93 شهراً من الفراغ منذ عام 2007... الأحزاب اللبنانية وفنّ التعطيل/ التدمير

الخميس 30 يونيو 202211:49 ص

لم يُطبّق اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، وبالأخص في الشق المتعلق بأصل نظامه السياسي الذي لا يزال قائماً على الطائفية، وهو الأمر الذي يسبب شللاً في الحياة السياسية، وأزمات تعلّقها، ومعها يخرج اللبنانيون من أزمة ليدخلوا بعدها في أزمة مشابهة.

هذا الواقع السياسي، جعل الفراغ على مستوى المؤسسات الدستورية في لبنان هو الأقوى، والأكثر قدرةً على الصمود. فراغ يعيش اللبنانيون تداعياته على مستوى حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، فيما أسئلة كثيرة تُطرح حول النظام وبقائه في ظل ما يُقدمه للأطراف السياسية من قدرة على العرقلة، تُضاف إلى قدرة هذه الأطراف الفردية والجماعية على ابتداع الأزمات تحت عناوين مختلفة.

صراعات تُنتج الفراغ

يقول الباحث في الدولية للمعلومات، محمد شمس الدين، إن "الفراغ، سواء بالتأخر في تشكيل الحكومات، أو في انتخاب رئيس الجمهورية، هو مسألة برزت في السنوات الأخيرة بشكل كبير، ولو أنه جدير بالذكر أنه في العام 1964، حصل أمر مماثل في ملف تشكيل الحكومات مع الرئيس رشيد كرامي، وفي العام 1973، مع الرئيس أمين الحافظ، وفي العام 1988 مع رئيس الجمهورية أمين الجميّل".

كان الفراغ سيدّ الموقف منذ ما قبل نهاية عهد الرئيس إميل لحود، الذي تم تجديد ولايته بتعديل دستوري بضغط من السوريين قبل خروجهم من لبنان عام 2005

يرى شمس الدين في حديثه إلى رصيف22، أنه في السنوات الأخيرة أصبح الفراغ الحكومي ظاهرةً تترك تداعيات كبيرةً على البلد، وتسبب شللاً في المؤسسات، وتعبّر عن الانقسام الكبير في الدولة اللبنانية.

كان الفراغ سيدّ الموقف منذ ما قبل نهاية عهد الرئيس إميل لحود، الذي تم تجديد ولايته بتعديل دستوري بضغط من السوريين قبل خروجهم من لبنان عام 2005، وهذا التجديد كان بمثابة الفراغ أيضاً كونه لا يجوز التجديد لرئيس الجمهورية بعد انتهاء ولايته المحددة بستّ سنوات.

بعد الانتخابات النيابية في حزيران/ يونيو 2005، شكَّل الرئيس فؤاد السنيورة حكومته الأولى في 19 تموز/ يوليو من العام نفسه، لكن هذه الحكومة دخلت إثر استقالة الوزراء الشيعة في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2006، بعد حرب تموز مع العدو الإسرائيلي، في مرحلة تصريف الأعمال حتى منتصف 2008، تخللها الاعتصام الشهير في وسط بيروت الذي قام به فريق 8 آذار للمطالبة بإسقاط الحكومة.

الفراغ على أنواعه

بعد نهاية ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق إميل لحود، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2007، وقع الفراغ في منصب الرئاسة الأولى، على وقع خلافات سياسية حادة بين فريقين عُرفا باسم 8 و14 آذار، واستمر الفراغ حتى 25 أيار/ مايو 2008، تاريخ انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بعد اتفاق سياسي عُقد بين القوى السياسية في الدوحة في قطر في 21 أيار/ مايو 2008، بعد أحداث 7 أيار/ مايو 2008.

6 أشهر من الفراغ كانت مجرّد البداية، إذ كان تشكيل الحكومات في تلك الحقبة يأخذ وقتاً ثميناً من عمر لبنان، فاحتاجت الحكومة الأولى في عهد ميشال سليمان إلى 4 أشهر ونصف لتُشكَّل برئاسة فؤاد السنيورة، وبعدها حكومة سعد الحريري احتاجت إلى 4 أشهر ونصف أيضاً بعد الانتخابات النيابية، وسقطت هذه الحكومة في 11 كانون الثاني/ يناير 2011، إذ أعلن وزراء 8 آذار العشرة استقالتهم من حكومة الحريري خلال زيارة رسمية له للولايات المتحدة ولقائه رئيسها آنذاك، باراك أوباما، بحجة عدم الاستجابة إلى مطلبهم في عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء لمواجهة المحكمة الدولية التي تنظر في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

بعد ذلك، كُلّف نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة واستغرق 5 أشهر لتشكيلها من ثم أعلن استقالة حكومته في آذار/ مارس 2013، بسبب خلاف داخل مجلس الوزراء على استحقاق الانتخابات النيابية وتعيينات أمنية، وبعدها 11 شهراً لتشكيل حكومة رأسها آنذاك تمام سلام، ما يعني أن 25 شهراً من ولاية ميشال سليمان المحددة بـ6 سنوات كانت عبارةً عن فراغ على مستوى السلطة التنفيذية، وتالياً منذ العام 2007 حتى العام 2014، شهد لبنان 31 شهراً من الفراغ على مستوى المؤسسات الدستورية.

لبنان في عهد ميشال عون، عاش 28 شهراً من الفراغ، تُضاف إليها 5 أشهر كي يقرر الدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار رئيس مكلف لتشكيل الحكومة، وطبعاً كُل ذلك من أجل توزيع الحصص كما يحلو "لهم"

بعد انتهاء ولاية ميشال سليمان، وقع لبنان في أطول فراغ رئاسي في تاريخه، فاستمر من 24 أيار/ مايو عام 2014، حتى 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، أي 29 شهراً، وبتالياً يُصبح الفراغ منذ العام 2007 حتى العام 2016، 60 شهراً كاملاً، أي 5 سنوات.

ويتمدد...

عبّر الفراغ على مستوى رئاسة الجمهورية عن حالة الهريان التي يُعاني منها النظام اللبناني، ففي تلك المرحلة كان عون مرشحاً مدعوماً من حزب الله لرئاسة الجمهورية، ولأن ظروف انتخابه لم تكن ناضجةً، لم يكن يؤمّن النصاب اللازم لانعقاد جلسات مجلس النواب المخصصة لانتخاب الرئيس، فكان يغيب عنها نواب حزب الله وبعض حلفائه، ونواب التيار الوطني الحر، ولم يُنتخب عون إلا بعد ولادة تسوية رئاسية بين الغريمين التاريخين في الشارع المسيحي، التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في ما عُرف بـ"أوعى خيّك"، للدلالة على حرصهما على بعضهما من منطلق كون الفريقين يُمثلان غالبيةً مسيحيةً، تُضاف إليها تسوية مع الطرف السنّي، رعاها الوزير السابق جبران باسيل مع قيادات تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري.

لم ينتهِ الفراغ بانتخاب عون، إذ عاد البلد إلى نغمة الفراغ على مستوى السلطة التنفيذية أي الحكومة، ففي عهد عون الذي ينتهي في 31 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، 4 حكومات، الأولى برئاسة الحريري احتاج تشكيلها إلى شهر ونصف، والثانية برئاسة سعد الحريري أيضاً واحتاج تشكيلها إلى 9 أشهر، من ثم وقعت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، التي أدت إلى خروج اللبنانيين للمطالبة بالتغيير، فاستقال الحريري الذي كان دخل قبل ذلك في خلافات سياسية عميقة مع شريكه في التسوية الرئاسية، أي رئيس الجمهورية وتياره السياسي، فامتدّ الفراغ الحكومي من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2020، أي 3 أشهر، نجح بعدها حسان دياب في تشكيل الحكومة.

لم يُنتخب عون إلا بعد ولادة تسوية رئاسية بين الغريمين التاريخين في الشارع المسيحي، التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في ما عُرف بـ"أوعى خيّك"

سقطت حكومة حسان دياب بعد انفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020، وهنا وقع الفراغ مجدداً لمدة 380 يوماً أي 12 شهراً ونصف، ليتمكن، بعد محاولة الحريري الفاشلة ومحاولة مصطفى أديب الفاشلة، نجيب ميقاتي من تشكيل حكومة أصبحت بحكم المستقيلة في أيار/ مايو 2022 إثر الانتخابات النيابية، ولا يزال لبنان تحت ظل حكومة تصريف الأعمال إذ لا يبدو أنه سيكون من السهل تشكيل حكومة جديدة قبل انتهاء ولاية عون.

ما سبق يعني أن لبنان في عهد عون، حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، عاش 28 شهراً من الفراغ، تُضاف إليها 5 أشهر من الفراغ أخذها عون للدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار رئيس مكلف لتشكيل الحكومة اللبنانية، ما يعني أنه منذ العام 2007 حتى اليوم، أي طوال 15 عاماً، وقع لبنان في الفراغ خلالها لمدة 93 شهراً، أي 7 سنوات و8 أشهر.

لبنان لم "يبلغ"

يرى الكاتب والمحلل السياسي ماهر الخطيب، أن "أي نظرة إلى النظام اللبناني، يجب أن تميز بين مرحلتين: قبل العام 2005 وبعده، نظراً إلى أنه في الفترة الأولى كانت هناك تسوية دولية وإقليمية سمحت بتولي الجانب السوري إدارة الملف بكل تفاصيله، بينما في الثانية، شهدت البلاد دخول عامل إضافي هو عودة القوى المسيحية إلى قلب المعادلة، بعد عودة عون من المنفى وخروج رئيس حزب ‘القوات اللبنانية’ سمير جعجع من السجن".

يضيف، وهو يفنّد المرحلتين، في الأولى، كان اللاعب السوري يلعب دوراً أساسياً في إنجاز الاستحقاقات الدستورية، الأمر الذي كان يتمثل في سرعة إنجازها، بينما في الثانية، ولأن القوى السياسية لم تصل إلى مرحلة النضوج والقدرة على اتخاذ القرارات داخلياً، بات من الضروري البحث دائماً عن التسويات، ذات الأبعاد الخارجية والمحلية، بالإضافة إلى التوازنات الطائفية. وتالياً بات من الممكن الحديث عن أن النظام، في الشق المتعلق بالاستحقاقات الدستورية، يقوم على معادلتين: التسويات والتوازنات الطائفية، والفراغ يحصل عندما لا تكون هناك تسوية كاملة المواصفات".

كان اللاعب السوري يلعب دوراً أساسياً في إنجاز الاستحقاقات الدستورية، بينما بعد خروجه من لبنان صارت القوى المحلية تبحث عن تسويات مرحلية مبنية على التوازنات الطائفية، في انتظار مؤشر خارجي، فصار التعطيل يجر التعطيل

يُشير الخطيب إلى أن أولى معالم التسويات، كانت عند التوافق على تسمية ميقاتي لتشكيل حكومته الأولى، التي تولت الإشراف على إجراء أول انتخابات نيابية من خارج الوصاية السورية، إذ كان عنوانها الأبرز التحالف الرباعي، قبل أن تقود حرب تموز 2006، إلى انهيار هذه التسوية، الأمر الذي قاد لاحقاً إلى انسحاب الوزراء الشيعية من حكومة فؤاد السنيورة، والاعتصامات في ساحة الشهداء ورياض الصلح من قبل أنصار قوى الثامن من آذار و"التيار الوطني الحر".

في ذلك الوقت، دخل معطى جديد على توازنات الحكومات، هو الميثاقية الطائفية، إذ كانت حكومة السنيورة توصف بأنها دستورية لكن غير ميثاقية، قبل أن تقود أحداث السابع من أيار/ مايو 2008 إلى تسوية الدوحة، التي قادت إلى التوافق على انتخاب سليمان رئيساً، لكن أبرز ما أنتجته التسوية كان الاعتراف بدور القوى السياسية في تسمية ممثليها في الحكومة، بالإضافة إلى إدخال مفهوم الثلث المعطل، الأمر الذي باتت معه عملية تأليف الحكومات تحتاج إلى أشهر طويلة أوقعت لبنان في الفراغ.

في الفترة الفاصلة عن الوصول إلى الفراغ الثاني على مستوى رئاسة الجمهورية، أي قبل انتهاء ولاية سليمان، كانت البلاد قد شهدت حالتين أكدتا على دور التسويات في إنجاز الاستحقاقات، هي تأجيل الانتخابات النيابية التي كان من المفترض أن تحصل في العام 2013 في مناسبتين، بسبب عدم التوافق على قانون الانتخاب الجديد، قبل أن تحصل من جديد بعد التسوية التي قادت إلى انتخاب عون، تحت معادلة جديدة عنوانها: "الأقوياء في طوائفهم".

هناك خطر هذه المرة ألا تكون الحكومة كاملة المواصفات لتتولى صلاحيات رئاسة الجمهورية في حال لم يتم انتخاب رئيس جديد ضمن المواعيد الدستورية

المستقبل قاتم 

يتحدث شمس الدين عن واقع لبنان اليوم، فيُشير إلى أننا نعيش في ظل حكومة تصريف أعمال، وعدم قدرة على إنتاج حكومة جديدة قبل انتهاء ولاية عون، وتالياً هناك خطر هذه المرة ألا تكون الحكومة كاملة المواصفات لتتولى صلاحيات رئاسة الجمهورية في حال لم يتم انتخاب رئيس جديد ضمن المواعيد الدستورية بحسب نص الفقرة الأولى من المادة 62 من الدستوري.

وتنص هذه المادة على أنه "في حال خلوّ سدة الرئاسة، لأي علة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً بمجلس الوزراء"، كما نصت المادة 74: "إذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو سبب ﺁخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون"، وهو الأمر المتوقع بحسب شمس الدين الذي يلفت إلى أن هذا الأمر في حال وصلنا إليه سيكون الفراغ أصعب.

من جهته، يرى الخطيب أنه بعد العام 2019، العنوان الأبرز كان سقوط التسوية التي قادت إلى انتخاب عون، نتيجة خروج الحريري من المعادلة السياسية اللبنانية، من دون أن تظهر معالم أي تسوية جديدة قادرة على إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، بالرغم من الرهانات المتكررة على إمكانية أن يحصل ذلك ربطاً بمجموعة من الاستحقاقات الخارجية، واليوم الأنظار تتجه إلى بعض تلك الاستحقاقات من أجل ترتيب تلك الأوضاع مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، أو الدخول في مرحلة فراغ جديدة على مستوى الرئاسة الأولى بعد نهاية ولاية عون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard