"هنا الأهواز، دار الإذاعة الإيرانية"... المحطة التي جمعت العرب قبل سبعة عقود

الأربعاء 20 يوليو 202204:46 م

لم تكن زيارة محمد رضا بَهلوي،  آخر شاهات إيران، إلى الأردن عام 1959، ولقاؤه بالحسين بن طلال زيارة سياسية فقط، بل اتفقت إيران خلال هذه الزيارة على الاستعانة بمذيعين أردنيين للعمل في إذاعة الأهواز. حدث ذلك بعد مرور ثلاث سنوات على تدشين هذه الإذاعة وعندما كان يجري العمل على زيادة قوة إرسالها من كيلوواط واحد إلى 50، ثم إلى 100KW فأكثر، إيماناً من القيادة الإيرانية بالدور المهم للراديو لدى شعوب المنطقة. وجاء تعزيز قطاع العمل الإذاعي الإيراني الموجه للدول العربية، كإذاعة طهران العربية وإذاعة الأهواز العربية ترويجاً لسياسة إيران الخارجية.

عمل مذيعون لبنانيون وفلسطينيون وأردنيون وعراقيون في إذاعة الأهواز، المنطقة العربية المتاخمة للعراق ودول الخليج، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أبرزهم: حسن عيد وعبدالله بَزّي وإميل حداد وإحسان علم وسهيل خوري وعلي أسعد وسلوى أبو سعود ولطيفة وإبراهيم شاهزاده.

مستمعون من أنحاء العالم والعنصرية الإيرانية

ترأس شاهزاده  وهو أحد أعمدة الإعلام الأردني، قسم إنتاج البرامج الخبرية وغيرها في إذاعة الأهواز، وبقي هناك لأربع سنوات حتى تطور العمل ليصل صوت الأهواز إلى أقصى بقاع العالم، بعدما طلب شاهزاده من المستمعين أن يزودوا الإذاعة ما إذا كان صوت الأهواز يصلهم أم لا. فتوالت الاتصالات من الدول الخليجية والعربية وحتى أمريكا وأوروبا وأستراليا، حسب قول ناصر عِچرِشَاوي أحد مذيعي الأهواز آنذاك.

"هنا الأهواز، دار الإذاعة الإيرانية"؛ هكذا كانت كلمة افتتاح برامج إذاعة الأهواز، ثم تحولت كلمة الافتتاح إلى "هنا الأهواز، إذاعة الخليج الفارسي" وكان الإصرار على نطق كلمة الخليج الفارسي

ويقول شاهزاده في كتابه "من دفتر الذاكرة" أنه بعد تدخل الجيش المصري في حرب اليمن عام 1962، قررت إيران زيادة ساعات البث لتبيين موقفها للعرب، فباتت الإذاعة بحاجة للمزيد من المذيعين، وبدأ التركيز على قبول المذيعين غير المسلمين، ظناً من مسؤولي الإذاعة  أن "مسيحيي المشرق العربي وشراكسته لا ينتمون إلى أمتهم العربية، غافلين عن ولائهم لأوطانهم وعروبتهم". ويعلل شاهزادة إصرار النظام الإيراني على توظيف مذيعين غير مسلمين إلى كرهه (أي النظام الإيراني) للعرب.

وحول اختياره كموفد أردني إلى إيران يقول شاهزاده في تصريح تلفزيوني: "كان الخيار من إيران ولربما کان بسبب اسمي، ظناً منهم بأنني إیرانی أو فارسي، واستمروا بهذا الظن مع أنني لست من إیران، بل أصول والدي من شمال الهند ووالدتي أردنية". كما اعتبر سنوات تواجده في إذاعة الأهواز مهمة، وقد غيرت مجرى حياته وأنه بعد ذلك دخل إذاعة بي بي سي، ومن بعد سنوات أصبح مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية.

عرب الأهواز بين إمارة مستقلة والتفريغ

بعدما أطاح رضا شاه، مؤسس الحكم البهلوي في إيران (1925–1979) بالحكم القاجاري وأيضاً الحكم الذاتي للإمارات داخل إيران التي كان يطلق عليها مصطلح "الممالك المحروسة" في عهد الصفويين والقاجاريين، ومن ضمنها إمارة العرب بزعامة الشيخ خزعل بن جابر الكعبي في الأهواز أو عربستان (جنوب غربي البلاد)، وعزمه على بناء الدولة الحديثة الإيرانية، عمل رضا شاه على تفريغ المنطقة من القبائل العربية وحرمانها من أبسط مقومات الحياة الكريمة، ومنع التحدث باللغة العربية في الأماكن العامة داخل الإقليم، كما أجبر المواطنين على التخلي عن زيّهم ولغتهم وثقافتهم العربية إذا ما أرادوا العمل في دوائر الحكومة، كما اقتصرت المناهج المدرسية على اللغة الفارسية فقط، وثمة إجراءات أخرى نفذتها الدولة الشوفينية حتى سقوطها وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية.

كانت الإذاعة العربية في الأهواز خطوة تكتيكية من قبل الدولة لتبرير عدم اهتمامها بمواطنيها العرب

فكانت الإذاعة العربية في الأهواز خطوة تكتيكية من قبل الدولة لتبرير عدم اهتمامها بمواطنيها العرب، إضافة إلى الاستفادة من موقعها العربي لتكون صوت إيران الموجه للشعوب العربية.

"هنا الأهواز، دار الإذاعة الإيرانية"؛ هكذا كانت كلمة افتتاح برامج إذاعة الأهواز، ثم تحولت كلمة الافتتاح إلى "هنا الأهواز، إذاعة الخليج الفارسي"، كما أن ساعات البث وصلت إلى ست ساعات، من السادسة مساءً حتى منتصف الليل.

ثوار الأهواز وصوت العرب

ويتحدث شاهزاده عن تواصلاته مع الثوار العرب ضد النظام البهلوي في الستينيات، قائلاً: "تعاطفت مع قضيتهم. ساعدت في تمرير معلومات لبرنامج إذاعي يقدمه عبد الهادي البكار من إذاعة صوت العرب في القاهرة وكان يتناول فيه أطماع إيران التوسعية". وفي عام 1962 اضطر شاهزاده لمغادرة إيران بعد التحقيق معه من مكتب المخابرات في إيران (السافاك) إثر شكوكهم في مساعدته معارضي النظام البهلوي من العرب.

يسرد لنا مصطفى فردوسي الموظف في هيئة الإذاعة والتلفزيون تفاصيلَ جدول البث الإذاعي في الأهواز شارحاً أنه كانت هناك ساعة أو ساعتان مخصصتان للمواطنين الأهوازيين، ثم ما كان يتبقى من مدة البث فهو موجه للخارج ويتضمن برامج إخبارية وسياسية واقتصادية.

وكانت الأخبار ونصوص البرامج تأتي من العاصمة طهران مع الرقابة على العمل، فتتلخص مهمة موظفي إذاعة الأهواز المحليين والدوليين منهم بترجمتها وبثها فقط، حسب قول حسين چُوبِين أحد المترجمين الإيرانيين آنذاك.

دولة علمانية وإعلام طائفي

مسرحيات شعبية وأغان عربية وأيضاً ما يطلبه المستمعون، إضافة إلى الأخبار والبرامج السياسية والاقتصادية والدينية، كانت من أبرز نشاطات إذاعة الأهواز التي كانت تستقبل اتصالاتها الدولية من العراق ولبنان والأردن وغيرها من الدول العربية، كما ذكر لنا جبار حنون سعيداوي من طاقم الراديو.

وساهم شعراء من الأهواز في نهضة الإذاعة، ومنهم عباس الحَزبَاوي، وعَلوان الخَميسي، وأبو سمير الجيزاني، بأشعار شعبية (عامية) وفصيحة، حيث أن الأدب الشفوي هو ما كان متداولاً بين المواطنين العرب الأهوازيين.


ويحدثنا موظف الإذاعة محمد رضازاده، أن شيعة السعودية ودول الخليج كانوا يستمعون لنقل أحداث عاشوراء وشهر محرم عبر برامج أثير الأهواز، حيث كانت مراثي المنشد الأهوازي سالم الصافي، مشهورةً لدى أتباع المذهب الشيعي في كل مكان.

"عندما هاجرنا من العراق في بداية السبعينيات، ذهبت إلى الأهواز، وبدأت العمل في إذاعة الأهواز. كنا نذيع هذه الأدعية [دعاء كُمَيل، ودعاء أبو حمزة الثُّمالي، ودعاء الجوشن]، حيث كان لها أثر كبير في نفوس المسلمين السنة والشيعة، وكانت تصلنا رسائل من مختلف العالم الإسلامي معبرين فيها عن إعجابهم بهذه الأدعية التي تدعو إلى توحيد الله تعالى وتنزيهه"؛ هكذا يقول رجل الدين العراقي البارز باقر المقدسي.

وحظيت محطة الأهواز باهتمام بالغ من القيادات العليا، فكان قد زارها أبرز الشخصيات ومنها شقيق محمد رضا شاه ملك إيران، وأمير عباس هويدا رئيس الوزراء في زمن الحكم الملكي وبعد انتصار الثورة أيضاً زارها آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى، والذي كان يتقلد منصب رئاسة الجمهورية آنذاك، حسب المعلومات التي زودنا بها الموظفون. مما يدل على مكانة المحطة في أروقة السياسة الخارجية الإيرانية حتى بعد تغيير النظام الإيراني.

الأسرى العراقييون واعترافاتهم

استمر دور محطة الأهواز الخارجي، فلعبت دوراً بارزاً ضد النظام البعثي العراقي، وكانت بمثابة منبر يخاطب العراقيين الشيعة عن النظام الجديد الإيراني [الثورة الإسلامية].

أدت المحطة دوراً جلياً أثناء الحرب العراقية الإيرانية عبر تسجيل وبث لقاءات مع الأسرى العراقيين، فما كان للأسر العراقية إلا متابعة الإذاعة كي تتسنى لهم معرفة مصير الجنود الذين لم يعلن إعلام الدولة العراقية عنهم

ويقول المترجم الإيراني حسين چوبين في ذكرياته التي بثتها الإذاعة وحصلنا على نسختها الأرشيفية إنه بعد لقاء ياسر عرفات بآية الله الخميني في أول أيام انتصار الثورة وبعد إعلان تأييد الأخير للنضال الفلسطيني، بُثّت كلمة نيابة عن الخميني تتضمن: "اسمعوا يا عالم، إيران كلها ستذهب لتحرير القدس، يا قوات، يا طائرات، يا دبابات، استعداد، استعداد لتحرير فلسطين"، ولم تمض سوى 24 ساعة حتى امتلأت نشرات أخبار الكويت والعراق ومصر وأبوظبي وباقي الدول، بعاجل يخبر عن هجوم إيراني على إسرائيل، ما حدث ضجة دولية و"تسبب باستدعائي من قبل المعنيين في طهران ومعاقبتي على سلوكي غير المهني"، وفق قوله. هذه المعلومة تدل على المكانة التي حظيت بها المحطة لدى الإعلام العربي لنقل آخر مستجدات إيران.

كما أدت المحطة دوراً جلياً أثناء الحرب العراقية الإيرانية عبر تسجيل وبث لقاءات مع الأسرى العراقيين، فما كان للأسر العراقية إلا متابعة الإذاعة كي تتسنى لهم معرفة مصير الجنود الذين لم يعلن إعلام الدولة العراقية عنهم. فامتلاك إذاعة الأهواز معلومات حصرية من جنود عراقيين وبثها، زاد من شعبيتها لدى شعوب المنطقة التي كانت تنتظر بفائق الصبر المزيد عن مستجدات الحرب التي دامت لثماني سنوات في ثمانينيات القرن المنصرم.

وبعد ذلك استمرت إذاعة الأهواز ببث برامج محلية وانصبّ اهتمامها على الشؤون الأدبية والدينية والاجتماعية أكثر من قبل، كما تقلّصت مدة بثها الخارجي لتصل عدد ساعاته إلى نحو ساعتين يومياً بعد 65 عاماً من العمل الدئوب، أما كلمة الافتتاح فتحولت إلى "هنا الأهواز مركز خوزستان صوت الجمهورية الإسلامية في إيران".  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard