أصوات الآلهة والثيران المتمردة... حكايات صاخبة من "حارة الطبالين"

الأربعاء 29 يونيو 202206:15 م


ما من بيت إلا ويحمل أحد أفراده ذكرى مع طبلة مسحراتي أو مشهد عالق في الذاكرة لطبلة قراداتي، ونوادر وحكايات كثيرة يستدعونها في جلسات السمر مع أنواع الطبول المختلفة بيد أنه لا يوجد من بيننا من هو خبير بأسماء وأشكال ووظائف الطبول ولا تنوع أصواتها.

تقول الأسطورة السومرية، أن صوت طبل "بالاق" المُقدَّس، هو صوت ضربات الآلهة، وأن الإنصات والخشوع له فريضة.

في مجموعته القصصية "حارة الطبالين" الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، يقدم عبدالفتاح البلتاجي ملحمة كتابية تحتفي بمهنة الطبل والطبالين والرقاقين. تضم المجموعة 21 قصة قصيرة، من بينها إحدى عشر قصة فقط تدور حول الطبل المقدس ومهنة التطبيل، وتشرح بأسلوب أدبي -لا يخلو من الإسقاط- أنواع الطبل و"التطبيل" ووظائفه، في تضفير سردي.

تبدأ المجموعة بقصة مقتل سيدة الحارة وملكتها "سمرة"، فتخرج طبلة "البازة" وهي "نداء الله للعباد" كوسيلة إعلام بمواقيت الصلاة والسحور والإفطار، عن وظيفتها وتشي بالقاتل. لينكشف اللثام عن أن سيدة الحارة ماتت حين فقد الطبل المقدس إيقاعه المتفق عليه، واختلت ذبذبات القرع.

تذكر الأساطير العربية أن "لامك" أول من صنع الطبل والعود والدف، وتنسب لأخته "دلال" صناعة القيثارة "المعزف"، غير أن الدراسات التاريخية والأثرية تُجمع على أن كل الحضارات الإنسانية عرفت الطبل، ووُجدت الطبول قبل التوثيق التاريخي

متواليات سردية

رغم كونها مجموعة قصصية، إلا أن ترتيب القصص وتواليها يرسم صورة أكبر لطقوس "حارة الطبالين" إذ أن وحدة المكان والموضوع "الطبل المقدس" أكسب المجموعة القصصية بعض سمات الرواية التي تجعلها "متوالية قصصية"، وهو لو خاص من القصص القصيرة التي تجمعها وحدة في الشخصيات أو المكان.

تذكر الأساطير العربية أن "لامك" أول من صنع الطبل والعود والدف، وتنسب لأخته "دلال" صناعة القيثارة "المعزف"، غير أن الدراسات التاريخية والأثرية تُجمع على أن كل الحضارات الإنسانية عرفت الطبل، ووُجدت الطبول قبل التوثيق التاريخي.

وكانت الطبول أكثر تنوعاً في العصرين البابلي والآشوري، ولها منزلة مُقدَّسة عند السومريين والبابليين، فتذكر الكتابات المسمارية الأكادية أن الجلد المصنوع منه الطبل يجب أن يكون جلد ثور لم يُصب بأمراض ولم يعلُ رقبته نير، وعند ذبحه تقام طقوس دينية ومراسم وصلوات، ويرش بالماء المقدس، ثم يحرق قلب الثور ويجفف جلده ويُنشر، ويعالج بالدقيق الناعم والخمر والدهن والطيب، وبعد أسبوعين يُعاد الاحتفال، ويقرع الطبل للمرة الأولى في هيكل الآلهة، لكي تُرفع إليهم أصوات الناس متداخلة مع أصوات قرع الطبول، وهو هيكل ضخم من البرونز.

كان حُرَّاس الطبول يُنتقون بعناية ويتم تدريبهم وتأهيلهم لحراسة طبول الهياكل الدينية وبيوت الحكمة، لأن القرع على الطبول المحروسة تعبير عن هيبة الحاكمين وسيطرتهم على شعوبهم

خصص البابليون للطبل الكبير المقدس، حارساً لا يفارق الهيكل، يشترك في حرق قلب الثور، ويحتل مكانة كاهن عظيم. كان حُرَّاس الطبول يُنتقون بعناية ويتم تدريبهم وتأهيلهم لحراسة طبول الهياكل الدينية وبيوت الحكمة، لأن القرع على الطبول المحروسة تعبير عن هيبة الحاكمين وسيطرتهم على شعوبهم. ولقرع الطبول مناسبات مرتبطة بالمعتقدات والشؤون الاجتماعية والاحتفالات الموسمية. فالقرع في حالات المحاق والكسوف الكلي، غايته إثارة الحزن والنواح على القمر كمعبود مقدس.

عند الفراعنة

عرفت الحضارة المصرية القديمة الطبول المصنوعة من خشب السّدر، والطبل العملاق الذي بُنيت الأهرامات على إيقاعاته، حيث كوَّن الفراعنة فرقاً خاصة ذات وظائف وأدوار محددة، ترافق المشيِّدين والبنَّائين في عملهم، لاعتقادهم أن إيقاع صوت الطبول يحفِّز العقل والجسم ويحثُّهما على الإبداع. قرع الطبول كان يدرس في المعابد الفرعونية القديمة ويثير الشعور بالارتفاع نحو السمو والأعالي.

لكل حضارة طبولها، فلا يخلو التراث الشعبي من مرافقة الطبل للإنسان في شؤون حياته كإرهاب الحيوانات المُفترسة بإحداث الضجيج، لاتقاء شرّ بعض الظواهر الطبيعية، والتواصل عن بُعد وإقامة الطقوس.

تطوَّر الطبل شكلاً ودوراً ووظيفة مع الحفاظ على حضوره الدائم في شؤون الحياة. وحافظ على أشكاله البدائية وأدواره القديمة لدى بعض القبائل الإفريقية وفي أمريكا اللاتينية.

طبول عربية

تزدان المصادر العربية بأسماء كثيرة للطبل حسب وظيفته ومناسبة استعماله، مثل: الغز، طبل العيد، المسحّر، الحجيج ، المواكب، الملاحين، الجمَّال، المزاهر، الدهلة، الترمبيط، النقرزان، الدربكة، النقارية، البنجز، البازة، التمباني، الطبل البلدي، الدف، الرق وغيرها، ومن حيث الشكل فهناك المستدير الكبير والطويل، الأسطواني والنقَّارات والطبلة.

لكل بلد عربي طبوله المميزة فلكلورياً، ففي الإمارات، تشتهر أنواع طبول مثل "المسندو"، أكبر أنواع الطبول المحلية التقليدية، وهو إفريقي الأصل، وحجمه يقارب حجم البرميل الكبير. وطبل "الشوباني" وهو طويل مخروطي، يمكن حمله وممارسة الإيقاع عليه وقوفاً، يُستخدم في رقصة "الأنديما" الشعبية. وطبل "الكاسر" و"الرحماني"، ويشكلان ثنائي الطبول الأساسية في الإمارات، ويستخدمان في معظم الأنماط الموسيقية التقليدية والحديثة التي تُؤدَّى بمصاحبة آلات إيقاعية، وطبل "الرنَّة" من طبول البادية، كبير الحجم، ويُكسى من الجهتين بجلد الماعز، ويُشد بحبال من ألياف النخيل، ويُضرب بالكف، ونادراً ما يُضرب بالعصا، يستخدم لتعزيز صوت طبل "الرحماني".

وطبلة الكونغا، هي إسطوانة قليلة الاستدارة من الخشب والألياف الزجاجية. يُشد على قمتها غشاء من جلد الحيوان. ويعزف الموسيقيون بنقر الغشاء الجلدي بالأصابع والدق باليد. وعادةً، يعزف الموسيقي بطبلة الكونغا جالساً والطبلة بين ركبتيه، وقد ينقر عليها واقفاً. والآلة مثبتة على حامل ومعلَّقة بشريط على الكتف.

الطبل في الأدب

لم تغفل الحركة الأدبية عن مرافقة الطبل للإنسان منذ فجر الحضارات، رغم إعتبار البعض له سيء السمعة ومُرادف لإهدار الوقت، واللهو.

أنصفت الكاتبة الشيلية إيزابيل الليندي الطبول، فقالت بكتابها "الجزيرة تحت البحر": "الطبول تهزم الخوف، الطبول هي إرث أمي، إنها قوة غينيا التي في دمي. وعندما لا يجاريني أحد، أصير قوة خارقة".

وتكتسب طبول "آنساي" الصينية، شهرة عالمية حيث تحولت من طبول حرب لطبول فرح كانت في الأصل طبولاً للإنذار، وحشد القوة المعنوية للجنود وللتعبير عن الانتصار في المعارك، وتطوَرت لتصير آلة موسيقية.

وعودة لمجموعة عبد الفتاح البلتاجي فإن الكاتب أبدع في خلق طقس غرائبي يرتبط بالطبل المقدس وإيقاعه المنتظم، ممارساً إسقاطات كثيرة تجمع بين الفن والسياسة وتصهرهما معاً في جلد ثور مارق انشق عن إطار طبلته، حين قال: الثورات لا تأتي إلا بالفوضى وقطاع الطرق، نحن لا نثور من أجل الفوضى بل للحفاظ على هويتنا وجلدتنا. "كل طبول الحارة أمست تسبح في زفة كذابة، خانعين خائفين، ولم يعد أيّ منهم يعرف قيمة طبلته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard