقاء من الجنس الآخر، كلنا محافظون بشكل أو بآخر، لكن ما لم أتوقعه أن يطلقني زوجي وأنا عروس لأني رفضت أن أقبّل يد أمه في كل مرة تخرج بها من الاستحمام".
تضيف: "اكتشفت لاحقاً أن كل سلفاتي يفعلن هذا مع جملة "حمام الهنا"، فبمجرد أن تخرج حماتي من الحمام نصعد من شققنا إلى شقتها في الطابق العلوي ونقبل يدها، والله لن ألوم الناس إن ضحكت على القصة... المهم إني رجعت لبيت أهلي، وبعد تدخل عائلتي المستغربة وبعد أن اختلط الضحك بالغضب والاستهجان بالنكت تصالحنا أنا وزوجي، ولم أقبّل يد حماتي مثل باقي الكناين حتى ماتت، الله يرحمها". 
ما لم أتوقعه أن يطلقني زوجي وأنا عروس لأني رفضت أن أقبّل يد أمه بعد كل مرة تخرج بها من الاستحمام"

مهما قيل عن رمزية تقبيل اليد وما تعنيه من تقديم الصغير الاحترام للكبير، ومهما بدا المشهد عاطفياً وباراً ودافعاً على رقرقة العيون، فإن شيئاً ما يظل عصياً على الانسجام مع الكرامة الإنسانية في المشهد الذي يقبّل به شخص يد شخص آخر أياً كانت صفته.

العادة لا بد أن تبدأ من الطفولة

السؤال ليس هل إبداء الاحترام لا يحدث إلا مع قبلة اليد والانحناءة التي تذكرنا بالوقوف بين يدي السلطان، السؤال الأحدث هل هذا الفعل لم يزل مقبولاً عند الجيل الأصغر، وكيف ستعبر هذه العادة إلى الزمن الجديد؟  
يقول أسيد، 43 عاماً، أب لثلاثة أطفال إنه حريص على تمرير هذه العادة لأبنائه: "لا أقبّل يد أبي في العيد فحسب، بل في كل مناسبة سعيدة أو حزينة خاصّة أو عامة، في الأعياد وفي أيام الجمعة بعد الصلاة، وحتى حين يزورني في منزلي أقبّل يده على الباب فور أن يضع يده في يدي مصافحاً، وأحرص أن يفعل أطفالي مثلي في كل مرّة وأن يتعلموا توجيب الكبير وإجلاله.
أمّا أمي فأقبّل يدها ورأسها في كل مرة أدخل عليها وفي كل مرة أودعها، لمّا تحكيلي "الله يرضي عليك يمّا" أشعر بأنني ملكت الدنيا والآخرة". 

كان هذا أسيد، الذي يعمل موظفاً في احدى شركات التأمين، والذي يصف نفسه بأنه منفتح بعض الشيء، والقبلة المقصودة هنا هي الثلاثية، أي تكرار عملية تقبيل اليد ووضعها على الجبين ثلاث مرات.

وكأنما جاء من عالم مختلف يتذكر أسامة، 56 عاماً، هذه العادة في العيد بالقصة التالية: "كان أبي شيوعياً ستالينياً، في أحد الأعياد وعمري سبع سنوات على ما أظن، شاهدني وأنا أقبّل يد جدتي لأمّي، كنت فخوراً ومزهواً بنفسي وأنا أنتظر العيدية، ناداني بصرامته المعتادة، ثم صفعني صفعة قوية وصرخ بي ألاّ أقبل يد أي شخص كائناً من كان، لأن هذا فعل ذل، والمذلول ليس له الحق بإبداء الاحترام من عدمه".

لم تزل كلمات أبي ترن في أذني، أو أنها أذني التي كانت ترن من حماوة الكف، لكنني لم أزل أشمئز كلما شاهدت شخصاً يقبّل يد آخر. طبعاً من نافل القول أن العبرة كانت لتصل دون صفعة، لكنه كما قلت كان ستالينياً.
يقول الطبيب النفسي محمد الصالحي: "الأطفال يتعلمون بطريقتين، إمّا بالتعليم الاجتماعي القائم على الملاحظة والمراقبة (أي التقليد) وهي نظرية باندورا، أو بالمكافأة والعقاب وهي نظرية الإشراط الإجرائي لسكينر. أي إذا رأى الطفل أن كل من يقبّل يد الأم أو الأب أو الجد يحصل على نقود سيفعل ذلك للحصول على مكافأته، بعد عيدين أو ثلاثة سيتوقف عن التقليد وسيبدأ بفعل هذا الأمر من تلقاء نفسه. فقد ارتبط فعل تقبيل اليد لديه بالمال، والمال يعني المكافأة، حتى لو لم يفهم الطفل رمزية تقبيل اليد حينها، لكنه في الوقت الذي سيبدأ بفهمها سيكون قد اعتاد الأمر. 

لم تزل كلمات أبي ترن في أذني، أو أنها أذني التي كانت ترن من حماوة الكف، لكنني لم أزل أشمئز كلما شاهدت شخصاً يقبّل يد آخر. طبعاً من نافل القول أن العبرة كانت لتصل دون صفعة، لكنه كما قلت كان ستالينياً

عند العرب: خنوعاً أو هلوعاً

يقول المثل العربي: "الإيد اللي ما بتقدر عليها بوسها وادعي عليها بالكسر" والمقصود غالباً ليس يد الأم أو الأب، بل يد المتحكم بحياتك، كالوالي والمختار والإقطاعي في فترة نشوء المثل، أمّا في أيّامنا هذه فقد تكون اليد المقصودة هي يد الرئيس أو شرطي السير أو المدير أو الموظفة الحكومية خلف الشباك. وربما تكون يد الفنان المقرّب من السلطة وراعي التشوه البصري في المدينة، الذي نقول في أنفسنا "الله يكسر إيدك" في كل مرة نرى منحوتاته ونحن نسير بجانب تمثال الرئيس. 
لكن إذا عدنا إلى الوراء قليلاً، ألف عام أو أكثر بقليل، سنكتشف مما وصلنا أن تقبيل اليد لم يكن فعلاً يبعث على الاحترام عند العرب، ولم يكن منسجماً مع ما يعرّف العربي به نفسه من أنفة وزهو، وفي الكتب قصتان تؤديان لهذا المعنى.
الأولى أموية لهشام بن عبدالملك، حين دخل عليه رجل وقبّل يده لتقديم البيعة، فقال عنه: "أف له إن العرب ما قبلت الأيدي إلا هلوعاً، ولا فعلته العجم إلا خضوعاً".
والثانية نقلت عن المأمون حين حاول أحدهم تقبيل يديه، فسحبها قائلاً: "إن قبلة اليد من المسلم ذلة ومن الذمي خديعة، ولا حاجة بك أن تذل ولا بنا أن نخدع".

ثم اختلف الفقهاء

أمّا دينياً فقد اختلف الفقهاء كعادتهم في أمر قبلة اليد، فالأغلبية قالت باستحباب تقبيل يد الأم والأب والجد والجدة والصالحين وأهل الدين والعلماء، والمقصود هنا علماء الدين حصراً.
بينما يرى آخرون أنها غير مستحبة. ابن باز الذي فضّل عنها المصافحة وقبلة بين العينين، وبرغم الروايات التي قالت بأن الصحابة قبّلوا يد الرسول، لكنه هو وسواه يقولون بعدم جواز القياس على النبي. بينما ذهب بعض العلماء إلى تحريمها ووصفها بالبدعة، ولعل هذا السبب المباشر في جملة "أستغفر الله" التعففية اللاحقة لفعل تقبيل اليد.
لكن حين توفي قبّلت وجنتيه ويديه وأنا أودعه، ثم نزلت وقبلت قدميه وبللتهما بالبكاء. كان هذا حباً واحتراماً ولم يكن من باب الخضوع للعادات.

حكم كالسابق يضع العادات والتقاليد في صدام مباشر مع الدين، وهو أمر لا يراه المتابع كثيراً في حياته، لكن يبدو أن الأغلبية ارتأت أن تأخذ بفتوى التحليل ووصفه بالفعل المستحب.
تقول أماني: "لا أؤمن بهذه العادة، ولست ممن يرفضون كل الثقافة العربية، بل على العكس أنا من محبيها، لكن الإعجاب بالشيء لا يعني أن تأخذه بكليته، لم أقبّل يد جدتي في حياتها على الرغم من أن أبي كان يرغب بذلك، كان واضحاً من عينيه في كل مرة أنشق عن إجماع الأحفاد وأقبّل خديها، لم تمانع هي، كذلك لم أقبّل يد أبي في العيد كعادة عائلتي وإخوتي. أعتقد أنه كان يرغب بذلك ولو لمرة، كنت أيضاً أفضل تقبيل خديه على حرج، فعلاقتي بأبي كانت أقرب إلى الرسمية،".

يبدو أنّ قبلة اليد بين الصغير والكبير وليس بين الحاكم والمحكوم شائعة في الشرق عموماً وليس عند العرب فحسب، فهي موجودة في الصين وفي إيران وفي تركيا وفي المنطقة الهندوآسيوية،  هي على الأغلب واحدة من تلك العادات التي يمكن تسميتها بالـ"جميلة وغير الجميلة في آن واحد" والتي لا يمكن إدانتها بالمطلق أو تأييدها بالمطلق من قبل أي منظور، لا الديني ولا التقدمي ولا الاجتماعي، الأفضل القول هي متروكة بالكامل لتقدير اللحظة ولحكم الحب بين  أفراد العائلة. 

Website by WhiteBeard