"أعيش وحيدةً مع دجاجاتي"... مناضلات فلسطينيات منسيات في مخيمات لبنان

الأربعاء 29 يونيو 202201:23 م
Read in English:

Palestinian female freedom fighters wasting away in Lebanon's refugee camps


"وُلدت لاجئةً في مخيم الرشيدية، وعشت القهر والبؤس، وعندما بلغت الثامنة عشر من عمري، التحقت بحركة القوميين العرب سرّاً في ذلك الوقت، التي صار اسمها لاحقاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فذهبت إلى اليمن، والتحقت بدورة عسكرية، تدربت فيها على القتال واستخدام الأسلحة"؛ تتحدث زهرة سليمان وهي تجلس وحيدةً في بيت قديم في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين.

بعد عودتها من اليمن، بدأت سليمان بتدريب مجموعة من الفتيات والفتيان على استخدام السلاح، وبما أن مخيم الرشيدية يقع بالقرب من شاطئ البحر، فقد كانت تتم التدريبات هناك.

تروي المرأة (مواليد 1945)، كيف تطور عملها العسكري، وصار موجّهاً ضد العدو الإسرائيلي بشكل مباشر، "فقد كنت أخدم في القواعد العسكرية التابعة للجبهة الشعبية، وكنت الفتاة الأولى التي كانت تقوم بعمليات استطلاع عند الحدود اللبنانية الفلسطينية، وفي الداخل الفلسطيني، وتقول: "خلال عملية استطلاع كنت أقوم بها، استطعت الوصول إلى قريتي فارة، وتقع في شمال مدينة صفد، وتبعد عنها 13 كيلومتراً، وشاركت في عام 1978 في العمليات العسكرية ضد العدو، وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كنت في مخيم الرشيدية، قاومت العدو، وساعدت في إسعاف الجرحى وإخراجهم من المخيم إلى المستشفيات القريبة في المنطقة، كما كنت أساعد في نقل الشهداء إلى مكان آخر".

تغييب دور النساء يعود إلى العادات والتقاليد في المجتمع الذكوري الذي يعشن فيه، والذي يسلّط الضوء دائماً على دور الرجال دون النساء

تعيش اليوم زهرة في بيت أختها في مخيم برج البراجنة في بيروت، وليس لديها أي راتب تقاعدي أو من يهتم لأمورها الحياتية بعد مسيرة طويلة من النضال، ولا معيل لها. تقول: "أنا لست نادمةً على ما قدّمته في حياتي، علماً أنني لم أتزوج ولم أبنِ عائلةً، والوطن أكبر من كل شيء، وأنا من أجله قمت بما قمت به، لكن يؤلمني جداً أن أصل إلى هنا بعد مسيرة نضال طويلة، وما زلت أجهل سبب تجاهلي والعديد من النساء الفلسطينيات المناضلات. لقد صرنا كالثوب الذي يضيق على صاحبه بعد مرور زمن عليه، فيُرمى جانباً ولا يعود أحد يكترث له".

بدايات نعمات

سكنت نعمات قدورة، وعمرها 77 عاماً (من بلدة سحماتا)، مع عائلتها في مخيم تل الزعتر بعد لجوئهم إلى لبنان، وبدأت بالانخراط في "المقاومة الفلسطينية" منذ صغرها، وساعدها في ذلك انتماء عمّها إلى حركة القوميين العرب التي كانت تعمل بشكل سرّي بسبب وجود المكتب الثاني في المخيم.

اعتُقل عمّها في زحلة، وهي كانت معه في مهمّة في بعلبك. عادت إلى المخيم وبدأت مع مجموعة من الفتية والفتيات بحراسة عناصر الحركة عندما يعقدون اجتماعهم، ومن دون علمهم، تقول: "عندما كنا نشعر بقدوم عناصر المكتب الثاني، كنت أطلب من الأولاد أن نرشق البيت الذي هم فيه بالحجارة، فيدرك المجتمعون أن شيئاً ما يحصل في الخارج، فينهون اجتماعهم، ويجلسون للعب الورق".

تطوّرت مهام نعمات، فعملت في نقل السلاح، وكانت هي القائدة ومعها عدد من النساء. كانت تخبّئ السلاح في الحطب، وتضعه النسوة على رؤوسهن، وينقل إلى المخيم من دون علم أحد، لكن في حصار مخيم تل الزعتر كانت تساعد في إسعاف الجرحى، إذ كانت تذهب إلى البيوت وتحضر أغطية الملاحف، وتمزّقها لتكون ضمادات للجروح بدلاً من "الشاش" الذي كان مفقوداً.

تروي زهرة ونعمات عن حياتهما "زمن النضال"، عن حمل السلاح والقتال، واحدة منهنّ لم تتزوج، فيما الأخرى خسرت زوجها وابنها في المخيم زمن الحرب. اليوم تنتظر كُل منهما مساعدة لن تأتي، وفصائل تخلّت عنهما منذ زمن بعيد

كان المعالجون في ذلك الوقت يغلون الماء والملح لاستخدامه مطهراً للجروح، وتروي أنها كانت تنقل الشهداء، وتحفر القبور لدفنهم. كانت تعجن وتخبز في بيتها وتوزع الخبز على الناس. استشهد زوجها في مخيم تل الزعتر وكان منتمياً إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبعد استشهاده التحقت بالجبهة لكنها ما لبثت أن تركتها بعد شهرين من انتسابها إليها.

حياة البؤس

تقول المناضلة التي تبلغ من العمر سبعةً وسبعين سنةً: "لقد عشت معاناةً كبيرةً بعد استشهاد زوجي، فقد كان أولادي يسيرون حفاةً، ولم يكن معي مال، وأردت أن أربّي أولادي، فعملت في مطبخ، أطبخ للمقاتلين في حركة فتح. ونجوت مرات عديدةً من قصف طيران العدو الصهيوني".

تدربت نعمات لاحقاً على استعمال الأسلحة والمتفجرات، وسكنت في منطقة الدامور بعد خروجها من تل الزعتر. تقول: "تعلمت تفكيك المتفجرات، وفي أحد الأيام علمت بوجود سيارة مفخخة زنة المتفجرات فيها 200 كيلو، وقمت بتفكيكها وحدي، وكنت قد أبعدت كل من كان يقترب مني. تعرفت إلى دلال المغربي والمجموعة التي كانت معها، إذ شهدت تدريبهم على الأسلحة والمتفجرات والغطس، وفي أثناء ذلك طلبت من مدرب الغطس تدريب أولادي على الغطس".

إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان سكنت نعمات في منطقة الروشة، وكانت تذهب إلى منطقة حي السلم لتوزع الذخيرة وتعبّئها، وفي النهار تعمل على توزيع الخبز الذي كانت تحضره من فرن بربور، وفي حرب حصار المخيمات استشهد ابنها، إذ كان في موجوداً في المبنى الذي فجّرته عناصر حركة أمل.

قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لا تستطيع احتضان أولئك المناضلات، لأن الهم السياسي الموجود اليوم لا يتوافق مع الأفكار التي تحملها المناضلات

بعد كل ذلك التاريخ الحافل بالنضال، تعيش نعمات حياة وحيدة، مع دجاجات صغيرة تهتم بها وترعاها ومزروعات صارت صديقاتها، وتقول: "أيعقل أن تصل بي الحال إلى ما أنا عليه؟". هي تتقاضى راتباً من حركة فتح لكنه اليوم لا يكفيها لتسد جوعها، فتنتظر مساعدةً من هنا أو هناك كي تحيا، بالحد الأدنى الممكن.

تهميش دور المرأة

تقول مسؤولة العمل الاجتماعي في إقليم فلسطين في حركة فتح، ومسؤولة وحدة الدعم القانوني لقوات الأمن الفلسطيني في لبنان، آمال الشهابي، وهي أسيرة محررة: "بعد كل ذلك النضال الطويل لنساء فلسطينيات مناضلات غُيّبت أسماؤهن عن الساحة، وذلك يعود إلى العادات والتقاليد في مجتمعنا الذكوري، الذي يسلّط الضوء دائماً على دور الرجال دون النساء، بالرغم من أن هناك مناضلات كثيرات كان لهن دورهن الريادي في قضيتنا الفلسطينية، ومع الأسف دائماً هناك تغييب لدور المرأة ونضالها، ولا يتم تذكرها إلا على الهامش أو في يوم المرأة".

من جهته، يقول عضو اللجنة الشعبية في منطقة صيدا، عبد الكريم الأحمد: "للأسف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تُعدّ "أم الشعب الفلسطيني" لا تستطيع احتضان أولئك المناضلات، لأن الهم السياسي الموجود اليوم لا يتوافق مع الأفكار التي تحملها المناضلات، والتي تعري القيادة الموجودة حالياً التي تعمل على استبعادهن، لأن العمل الكفاحي توقف منذ إعلان اتفاق "أوسلو" والمفاوضات مع الكيان الصهيوني، فهذا أحد العوامل التي تستبعد من أجلها تلك المناضلات".

يضيف: "أيضاً يتم استبعادهن حتى لا يتأثر بهن الجيل الجديد من الشباب والشابات وحتى لا يصرن قدوةً، فالقيادة اليوم تقصيهنّ من أجل إبعاد الناس عن التفكير والاهتمام بالعمل الوطني، ليصير المال هو الهم الأساس، وهذا ما يؤثر للأسف على المجتمع الفلسطيني عموماً اليوم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard