شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
هل ستتأثر المطالَبة بحقّ الإجهاض عربياً بالقرار الأمريكي؟

هل ستتأثر المطالَبة بحقّ الإجهاض عربياً بالقرار الأمريكي؟

حياة

الأربعاء 29 يونيو 202212:25 ص

هذا المقال هو واحد من ثلاثة قامت رصيف22 بنشرها متزامنة على هامش قرار المحكمة الأمريكية العليا إلغاء الحق الدستوري للمرأة بالإجهاض، وهو القرار الذي ترك صداه في كل العالم. 


ضربة لنساء العالم الثالث أيضاً

الاستقواء بالولايات المتحدة هو الضربة القوية التي تلقتها المطالِبات بحق الإجهاض في العالم وليس في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، فنتيجة لقرار المحكمة العليا الأمريكية الذي عكس قراراً سبقه بخمسين عاماً لم يعد القانون الفيدرالي يحمي حق الإجهاض، وصار الأمر متروكاً لكل ولاية لتقرر أمرها بنفسها. 

 الآن صار بإمكان أي حكم شمولي أو ديني أو محافظ في العالم الثالث أن يرد على المُطالبات بحق المرأة في الإجهاض بالجملة التالية: "إذا في أميركا الإجهاض ممنوع، رح نسمحه عنّا؟"

عادت الولايات المتحدة بهذا القرار نصف قرن إلى الوراء، بينما جمّدت المرأة العربية مكانها حيث الزمن لم يتحرك بعد بهذا الاتجاه. وكما هي العادة ما يحدث داخل الولايات المتحدة لا يبقى داخلها، ويمتد تأثيره خارج حدودها ليترك بصمته في كل العالم. 

من خذلهن القضاء الأمريكي بالأساس هن نساء الدول النامية المطالبات بهذا الحق، ليس فقط لأنها الدولة العظمى والدولة التي تجعل من تمثال الحرية رمزاً لها، لكن بالأخص لأنها الجهة المانحة الأكبر في العالم. 

عادة، تأتي المنح والقروض الميسرة التي تمنحها الدول العظمى للدول النامية بالتوازي مع سياسات جانبية تطالبها فيها بتحسين أوضاع الفئات المستضعفة وحقوق الإنسان، وبالأخص حقوق المرأة، لكن أية دولة عظمى لا تستطيع أن تطالب الدول الأضعف بتعديلات هي نفسها ترفضها.

لإقناع الدول المانحة بمحاولات الإصلاح الحقوقي تؤسس الدول النامية ذات النفس الشمولي الخجول مراكز حقوق الإنسان وتوظف عشرات العاملين ممن يمتلكون الخبرة القانونية والحنكة الحقوقية الكافية لصياغة التقارير التي تقول إن كل شيء على ما يرام، وإن حقوق الإنسان تتحرك من الحسن إلى الأحسن. 

الآن، لم تعد دول العالم الثالث بحاجة حتى إلى فبركة هذا النوع من التقارير وإنفاق الموازنات على معايير ملفقة وجندرة وهمية تثبت سعيها لإقرار أحد أهم حقوق المرأة، الحق في الإجهاض.  

عادة، تأتي المنح والقروض الميسّرة التي تمنحها الدول العظمى للدول النامية بالتوازي مع سياسات جانبية تطالبها فيها بتحسين أوضاع الفئات المستضعفة وحقوق الإنسان، وبالأخص حقوق المرأة، لكن أية دولة عظمى لا تستطيع أن تطالب الدول الأضعف بتعديلات هي نفسها ترفضها

تستطيع الدول المانحة أن تطالب بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في الدول الممنوحة لكن ليس لها أن تطلب بشكل مباشر من أي دولة أن تغير دستورها، هذا تحديداً ما يُسمّى بالتدخل الصريح في الشؤون الداخلية، وليس لها أن تطالب بتغيير الأنماط الدينية والثقافية السائدة -على الأقل ليس بشكل صريح وعلني- هي تضع مطلباً عاماً وعلى الدول أن تحاول السعي له، سواء من خلال تعديل تشريعاتها أو المناقلة بين بنود الموازنة أو توقيع مزيد من الاتفاقيات الدولية التي تُلزم الدول بها نفسها. 

إذا أردنا أن نرسم خارطة طريق تشريعية توضح كيفية الوصول إلى حق المرأة العربية في الإجهاض قد نتوقف في منتصف الطريق بسبب طوله ووعورته، فالمطلب نظراً لدرجة صعوبته قد يبدو عبثياً أو مضيعة للجهد، لكن هكذا بدا حق المرأة في الانتخاب في فترة ما، وهكذا بدا حقها في الترشح للمناصب وفي العمل وفي الدراسة في البدايات.

حل واحدُ لألف مشكلة

بحسب تراتبية مصادر التشريع عند غالبية الدول العربية يأتي الدستور كمصدر أعلى للتشريع، تليه المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الدولة وتم التصويت عليها من قبل البرلمان، ثم تأتي القوانين السارية المعمول بها، ثم التعليمات والأنظمة، ثم أحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة للنصوص القانونية، ثم مبادئ الشريعة الإسلامية، ثم العرف السائد وهو ما ألفه الناس في معاملاتهم قولاً أو فعلاً ولم يُعارض بنص، ثم قواعد العدالة، ثم الأحكام القضائية السابقة. 

وقد يتغير الترتيب من دولة إلى أخرى لكن في المجمل هذه هي الهرمية السائدة عن أغلبية هذه الدول العربية، والتي لا بد من ذكرها لتأمّل درجة الصعوبة وكم اختراق يجب أن يحدث للوصول إلى هذا الحق. 

الحقيقة البديهية أنه في حال تم تغيير المطلوب (تشريعياً) للوصول إلى حق الإجهاض سنكون قد وصلنا إلى أكثر من حق في نفس الوقت، لأن العقبات تجاه الحقوق الأساسية هي نفسها. 

الدين يحرّم الإجهاض، إذن القانون يجرّم الإجهاض

الأمر غاية في البساطة، الإسلام دين الدولة والإسلام يحرّم الإجهاض، ونظراً لأنه دين الأغلبية فالسماح بالإجهاض لن يحدث ما لم يتغير هذا البند في الدساتير العربية، كذلك يمكن القياس على الطوائف العربية التي لا تدين بالإسلام، إذ أعطت الدساتير العربية حق تنظيم المعاملات الشخصية للطوائف للسلطات الدينية، وبالتالي فالمسيحيات في العالم العربي يعانين من مصادرة هذا الحق على غرار المسلمات. 

قد يختلف رجال الدين كثيراً فيما هو الدين الصحيح ومن هو النبي المُعتمد رسمياً وشكل الجنة والنار وطرق الحساب، لكنهم يتفقون على رفض حق المرأة في الإجهاض.

بند الإسلام دين الدولة يراوح في قوته بين أن يكون المصدر الوحيد للتشريع كما هو الحال في اليمن والسعودية، وبين أن يكون أحد مصادر التشريع بدون وجود قاعدة مُلزمة كدساتير الأردن والجزائر والمغرب، لكن يكفي القول إن جميع الدول العربية - ما عدا تونس- تجرّم الإجهاض لأسباب دينية. 

فإذا مررنا سريعاً على مصادر التشريع، فسنجد أن كلا منها تقريباً سيكون عائقاً في وجه مطلب كعدم منع الإجهاض والحصول على العناية الطبية، فكما يحرمه الدين الذي سنجده مرجعاً في الدستور وفي أحكام الشريعة الإسلامية، جرّمتهُ القوانين المعمول بها، ورفضهُ العرف، لكن لعل المعاهدات الدولية قادرة على إعطاء بعض القوة لورقة المطالبة.

تأتي المعاهدات الدولية في مرتبة أقل من الدستور وأعلى من القانون، إذ يُفترض بالدولة أن توائم قوانينها المحلية مع ما التزمت به دولياً، الأمر الذي يجعل قراراً للتحفظ على بعض بنود معاهدة مثل سيداو - البندان 12 و16 تحديداً- يصدر بإجماع الدول العربية على عكس الخلاف الدائم  القرارات السياسية والاقتصادية المشتركة. 

تغيير هذه القوانين يحدث إذا تم إلغاء البند الدستوري الذي ينص على أن "الإسلام دين الدولة"، وإذا اعترفت الدولة الحديثة بأنها كينونة علمانية بالأساس لا دينية، حينها فقط يمكن تسمية الإجهاض باسمه وعدم وضعه تحت مسميات مثل القتل وإزهاق الروح وغيرهما من الأوصاف الدينية لا الطبية. 

باستثناء تونس، كلّنا في الهمّ شرقُ

الحبس هو العقوبة التي اتفقت الدول العربية على إيقاعها على كل من ساهم في عملية إجهاض حامل سواءً برضاها أو عدمه، وتراوح العقوبة بين ثلاثة أشهر  والأشغال الشاقة بحسب البلد وتسامحه مع هذه "الجريمة".

الأصل في الحكم الديني أن جسد المرأة ليس مملوكاً لها إنما لوليها، هي مجرد حامية له،ويفترض بها أن تصونه من اللمس والنظر والاشتهاء قبل زواجها، فإذا تزوجت تنتقل ملكيته إلى زوجسيداوها، فليس من حقها أن ترد رغبته إذا اشتهى هذا الجسد، ومن حقه أن يضرب هذا الجسد ضرباً "غير مبرح"، ومن حقه منع تحركاتها إلا بإذنه.

فإذا حملت بـ"ثمرته" ليس من حقها أن تجهض حملها ولو جاء عكس رغبتها. 

نلاحظ لدى مراجعة معظم القوانين العربية أن إجهاض امرأة قسرياً دون رغبتها يتساوى مع رغبتها من حيث درجة التجريم، وأن زواج المرأة من عدمه يتساوى، وأن عمر الجنين غير مذكور ولا يشكل فارقاً،  قد تنال المرأة عذرا مخففاَ من أجهضت بسبب حمل حدث نتيجة اغتصاب أو سفاح القربى، لكنها تظل مجرمة في عين القضاء

وتخضع للعقوبة المرأة المجهضة، ومن ساعدها، والطبيب أو الداية أو العطار وكل من سهل لها الحصول على الدواء أو التنويه إليه، وموضوع التنويه لأدوية الإجهاض له جذور إغريقية في قسم أبوقراط.   

الإجهاض في العالم العربي مسموح بقرار لجنة أطباء وليس بقرار المرأة، وفي حالات حصرية، منها أن تكون حياة الأم في خطر، وأن يكون الجنين مشوهاً وفي بداية تكونه، باستثناء تونس التي اخترقت الإجماع العربي، فالإجهاض فيها قانوني ودون سؤال المرأة إن كانت متزوجة أم لا ما دام الحمل لم يتجاوز ثلاثة أشهر.

السؤال الذي يجب أن يسبق سؤال كيف تصل المرأة العربية لإقرار حق الإجهاض هو هل تعديل القوانين كفيل بإحقاق هذا الحق؟ 

قوانين شكلية لمشاكل حقيقية

كثير من القوانين التي تعدّلت أو أُقرّت لتصب في صالح المرأة وجدت المجتمعات طريقها للتحايل عليها باسم الدين والأعراف، لا سيما في دول لم تزل كثير من خدماتها وسلطاتها التنفيذية تتصف بالمركزية داخل العاصمة والمدن الكبرى، الأمر الذي يعني أن التجاوزات على حقوق المرأة القانونية بهذا الشأن تكثر في الأطراف التي لم تنل حصتها من التنمية ومن الرقابة الحكومية.

الرخصة الدينية لم تزل تفوق بقوتها الرخصة القانونية، وبالتالي فما لم يمنعه الدين لن يستطيع ألف قانون منعه، ما لم نكن بصدد دول تؤمن حقاً بسيادة القانون وإلزاميته وبأن المرجعية الأخيرة هي القانون، وأن تكون هذه السيادة على جميع أرضها دون التنازل (الضمني غير المنطوق) عن بعض سلطتها لرجال الدين وكبار القوم والمشايخ كما يحدث في الأطراف في جنوب مصر أو في مناطق الصحراء الممتدة في الجزيرة العربية والأردن. 

والأهم أن معركة الوعي تسبق معركة الحرية، فما يراه المجتمع مناسباً لقيمه ووعيه سيسمح به وإن لم يقره القانون.

مثال على ما منعه القانون ويمارسه المجتمع في مجال حقوق المرأة، هو تزويج القاصرات بناء على رخصة ما يسمى بالاستثناء (اليتيمات دوماً يتعرضن للاستثناء بحجة الستر)، لكن تزويج القاصرات هو المثال الأكبر وليس الوحيد، ومثله ضرب الزوجات، والختان، والزواج الثاني دون تبليغ الزوجة الأولى، وحرمان الفتيات من إكمال التعليم.

هذا الأمر يحدث في تركيا. فبرغم أن الإجهاض مسموع ويعتبر من ضمن خدمات الرعاية الطبية المجانية التي تقدم للنساء في المستشفيات العامة والمراكز الصحية الحكومية، لم تزل تلك المستشفيات ترفض إجراءه وتسأل عن الحالة الاجتماعية للمرأة وتصعب الوصول إلى هذه الخدمة. 

هذا الأمر يحدث في تركيا. فبرغم أن الإجهاض مسموع ويعتبر من ضمن خدمات الرعاية الطبية المجانية التي تقدم للنساء في المستشفيات العامة والمراكز الصحية الحكومية، لم تزل تلك المستشفيات ترفض إجراءه وتسأل عن الحالة الاجتماعية للمرأة وتصعب الوصول إلى هذه الخدمة

القوانين بحد ذاتها لا تغير شيئاً إذا كانت الإرادة السياسية للدولة ترفض مضمون القانون، مثال آخر ضمن حقوق المرأة قوانين حماية الأسرة والحد من العنف المنزلي لم تزل في حدها الأدني بسبب تحجج الدول بعدم وجود موازنات لتحقيقها، التحجج بالموازنات أو إغفال وضع أنظمة وتعليمات لتنفيذ القانون هو حيلة رائجة لتجميد الحال القانونية. 

بين ما تقول الدول الكبرى إنها تدعمه، وبين مجاملة وتفضيل الدول النامية-العربية لموروثها القائم على أفضلية جنس على جنس وفئات على أخرى، قد نتوه في دوامة كسب الوقت والقوانين غير المفعّلة، والقوانين التي لم تتم مواءمتها مع المعاهدات الدولية، بينما تفضي كل الأسئلة إلى جواب واحد وحل واحد: علمانية الدولة.

Website by WhiteBeard