انفجار ميناء العقبة... مأساة بيروت تتجدد في الأردن

الثلاثاء 28 يونيو 202205:34 م


هزَّت حادثة سقوط صهريجٍ محمّل بغاز الكلورين السام وانفجاره في ميناء العقبة (جنوب الأردن) الشارع الأردنيّ بعد وصول عدد الوفيات إلى 13 - حتى كتابة هذا التقرير- وإصابة المئات بالتسمم، وهذا ما فتح الباب على مصراعيه حول إجراءات السلامة والصحة التي تتخذها المنشآت إزاء العُمال، وجاهزيّة آلات النقل، وكيفيّة حماية الحكومة للعاملين على أرض المملكة، خاصةً أنَّ السبب الرئيسيّ للحادثة هو انقطاع حبل ناقلة الصهريج.

شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة حوادث وفيات عديدة ناتجة عن الإهمال، ما يثير التساؤلات حول نهاية هذه المسلسلات المأسوية التي يعيشها الأردن، وعاقبة المتسببين بالحوادث التي يذهب ضحيتها في كل مرةٍ مجموعةٌ من الأشخاص

انفجار أصفر

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعيّ مساء الإثنين 27 يونيو/ حزيران، مقطع فيديو يظهر سقوط الصهريج وانفجار غاز أصفر اللون يميز مادة الكلورين السّامة، التي تُستخدم في التنظيف بعد تبريدها وتحويلها للحالة السائلة.


ولي العهد الأردنيّ الحسين بن عبدالله زار مركز إدارة الأزمات لمتابعة الحادثة، في حين توجه رئيس الوزراء بشر الخصاونة، ووزيرا الداخليّة والصحة مازن الفراية وفراس الهواري لمتابعة حالة المصابين في العقبة، فيما كانت شحنة الغاز التي تسببت بحالات الاختناق في طريقها لجيبوتي.

الميناء الذي حدث فيه الانفجار يبعد قرابة 600 متر عن صوامع تخزين القمح والشعير والحبوب المستوردة، وهو ما دفع الحكومة الأردنيّة لإجراء فحوص للحبوب، أثبتت عدم تأثرها في الغاز.

صباح الثلاثاء 28 – يونيو/ حزيران، باشرت النيابة العامة الأردنيّة التحقيق في الحادث، فيما أعلنَ محافظ العقبة محمد الرفايعة عدم وجود حالاتٍ حرجةٍ بين المصابين. وأكدَ مدير إدارة المواد الخطرة في الدفاع المدنيّ سالم سكر في مقابلة تلفزيونية قياس نسب الكلورين منذ أمس حتى اليوم عدة مراتٍ في الجو، ليتبين انعدام وجودها. في حين عاد العمل في الميناء باستثناء الرصيف رقم 4 حيث سقط الصهريج.

حوادث مكررة

تكررت حوادث الوفيات في ميناء العقبة ولم يكن آخرها وفاة عامل نتيجة سقوط أجسام صلبة عليه العام الماضي، ووفاة خمسة عمال وإصابة آخرين عقب حريقٍ وقع أثناء إجراءات هدم وإزالة قرب صوامع العقبة عام 2018.

الميناء الذي حدث فيه الانفجار يبعد قرابة 600 متر عن صوامع تخزين القمح والشعير والحبوب المستوردة، وهو ما دفع الحكومة الأردنيّة لإجراء فحوص للحبوب، أثبتت عدم تأثرها في الغاز

وشهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة حوادث وفيات ناتجة عن الإهمال، مثل حادث انقطاع الأكسجين في مستشفى السلط، وانقطاع الكهرباء في مستشفى الجاردنز، إضافة إلى فاجعة أطفال البحر الميّت التي راح ضحيتها 21 طفلاً. وهو ما يثير التساؤلات حول نهاية هذه المسلسلات المأسوية التي تعيشها المملكة، وعاقبة المتسببين بالحوادث التي يذهب ضحيتها في كل مرةٍ مجموعةٌ من الأشخاص.

لماذا يموت العمال؟

أثارت حادثة العقبة الحديث حول مصير العمال وعائلات الضحايا؛ إذ تقوم مؤسسة الضمان الاجتماعيّ بتعويض أسر الضحايا المشمولين في الضمان، إلا أنَّ عدم شمولهم يوجب على صاحب العمل دفع غرامة مالية، وإشراكهم فيه مع تغطية فترة خدمة العامل التي لم يتم شموله بها.

فيما تفرض الدولة على أصحاب العمل توفير أدوات الصحة والسلامة المهنيّة للعاملين. وعن هذا يقول الخبير القانوني حمادة أبو نجمة لرصيف22: "من الضروري اتباع إجراءات خاصة للعمال الذين يتعاملون مع المواد الخطرة، ومن ضمنها ابتعادهم عن مكان النقل، وهو ما لم يلاحظ في مقطع الفيديو المتداول، إذ كان العمال يحيطون بالمكان".

ويشدد على ضرورة وجود مراقب سلامة وصحة مهنيّة من وزارة العمل في كل منشأة، إضافةً إلى تفصيل التشريعات لخصوصيّة كل قطاعٍ على حدة، في حين لا يزيد عدد مفتشي الصحة والسلامة المهنيّة عن 15 لكل المملكة، وهو ما يحدّ من تعاملهم مع المخالفات، فيما يتركز عمل بقية المفتشين على مخالفات العمالة الوافدة.

ويشير أبو نجمة الذي كان أميناً عاماً أسبق لوزارة العمل، إلى وجود عقوبات تصل إلى حدّ إغلاق المنشأة في قانون العمل، إلا أن بعض هذه المنشآت قد يكون لها أثر اقتصادي كبير على الدولة، وهو ما يجعل الأخيرة تتردد حيال إغلاقها، مضيفاً "لذا من الضروريّ تغليظ العقوبات المالية وتعديل القانون بشأنها".

غاز للأسلحة الكيماوية

يوضح اختصاصي الأمراض الصدرية والتنفسية والعناية الحثيثة الدكتور محمد الطراونة لرصيف22 أن هذا النوع من الغازات يستخدم في مواد التنظيف والأسلحة الكيماوية، كونه يسبب أضراراً كبيرة على الرئة تؤدي إلى الوفاة في حال كانت الكميات كبيرة.

ويتابع ظهور أعراض التسمم خلال مدةٍ تتراوح بين ست وثماني ساعات، في حين أن وجود 250 إصابةً خلال ساعتين، يشكل خطراً على أي منظومة صحية، ويحتاج إلى خطط طوارئ للتعامل مع الإصابات، غير أن كمية التسرب المحدودة حالت دون تأزم الحالات.

ويلفت الطراونة إلى ارتفاع نسب الإصابة بالأمراض الصدرية في المناطق الصناعية، لذا يتم قياس نسب الجسيمات العالقة في الهواء كل مدة في الدول المتقدمة، ووضع خطط من قبل مراقبي البيئة والصحة للتعامل معها، وتفعيل إجراءات الصحة والسلامة المهنية، وحماية الأشخاص الذين يتعاملون مع هذا النوع من المواد.

لا رقابة

من جانبه أكد اتحاد النقابات العمالية المستقلة الأردني، في بيان أصدره الثلاثاء، ضرورة تحمّل الحكومة مسؤوليتها بشكل كامل، وطلب أن تحدد اللجنة التي تم تشكيلها بشكل مباشر وغي وقت محدد، الجهة المسؤولة عن الحدث.

وأضاف أن الحادث أثبت عدم توفر مقومات السلامة العامة والصحة المهنية على الإطلاق، "وافتقار المؤسسات والشركات لأبسط مقومات السلامة العامة والصحة المهنية فيها، مما يدلل على فقدان الرقابة والمتابعة من قبل الجهات المختصة على هذه المؤسسات".

مرفأ لبنان في الأردن

ما حدث في الأردن يعيد للأذهان انفجار مرفأ بيروت عام 2020 والذي خلّفَ مئات الوفيات وآلاف الإصابات وما زال التحقيق جاريًا في ملابساته حتى الآن.

ما مرّ على الأردن من حوادث يظهر وجود تقصيرٍ واضح في مجال الحماية المتبعة للعمال ومراقبة الحكومة للمنشآت وطرق عملها إضافةً إلى فرض العقوبات الرادعة لتكرر الأفعال. ما رأيناه اليوم من مشهد إدارة الأزمات والتعامل معها تكرر في فاجعة البحر الميت، ومستشفى السلط وحريق الصوامع، إذ تتوجه الكاميرات للمكان برفقة الحكومة لتغطي الحدث وترصد التصريحات المليئة بمواساة أُسر الضحايا وزيارة المصابين، كما يجري في كل حادثة.



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard