فلسطينيات في مخيّمات لبنان... مشقّة الدخول إلى المعترك السياسي

الخميس 23 ديسمبر 202109:19 ص

على مرّ عقود من اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، عاشت المرأة الفلسطينية في مخيمات لبنان حياةً صعبة، إن لناحية الوضع الاقتصادي، والتربوي، والاجتماعي، أو لناحية الوضع السياسي. فمنذ اللجوء عام 1948، وهي تعيش ظروفاً صعبة، وشهدت حروباً وحصاراتٍ ومجازر، لكنها على الرغم من كل ما مرّت به، كانت وما زالت شريكة الرجل في النضال، من ثورة البراق عام 1929، إبّان الانتداب البريطاني، حتى اللجوء سنة 1948.

برز نضال النساء الفلسطينيات بشكل كبير، خاصةً في لبنان، عندما واجهت تحديات الثورة الفلسطينية عام 1967، وفي أثناء الثورة الفلسطينية في لبنان، وحتى اليوم، منتفضةً بجانب الرجل بكل أشكال المقاومة، بدءاً بالمواقع العسكرية، وعملها على جهاز اللا سلكي، والقتال، وبالتمثيل السياسي، الذي يُعدّ ضئيلاً حتى اليوم؛ لكنها على الرغم من ذلك، حاضرة وموجودة في كل الميادين.

التحقت المرأة بالثورة الفلسطينية، وخاضت العمل السياسي، وسافرت إلى اليمن، والأردن، والعراق، وغيرها من الدول، لتلقّي التدريبات على القتال

في بدايات لجوء الفلسطينيين إلى لبنان، عاشوا حياةً قاسية، في مناحي الحياة كافة؛ السكن، وتوفير الطعام، والتعليم، والعمل، وتوفير المواد الأساسية الضرورية للكائن الحي، هذا عدا عما عاشوه من معاناة جرّاء الإجراءات التعسفية التي كان يقوم بها عناصر المكتب الثاني المتواجدون في المخيمات الفلسطينية، ما ولّد عندهم شعور بالقهر، أدّى إلى الانتفاض على المكتب الثاني من قبل الشبان والشابات الفلسطينيين/ ات، على الواقع المعيش.

في ذلك الوقت، كان للمرأة الفلسطينية دور في هذا المجال، فقد انتفضت إلى جانب الرجل، والتحقت بالثورة الفلسطينية، وخاضت العمل السياسي، وسافرت إلى اليمن، والأردن، والعراق، وغيرها من الدول، لتلقّي التدريبات على القتال، واستخدام الأسلحة، وصار عملها العسكري موجّهاً ضد العدو الصهيوني بشكلٍ مباشر، كما عملت في نقل السلاح، وتحديداً في أوقات الحروب، وعلاج الجرحى في المخيمات، جرّاء حصارها من قبل بعض الأحزاب اللبنانية.

كان للمرأة الفلسطينية في تلك الفترة، دور في المجالَين الاجتماعي والتّربوي، فكانت تقوم بعقد حلقات اجتماعات حزبية للطالبات، تعمل على تثقيفهنّ

كما كان للمرأة الفلسطينية في تلك الفترة، دور في المجالَين الاجتماعي والتّربوي، فكانت تقوم بعقد حلقات اجتماعات حزبية للطالبات، تعمل على تثقيفهنّ، وقد برزت أسماء عدد من المعلّمات اللواتي كنّ يعلّمن في مدارس الأونروا، وكنّ منتسبات إلى فصائل الثورة الفلسطينية. والمرأة في ذلك الوقت لم تجد سبيلاً إلى النضال ومحاربة العدو سوى بالتعليم، لإدراكها بأن التعليم هو السبيل الوحيد الذي يعيد لها الأرض المسلوبة، وكذلك كان لها دور في العمل الصحي، إذ إنها عملت ممرضةً وطبيبةً، فكانت تذهب إلى المواقع العسكرية، وإلى القرى الجنوبية، لتطبّب وتعالج المرضى.

تقول آمال الشهابي، وهي تعمل في العمل الاجتماعي في إقليم لبنان في حركة فتح، وفي وحدة الدعم القانوني في قوات الأمن الوطني: "لم تتوقف المرأة خلال الأعوام الماضية وحتى اللحظة، عن النضال، فالمرأة في مخيمات لبنان حملت السلاح كالرجل، ومنهنّ من كان لهنّ دور بارز في نقل السلاح، وفي العمل الأمني، ومنهنّ من أُسرن إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وأنا كنت واحدةً منهن".

نص اتفاق القاهرة الموقّع بين منظمة التحرير والدولة اللبنانية عام 1969، في بنده الثاني، على "إنشاء لجان محلية من الفلسطينيين في المخيمات لرعاية مصالح الفلسطينيين المقيمين فيها، وذلك بالتعاون مع السلطات المحلية، وضمن نطاق السيادة اللبنانية"، وعليه، فإن اللجان الشعبية هي لجان محلية، هدفها رعاية مصالح الفلسطينيين ضمن نطاق عملها الجغرافي، وهي لجان صحية، وتربوية، واجتماعية، وثقافية.

استغلت النساء الفلسطينيات وجود هذه اللجان، للعمل على تطوير مشاركتهنّ في المعترك السياسي، على الرغم من محدوديّته، إلا أنه يُشكل لهنّ فرصةً لإثبات الجدارة

وعلى الرغم من أنه تم إلغاء اتفاق القاهرة في جلسة مجلس النواب اللبناني بتاريخ 21/5/1987، ما يعني ضمناً وحكماً أن مشروعية اللجان الشعبية قد انتهت، غير أن الدولة اللبنانية لا تزال تتعامل معها بصفتها "الإدارة الرسمية للمخيمات"، لكن ضمن أطر ضيقة.

وجود اللجان الشعبية في المخيمات حاجة فلسطينية ضروريّة، وهي بمثابة بلدية تقدّم خدمات وتعالج مشكلات. 

وعلى الرغم من أن عمل اللجان ذو طابع اجتماعي خدماتي، غير أن وجودها له طابع سياسي عام أيضاً، ووجود لجان قوية ومتماسكة يسهّل تعامل الدولة اللبنانية والأونروا على حد سواء، مما يحقق المزيد من المصالح، كما أن وجودها ينظّم عمل الجمعيات والأندية والروابط، ما يسهم في رسم سياسات عامة تخدم الفلسطيني في المخيمات.

واستغلت النساء الفلسطينيات وجود هذه اللجان، للعمل على تطوير مشاركتهنّ في المعترك السياسي، على الرغم من محدوديّته، إلا أنه يُشكل لهنّ فرصةً لإثبات الجدارة، والعمل على تغيير النمط السائد في داخل المخيمات من ناحية النظرة العامة إلى المرأة، ومحدوديتها.

قمنا بتدريب النساء ليستلمن مفاصل عمل في اللجان الشعبية في المخيمات الفلسطينية كافة، وجرّاء ذلك وصل عدد النسوة اللواتي يعملن في اللجان الشعبية حالياً، إلى 47 امرأةً

تتابع آمال، عن عمل النساء في اللجان الشعبية: "عام 2007، ومن خلال نضالنا في التمثيل السياسي، وجدنا أن النساء غير ممثلاث في اللجنة الشعبية في المخيمات، وضمن عمل إحصائي عملنا عليه بالتعاون مع المساعدات النرويجية الشعبية، واتحاد المرأة الفلسطينية، وجمعية النجدة، وبيت أطفال الصمود، وجدنا في البداية أن عدد النساء الممثلات في اللجنة الشعبية هن سبعة، وهؤلاء النسوة كان يقتصر عملهن على العمل الإداري، ولسن مستلمات مفاصل عمل، كالتربية، والصحة، والثقافة، وغيرها، وجرّاء ذلك قمنا بتدريب النساء ليستلمن مفاصل عمل في اللجان الشعبية في المخيمات الفلسطينية كافة، وجرّاء ذلك وصل عدد النسوة اللواتي يعملن في اللجان الشعبية حالياً، إلى 47 امرأةً".

تضيف: "لقد كان التدريب مهمّاً بالنسبة إلى النساء؛ لاكتساب مهارات حتى يكنّ فاعلات في تأدية مهامهن، وكان التدريب مكثّفاً، وبعدها عقدنا طاولة حوار حتى نستمع إلى النساء اللواتي أصبحن مسؤولات عن عمل في اللجان، وبالفعل كان وجودهنّ مفيداً، واستلمن مفاصل عمل مهمة، كالعمل الاجتماعي، والصحي، والتربية، وحقّقن الكثير من التقدّم والتنظيم في كل مجالٍ دخلن فيه".

تقول آمنة عطا، وهي عضو في اللجنة الشعبية في مخيم عين الحلوة: "صرت أشعر بأنني مميزة بين الرجال، لأنني أقوم بدورهم في فضّ النزاعات، من خلال عملي في اللجان الشعبية".

صرت أشعر بأنني مميزة بين الرجال، لأنني أقوم بدورهم في فضّ النزاعات، من خلال عملي في اللجان الشعبية

فمنذ مدة ليست بعيدة، "حصل نزاع حول بيع بيت في مخيم عين الحلوة بين إخوة، وخلال فضّنا لهذه المشكلة، تبين لنا، وبطريقتنا الخاصة، أن لأولئك الإخوة شقيق يقيم خارج لبنان، وبعد التواصل معه علمنا بأنه لا يريد بيع البيت في المخيم، ما أدّى إلى نزاعٍ بينهم. لكن بعد التواصل معه، ومعرفة أسباب تمنّعه عن بيع البيت، استطعنا تقريب وجهات النظر بينهم، وحل المشكلة التي كانت تكبر داخل البيت الواحد".

تضيف: "هذه عيّنة من العمل الذي أقوم به في اللجنة الشعبية. صحيح أننا ناضلنا وما زلنا لدخول اللجنة، وهذا العمل متعب، غير أنه أعطاني الثقة بنفسي، وقوّى شخصيتي، وشدّ من عزمي، فأنا أقوم اليوم بمهامٍ كانت محصورة بالرجال في وقت ليس ببعيد".

صحيح أننا ناضلنا وما زلنا لدخول اللجنة، وهذا العمل متعب، غير أنه أعطاني الثقة بنفسي، وقوّى شخصيتي، وأنا أقوم اليوم بمهامٍ كانت محصورة بالرجال في وقت ليس ببعيد

وتروي آمنة كيف أنها استطاعت أن تكسب ثقة الناس، من خلال عملها الميداني، "كما أن وجودي في اللجنة غيّر من شخصيتي بشكل إيجابيّ، وصرت أعمل بين الرجال، وأحضر اجتماعات معهم، وأحل مشكلات الناس، وأوقّع على العقود، وتعززت ثقتي بنفسي، وصرت مخوّلةً لممارسة الدور السياسي الذي من خلاله يُطرح الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي في المخيم".

"رغبت في أن أعزّز شخصيتي، وأن أشارك في مضمار العمل السياسي، جنباً إلى جنب الرجل، وقمت بدوراتٍ تؤهّلني للدخول في معترك العمل السياسي، وصرت عضوةً في اللجنة الشعبية في مخيم عين الحلوة"، تروي نجاة ميعاري تجربتها مع اللجان الشعبية. وتقول: "أعمل تحديداً في الشقّ الصحي، ومتابعة أمور التعليم والتربية، وصرت أشعر بأنني متساوية مع الرجل في اتّخاذ القرار، وحلّ المشكلات، وصرت جزءاً من العمل".

تضيف: "خوّلتني هذه التجربة أن أطلع على أوضاع الناس في المخيم، وأناقش وضعهم الاقتصادي والصحي، وأعمل على خدمتهم في تأمين الأوضاع الصحية، ورعايتها، كما أنني أتابع الأمور التربوية للطلاب داخل مدارس الأونروا في المخيم، والحالات التي تحتاج إلى متابعة أعمل على متابعتها، وتذليل عقبات المشكلة الواقعة".

تختم: "العمل في خدمة مصالح الناس ليس بالأمر اليسير، لكنه يحتاج إلى جهد وعمل كبيرين حتى نحقق ما نريده، لذلك وحتى أكون على قدر المسؤولية، خضعت لدورات تدريبية من أجل تعزيز قدراتي وشخصيتي، وخضت التجربة، وأنا فخورة كوني أساهم في معالجة أوضاع الناس المقيمين في المخيم بشكل عام".

على الرغم من المجهود المبذول حالياً، ومحاولة المرأة المشاركة في العمل السياسي، غير أنها لا تتبوّأ المراكز الأولى في اتّخاذ القرار، وتبقى الأمور محصورةً في كُل ما يُرضي الفئة المسيطرة، أي الذكور

خاضت المرأة، وعلى مرّ عقود، تجربة العمل السياسي، والاجتماعي والتربوي والصحي، وكان دورها مهماً، لكن نظرة الرجل إليها بشكلٍ عام جعلتها محدودةً في الكثير من المراحل، وتقتصر على الاهتمام بالأعمال المنزلية، ما أدّى إلى تراجع دورها، حتى في العمل السياسي، فهي اليوم لم تعد فاعلةً، كما كانت عليه في بداية انطلاقة الثورة الفلسطينية، إذ خسرت دورها الريادي، وتم تهميش دورها السياسي.

وعلى الرغم من المجهود المبذول حالياً، ومحاولتها المشاركة في العمل السياسي، غير أنها لا تتبوّأ المراكز الأولى في اتّخاذ القرار، وتبقى الأمور محصورةً في كُل ما يُرضي الفئة المسيطرة على القرار السياسي، أي الذكور، لأن النظرة السائدة هي أنها غير مؤهلة لتبوّء هذه المراكز، مهما وصلت إلى درجة عالية من قوة الشخصية، والإرادة، والقدرة على القيادة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard