"أخواتنا المقاتلات"... "مجاهدات" الثورة الجزائرية ومصائرهن

الأحد 3 يوليو 202210:09 ص

خلافاً للهبّات الوطنية التحررية في المنطقة المغاربية، شكّلت الثورة الجزائرية استثناءً جندرياً لافتاً. لم تكن ثورة رجال فقط، فقد كان الحضور النسائي فيها واضحاً، ليس فقط كمياً، بل من ناحية نوعية ورمزية جسّدتها جميلة بوحيرد، بوصفها الأيقونة المطلقة للنضال من أجل استقلال الجزائر عالمياً، وذلك بعد مسيرة نضالية وشخصية فريدة في مجتمع يهيمن عليه الذكور.

بوحيرد ليست الوحيدة. غيرها كثيرات ساهمن من مواقع مختلفة في الثورة، لوجستياً وعسكرياً، وأتين من منابت اجتماعية متنوعة. لكن هذه المشاركة النسائية الثورية بزخمها وتاريخها، تحوّلت مع الزمن، حالها حال قطاعات واسعة من مجتمع الثورة، إلى جزء من مجتمع دولة ما بعد الاستعمار الشمولية.

لذلك، تحاول المؤرخة الإنكليزية ناتاليا فينس العودة إلى تلك الحقبة لتقصي أخبارها ومصائر المشاركات فيها، في كتابها "أخواتنا المقاتلات: الأمة والذاكرة والجنس في الجزائر (1954-2012)" (مطبعة جامعة مانشستر، 2016).

من خلال مقابلات شخصية كانت قد أجرتها مع عدد من "مجاهدات الثورة الجزائرية" قبل سنوات، وتشكل المصدر الأساسي لهذا الكتاب، إلى جانب الأرشيفات والمصادر المكتوبة لتاريخ ما قبل الاستقلال وما بعده، تؤسس فينس سردها التاريخي على "المصادر الشفوية" خشية الوقوع في إعادة إنتاج الروايات السائدة لتاريخ الجزائر المستقلة، المليئة بالتحيزات السياسية، والصادرة أساساً عن الدولة وأجهزتها الأيديولوجية. لكنها في الوقت نفسه لا تضع فرضيات مسبقة، خشية الوقوع في القراءات السائدة والمكرسة حول أوضاع المرأة في الجزائر المستقلة، لذلك يكسر كتابها العديد من المسلمات والتصورات الشائعة.

فعلى الرغم من المشاركة النسائية الواسعة في الكفاح الجزائري من أجل الاستقلال، إلا أن التأريخ لهذه المشاركة يقتصر دائماً على رصد المساهمة المباشرة العسكرية، إذ تشير فريال لعلامي في دراستها "قضية مكانة المرأة في فترة الاستعمار في الجزائر" إلى أن إدراك الدور الأساسي للمرأة في النضال من أجل التحرر الوطني، يستوجب ضرورةً تبني نظرة أوسع، ونهجاً متجدداً: من خلال إعادة فحص النصوص (منشورات الأحزاب والمنظمات، وسائل الإعلام، الأغاني، الشعر وغيرها من المنتجات الثقافية) وإجراء استطلاعات شفوية لتحرير أصوات النساء والرجال الفاعلات والفاعلين في ذلك الوقت، لإحياء ما دفنه السرد التاريخي الرسمي والذاكرة الجماعية".

هذه الدعوة إلى إعادة فحص المصادر تنبع أساساً من أن البحث في مشاركة المرأة الجزائرية في مسيرة الاستقلال دائماً ما يتم على أساس النماذج الذكورية، ذلك أن التحليلات التاريخية مكرّسة بشكل أساسي للكفاح المسلح وتتناول التصنيفات المؤسسية وأدوات التعداد التقليدية.

فجميلة عمران، في دراستها "المرأة الجزائرية في الحرب" (1991) ، تستخدم ملف وزارة المجاهدين مع تراتبية قيمية سائدة ترتكز على تثمين العمل المسلح، باعتباره قيمة رجولية. لذلك تصل إلى نتيجة مفادها أن تمثيل النساء في الثورة وفقاً لهذه القيمة 3.1% فقط من إجمالي المجاهدين.

وكذلك الحال في قاموس السير الذاتية للمقاتلين القوميين الجزائريين (1926-1954) لبنيامين ستورا (1982)، إذ تحضر داخله ستة أسماء نسائية فقط. لذلك، تعتقد فريال لعلامي أن حركة إعادة قراءة المواد التي تم العمل عليها بالفعل وتوسيع الأساليب الكلاسيكية للعمل السياسي من خلال المنظمات والكفاح المسلح من شأنه أن يجعل من الممكن تقديم تفسير أفضل لما كان عليه الدور الفعال للمرأة من أجل استقلال الجزائر.

لا عودة إلى المطبخ

منذ مؤتمر جبهة التحرير الوطني في آب/ أغسطس 1956، والمعروف بـ"مؤتمر الصومام"، تبنت الجبهة بشكل رسمي استيعاب النساء داخل العمليات القتالية وروافدها، رغم سطوة التقاليد المحلية المحافظة جداً، والتي زادت محافظةً في مواجهة الاستعمار على نحو لاواعٍ أحياناً كنهج للتمسك بالهوية الوطنية والثقافية.

لذلك، كان موضوع انخراط النساء محرجاً على المستوى الاجتماعي، لكن وعي الجبهة السياسي في ذلك الوقت، مدفوعاً بخطها التقدمي، كان أقوى من الواقع السائد. من هنا، ربما كان السرد الاستعادي في كتاب ناتاليا فينس، والذي يسلط الضوء على وضع المقاتلين من الذكور والإناث على أنهم "إخوة وأخوات"، يهدف إلى إقامة علاقات وثيقة من المحتمل أن تكون مزعجة للمجتمع ولكنها مقبولة من الجمهور. حتى أن فينس منحت هذه العلاقة "الأخوية" مكانة هامة بأن جعلتها عنواناً للكتاب: "أخواتنا المقاتلات".

وعلى الرغم من حرجها، أدركت جبهة التحرير الوطني بسرعة أن موضوع مشاركة المرأة مفيد لدعايتها. بادئ ذي بدء، فإنه يجعل من الممكن إثبات شعبية النضال، عبر انخراط الجماهير، رجالاً ونساءً من أجل القضية العادلة. بالإضافة إلى ذلك، أثارت المحاكمات والانتهاكات والتعذيب التي تعرضت لها النساء صدى إعلامياً دولياً مدوياً وتعبئةً داخل صفوف المثقفين الفرنسيين. ولعل نموذج جميلة بوحيرد وحده قد نجح في تحويل وجهة نظر المئات من الشباب الفرنسيين والأوروبيين للتضامن مع القضية الجزائرية، كما يشير إلى ذلك المحامي جاك فرجيس في كتابه مع جورج أرنو "من أجل جميلة بوحيرد".

على الرغم من المشاركة النسائية الواسعة في الكفاح الجزائري من أجل الاستقلال، إلا أن التأريخ لهذه المشاركة يقتصر دائماً على رصد المساهمة المباشرة العسكرية، ما يتطلّب خطوات كثيرة "لإحياء ما دفنه السرد التاريخي الرسمي والذاكرة الجماعية"

وخلافاً للشائع، لم تعد "المجاهدات" الجزائريات من الجبهة إلى المطبخ بعد نهاية الثورة. تؤكد الشهادات التي جمعتها ناتاليا فينس هذا الأمر كاسرةً النظرة السائدة حوله، ذلك أن عشرات النساء اللواتي شاركن في الثورة من مواقع مختلفة واصلن العمل في المجال العام، مثل زهور ونيسي السياسية والكاتبة، والتي شغلت لاحقاً خططاً وزارية مختلفة وشاركت في تأسيس الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، وأدارت مجلة ''الجزائرية'' وشغلت منصب نائبة في البرلمان؛ وكذلك نفيسة حمود، الطبيبة والمقاتلة السابقة في جيش التحرير الوطني، التي شغلت مناصب وزارية إلى جانب رئاستها الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات وعملها في القطاع الصحي.

نفيسة حمود

ومنهنّ أيضاً مريم بلميهوب التي انضمت إلى جبهة التحرير الوطني في عام 1956، حتى تم القبض عليها في نيسان/ أبريل 1957، وأمضت خمس سنوات في السجن، ثم أطلق سراحها في تموز/ يوليو 1962، في إطار اتفاقيات إيفيان بين الحكومة الفرنسية والحكومة المؤقتة الجزائرية، ثم عادت بعد الاستقلال إلى العمل بعد انتخابها في المجلس التأسيسي للجزائر، حتى عام 1964، ثم عملت بالمحاماة وشغلت مواقع حتى عام 1992، عندما عُيّنت وزيرة مستشارة للشؤون القانونية والإدارية لرئيس الحكومة ثم عضوةً في مجلس الشيوخ عام 1997، وبدايةً من العام 2003، عملت كخبيرة في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التمييز ضد المرأة.

مريم بلميهوب

وتذهب أغلب الشهادات إلى أن السبب الأساسي لنجاح المجاهدات في الحفاظ على موقع متقدم داخل العمل العام، سواءً السياسي أو الاجتماعي، هو قوة الشرعية الثورية التي كانت ما تزال في ذلك الوقت متوهجةً ومؤثرة. لكن سبباً آخر يبدو في خلفية هذا الحضور النسائي، هو طبيعة السلطة الجديدة في الدولة المستقلة، إذ كان النظام الوليد يرفع شعارات تقدمية ولديه نزوع اشتراكي، خاصة خلال الفترة الأولى في عهد أحمد بن بلة، مع أن النزوع نحو الاشتراكية تواصل في عهد هواري بومدين ممزوجاً بطابع شمولي. وإلى ذلك الوقت، لم يكن الفكر المحافظ، لا سيما الديني، سائداً في الجزائر، كما في أغلب الدول العربية، في مقابل شيوع الأفكار التقدمية اليسارية والقومية.

لكن هذا الحضور النسائي النوعي في الجزائر المستقلة، بوصفه امتداداً لحضور النساء داخل جسم الثورة، كان على المستوى الكمي ضعيفاً، خاصةً في الجانب السياسي، إذ نجحت عشر نساء فقط في الصعود إلى المجلس الوطني التأسيسي عام 1962، أي 5.2% من مجموع النواب، مقابل امراتين في انتخابات عام 1964 (1.4%)، وعشر نساء في عام 1977 (3.4%)، وأربع فقط في عام 1982 (1.4%).

كان موضوع انخراط النساء في الثورة الجزائرية محرجاً على المستوى الاجتماعي، لكن وعي "جبهة التحرير الوطني" السياسي في ذلك الوقت، مدفوعاً بخطها التقدمي، كان أقوى من الواقع السائد

وتفسر الباحثة لويزا دريس آيت حمادوش، في دراسة نشرتها بعنوان "النساء في النظام السياسي الجزائري: بين الدمج الانتقائي والإقصاء المستهدف"، هذا "الإبعاد" بالعلاقة القائمة على التبادل السياسي بين الحكام والنساء. فخلال حرب التحرير الوطني، اهتم الخطاب السياسي للثورة في ذلك الوقت بتقدير التزام النساء في الكفاح من أجل الاستقلال. وكانت رعاية دور المرأة أكثر فائدة للسلطة لأن الحركة الوطنية كانت جزءاً من خط تقدمي وتعتمد على الدعم الدولي لقضيتها العادلة. ومع ذلك، لم تظهر أي امرأة في المخططات التنظيمية القيادية، ولا في الحكومات المؤقتة، فقد تم إبعادهنّ عن دوائر صنع القرار أثناء الحرب، وسرعان ما تضاءل ظهورهن ووزنهن.

استفاقة النسوية

عام 1959، نشر الطبيب والمناضل المارتينيكي، المساند للثورة الجزائرية، فرانتز فانون، كتابه "السنة الخامسة للثورة الجزائرية". وفي هذه المراجعة الثورية، طرح فانون ''أطروحة التحرر التلقائي للمرأة الجزائرية عند الاستقلال''. كان يعتقد أن الحرب الدائرة على نحو قاسٍ وبشع ستقوم آلياً بتدمير جميع الهياكل التقليدية، المادية والاجتماعية، الإقطاعية والاستعمارية والقيمية، وتالياً ستحرر نساء الجزائر نهائياً. كان فانون حينذاك أسيراً للزخم الثوري، والقراءة اليساروية التي تعتبر التاريخ يسير في خط مستقيم تقوده "الحتمية" إلى الأمام دائماً.

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت أفكار الصحوة الإسلاموية وأجواؤها قد جابت العالم العربي مشرقاً ومغرباً، وظهرت تأثيراتها واضحةً في جميع البلدان بدرجات مختلفة. في الجزائر، ومنذ منتصف السبعينيات، بدأ تيار إسلاموي يتشكل من روافد مختلفة، بعضها من داخل حزب جبهة التحرير الوطني. وبدأت الدولة من جانبها تحاول مواجهة هذا التيار من خلال المزايدة عليه في التشبث بالهوية الدينية والتقاليد الاجتماعية.

خلافاً للشائع، لم تَعُد "المجاهدات" الجزائريات من الجبهة إلى المطبخ بعد نهاية الثورة. تؤكد شهاداتنّ أن عشرات النساء اللواتي شاركن في الثورة من مواقع مختلفة واصلن العمل في المجال العام

وفي حزيران/ يونيو 1984، أصدرت السلطة قانوناً جديداً للأسرة، مثّلَ انعكاساً واضحاً لهذا المسار الجديد للدولة الجزائرية في سياق عام من شيوع أفكار الهوية على حساب تراثها التقدمي الثوري. شكل القانون الجديد تراجعاً عن الحقوق التي أقرها دستور عام 1976 الذي شجع على تحرير النساء، واستنكر الطريقة التي كان النظام الإقطاعي القديم يقيّد بها حقوقهن، وأشار إلى أن المساواة بين الجنسين وحرية التنقل مكفولة بموجب القانون، مقراً بدور الثورة الجزائرية في تمكين النساء لتحرير أنفسهن، وشدد على الجهود التي تبذلها الدولة لتحقيق هذه الغاية، في منح المرأة حقوقها السياسية، ومقاومة التفكير الرجعي، وتغيير نظام العدالة لصالح المرأة، كما اعتبر الإسلام قوة تحررية. لكن التحول الفكري والمجتمعي الذي عاشته الجزائر في ذلك الوقت دفع السلطة إلى الموافقة على تنازلات اعتبرتها ضرورية لصالح العناصر الأكثر تقليدية ورجعية في المجتمع.

في هذا السياق، سنشهد عودة قوية "لمجاهدات الثورة"، فقد كشفت شهاداتهن في كتاب "أخواتنا المقاتلات" أن خطوة الرئيس الشاذلي بن جديد بإصدار قانون الأسرة كانت محوريةً في حياة بعضهن، فقد خرجن من حالة التأييد أو الحياد تجاه السلطة، مستفيدات من شرعيتهن الثورية والنضالية للدفاع عن المكاسب التاريخية للمرأة الجزائرية وإيقاف قطار الردة المجتمعية.

وفي حين أن معظم هؤلاء النساء رفضن في السابق اعتبار أنفسهن نسويات، إلا أن قانون 1984 غيّر الوضع، وجعلهن يشعرن بنسويتهن بشكل أكثر عمقاً ووعياً، ذلك أن مفهوم النسوية لديهن كان ولعقود جزءاً في مفهوم الوطنية، فقد طغت مهام التحرر الوطني بشكل كبير خلال واحدة من أعنف الحروب الاستعمارية في القرن العشرين على المهام الديمقراطية على نحو فقدن معه الوعي بخصوصية نضالهن كنساء داخل النضالات الوطنية والاجتماعية.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard