بدأو بتجارة مزدهرة وعوقبوا من أجل "المشروبات المحرَّمة"... سيرة الأرمن في الأهواز

الاثنين 10 يناير 202212:25 م

في رحلتي إلي الأهواز، جنوب غرب إيران، کنت على موعد مع صديق في معهد فني أسسه مؤخراً في مکان مستأجَر. عندما وصلت هناك، تفاجأت بالعمارة القديمة للمعهد حتى أن التحديق في البناية التاريخية أنساني إلقاء التحية، حيث کانت هناك ساحة کبيرة تقع في أحد أطرافها بناية مرتفعة، وفي الطرف الآخر بناية أخرى تعکس نمط البناء والمعمار التاريخي في الأهواز. وکان للبناية شرفتان کبيرتان ذاتا أعمدة متتالية، وخلفها غرف صغيرة غُطيت جدرانها بالآجرّ المستخدم بطريقة هندسية جميلة، وتمتد إلى الأمام الشرفاتُ التي فقدت بعض أجزائها على مرّ الزمن.

تساءلتُ مندهشة أين هنا؟ وما هذا؟ ثم عرفتُ أن ذلك المکان كان مدرسة للأرمن في الأهواز تسمى "مدرسة رافي" (رافي هو اسم مستعار للکاتب الأرمني الملقب بأب الرواية التاريخية الأرمنية) للمرحلة الابتدائية، و"مدرسة کارون للثانوية"، ومدرسة "رافي وكارون" كانت المدرسة الوحيدة لأتباع الديانات في الأهواز، ويعود تأسيسها إلى منتصف العقد الرابع من القرن الماضي. يذكر أن "كارون" هو اسم النهر الكبير الذي يجري في الأهواز ويمتد إلى مدن أخرى.

وتم تأسيس المدرسة بعد أن تبرعت عام 1941 سيدة أرمنية (ومرقدها يوجد اليوم في المدرسة) بالأرض إلى الکنيسة، وقام طبيب الأسنان الأهوازي، جورج ميرزائيان، بتشييد المدرسة فيها.


في مدرسة "رافي وكارون"

عظمة تلك البناية وبهاؤها إن دلّ على شيء فإنه على العدد الکبير للأرمن في الأهواز آنذاك؛ الأرمن الذين تقلص عددهم في ما بعد حيث لا يتجاوز اليوم 15 شخصاً، والسؤال هو: لماذا تُؤجر بناية مثل هذه لتكون معهداً تعليمياً، ولم توثَّق في قائمة معالم التراث الثقافي للمدينة؟

سيرة الأرمن الأهوازيين والهجرة إلى الأهواز

تهجير "ثلاثة آلاف أسرة أرمنية من مدينة جُلفا في أذربيجان -شمال شرق إيران- إلى أصفهان في عهد شاه عباس الصفوي"، وفقاً لكتاب "تاريخ إيران في العصر الصفوي"، الصادر عن جامعة کمبريج، أدى إلى استقرار جماعات سکانية أرمنية في قرى ومدن محافظة خوزستان (ومركزها اليوم هو مدينة الأهواز).

کان الأرمن يستحوذون على بعض المهن في الأهواز منها طلاء السيارات وتصليح الأجهزة الکهربائية وبيع المنتجات الغذائية واستيراد الکحول

وبعد اکتشاف النفط وازدهار المنطقة بدأت موجة الهجرة إلى محافظة خوزستان، وجاء الأرمن ضمن هذه الموجة، حيث کان يقصد الشباب الأرمنيون فيها الأهوازَ ومسجد سليمان وعبادان والمحمرة (خُرَّمشَهر) ومدناً نفطية أخرى بعد تخرجهم أو حصولهم على دبلوم من جامعات الهند.

وبسبب تمرکز رؤوس الأموال في الأهواز آنذاك بدأ جزء من الأرمن من أصحاب الحرف والمهن بتطوير أعمالهم وترکيزها في جنوب غرب إيران.

يقول الأرمني جورج سرکيسيان الذي لا يزال يقيم في الأهواز في حديث لنا: "نحن کنا من أرمن طهران، وذات مرة کان لعمي الموسيقار عرض موسيقي في الأهواز، وعندما شاهد مستوى الحياة فيها ولمس تفوقها على طهران، اقترح على الأسرة الهجرة إلى الأهواز. کان لأبي ورشة لصنع الأحذية إذ دشن شرکة (هوليود) بعد مجيئه إلى الأهواز، حيث أصبح أحد أشهر العلامات التجارية للأحذية".


محل "هوليود" للأحذية في الأهواز

بحسب جورج کان الأرمن يستحوذون على بعض المهن في الأهواز منها طلاء السيارات وتصليح الأجهزة الکهربائية وبيع المنتجات الغذائية واستيراد الکحول، وأضاف أن البعض کان يذهب من هنا إلى الکويت ودول عربية أخرى للعمل.


احتفال بكريسماس في مدرسة رافي في الأهواز

ويحدثنا عن أيام الطفولة قائلاً: "في الشارع الذي عشت طفولتي کان هناك 16 أسرة أرمنية تتعايش مع الآخرين. لم يکن هناك فرق بينهم حتى إن ذهابنا إلى مدرسة مختلفة لم يلفت انتباهنا إلى الاختلاف، حيث کنا نلعب معاً في الشارع بعد عودتنا من المدرسة".

ودرس وتعلم جورج في مدرسة رافي وکارون في الأهواز، حيث يستذکر الميني‌باصات الملونة التي کانت تقل مئات الطلاب الأرمنيين والأشوريين والکلدانيين من وإلى المدرسة قائلاً: "جاء ذات مرة بابا نويل بسيارة (جيان) إلى المدرسة ورمى بالشوکولا والحلوى على الطلاب المکتضة بهم الساحة من أعلى السطح. کان بهو المدرسة کنيسة ثم تحول جزء منه إلى صالة اجتماعات ومسرح، حيث کان يستضيف فقرات وبرامج منوعة، ولکن الآن ساءت الظروف وأصبح أرمن الأهواز جزءاً من التأريخ ولم يتبق منهم سوى الذکريات".

بدء الهجرة من الأهواز

مع بدء الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، صادر الثوريون معظم أموال الأرمن، بالأخص أولئك الذين کانوا يعملون في الكحول أو "المشروبات المحرمة". وبعد الثورة بدأت الحرب الإيرانية -العراقية عام 1980، وتغيرت الترکيبة السکانية في المحافظة، حيث هاجر الأرمن إلى المحافظات المرکزية کغيرهم من المواطنين. وخلت المناطق الأرمنية في الأهواز من سکانها وانطفأت الأضواء في الکنائس الثلاث في الأهواز، لکن المدرسة بقيت تعمل إثر جهود کبيرة حتى أغلقت مطلع القرن الجاري بعد أن بات يرتادها 15 طالباً فقط.


كنيسة مسروب في الأهواز؛ شيدت عام 1968

وبسبب الحرب، غادر جورج وأسرته إلى إصفهان آملين بالعودة بعد انتهاء الحرب، غير أنه مع استمرارها لسنوات عدة تبدد أملهم، وغادروا إلى طهران، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريکية.

كان جورج يجيد الکتابة والقراءة بالأرمنية لأنه درس وتعلم في مدرسة رافي وکارون الأرمنية، ولکنه قلق حيال أبنائه لجهلهم الکتابة بالأرمنية، وعبّر لنا عن هذا القلق قائلاً: "معظم الأرمن الإيرانيين في أمريکا يغضون النظر عن تعليم أطفالهم اللغة الأرمنية بسبب التکاليف الباهظة، وفي المنطقة التي نسکنها في أمريکا لا توجد مدرسة أرمنية سوى المدرسة الأرمنية البيروتية، وهي مدرسة باهظة الثمن، ورغم ذلك کان بعض الإيرانيين يسجلون أبناءهم في تلك المدرسة، ونحن کنا منهم. والآن يتحدث أبنائي الأرمنية بلهجتها البيروتية".

طمس التاريخ الأرمني في الأهواز

أصبحت مدرسة "رافي وکارون" والکنيسة المجاورة لها أي کنيسة "سوروب مسروب" المؤسسة 1968 على يد رجل کان يسمي "ترداد دافيديان" مهجورتين، وقد تم نهب الکثير من ممتلکاتهما.

يقول الناشط الثقافي في الأهواز، مجتبى كَهِستوني: "سرق کل ما في المدرسة حتى أسلاك الکهرباء المارة من داخل الجدران. نحن کنشطاء ثقافيين نعتقد أن نهْب ممتلکات الکنيسة تمّ لغاية تخريبها، ولکننا من خلال تسليط ضوء الإعلام على الموضوع حللنا دون ذلك. ثم اضطر مجلس الخلافة الأرمنية في إصفهان والجنوب إلى إعادة إعمار البناية بشکل سطحي. ظروف کنيسة شبانيکوي البروتستانية التي لا تزال مهجورة أفضل من الکنيسة الآشورية والکلدانية في الأهواز".

محافظة خوزستان ومرکزها الأهواز کانت على مرّ القرون وإلى قبل 40 عاماً بقعة تحتضن الأعراق والطوائف والثقافات، لكنها اليوم باتت المحافظة محلاً لإنتاج النفط وجمع الأموال، ومرکزاً عسکرياً، دون الاکتراث بشؤون الأقليات

"لم يعد هناك اليوم من الأرامنة والآشوريين والکلدانيين في المحافظة إلا عدد قليل في الأهواز وعبادان. کانت 60 أسرة أرمنية تسكن الأهواز حتى عام 2003، ولکن الآن لم يعد هناك إلا ثلاث أو أربع أسر لا يزيد عدد أفرادها على اثنين أو ثلاثة. قبل أربعة عقود کان يتواجد 2000 آشوري وکلداني في الأهواز، وقد تقلص عددهم إلى 15 أسرة اليوم، ولا يزيد عددهم على 50 شخصاً، ولکن کنيستهم مقارنة بنظيرتيها الآشورية والأرمنية أکثر نشاطاً وحيوية".

وأشار إلى أن کنيسة "سورب غارابت" في عبادان، وهي الوحيدة من بين عشرات الکنائس في محافظة خوزستان التي تم تسجيلها ضمن قائمة التراث الوطني.

كما أشار كهستوني إلى تجاهل الجهات المسؤولة عن شؤون الأرامنة وقال: "المجلس الخليفي للأرامنة في إصفهان والجنوب يريد أن تکون إصفهان مرکزاً لکل شيء، وبالتالي فهو لا يعطي أهمية للتراث الأرمني في خوزستان. أعتقد أنهم ينظرون إلى الأمور من منظور المصلحة الشخصية. صيانة التراث في خوزستان ستجعل الکثير من السيّاح يقصدونها".

عمل بعض النشطاء الثقافيين في الحكومة السابقة في إيران (حكومة حسن روحاني) لتوثيق وإعادة إعمار المعالم التاريخية في خوزستان کمقبرة الآشوريين والکلدانيين، ولکن جهودهم بقيت عقيمة بسبب تغيير الحکومة. وصيانة مدرسة رافي وکارون وترميمها کان من المشاريع الذي اجتمع عليها النشطاء في الأهواز، ولکنه توقف بعد بيع المجلس الخليفي المدرسةَ إلى شخص.

وقام جورج بالتعاون مع درنيك دانيليان، وهو أحد الأرمن المتبقين في الأهواز بإصلاح وترميم مقبرة الأرمن على نفقته الشخصية، وعن المدرسة ومصيرها يقول لنا: "کنت أتابع إجراءات توثيق المدرسة وتسجيلها ضمن قائمة التراث. المجلس الخليفي کان يريد بيعها، ولکن بعد أن أقنعته بأن هذا خطأ، حصلت على توکيل منه لمتابعة الأمر. بعد تقديمي طلب التوثيق إلى مسؤولي البلدية ودائرة الضرائب، قالوا يجب أن تمرّ خمس سنوات على الطلب، وفي حال لم تعلن دائرة التعليم والتربية رغبتها في امتلاك المدرسة سوف نواصل دراسة الطلب بيعاً کان أم توثيقاً. رغم کل ذلك علمنا ذات يوم أن المجلس الخليفي قام ببيع المدرسة بثمن بخس لا يصدّق أن تُباع به المدرسة إلا إذا کان هناك فساد في الصفقة".

يذکر أن محافظة خوزستان ومرکزها الأهواز کانت على مرّ القرون وإلى قبل 40 عاماً بقعة تحتضن الأعراق والطوائف والثقافات حيث کانوا يتعايشون فيها بسلام، لكنها اليوم باتت المحافظة محلاً لإنتاج النفط وجمع الأموال، ومرکزاً عسکرياً، دون الاکتراث بشؤون الأقليات. ودون شك، إن لم تتخذ إجراءات خاصة لتوثيق المعالم الأرمنية فسيفقد الأرمن نهائياً أمل العودة إلى مدينتهم وبالتالي سيصبح "أرمن الأهواز" من أساطير الأوليين الذي لا دليل يثبت وجودها على الأرض أصلاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard