شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
نداءات الباعة الجائلين... إعلانات موسيقية ألهمت الملحنين

نداءات الباعة الجائلين... إعلانات موسيقية ألهمت الملحنين

ثقافة

الأربعاء 20 يوليو 202210:30 ص

أدرك الباعة الجائلون منذ فترات زمنية مبكرة أهمية الشعارات المغناة في اجتذاب الزبائن، ولفت نظري واحد من الموضوعات المهمة بعنوان "من ده بكره ... بقرشين" نشرته مجلة الدنيا المصورة في 29 يونيو/ حزيران 1930. أشار الكاتب فيه إلى أهمية هذه النداءات المنغّمة في لفت أنظار الزبائن إلى بضاعتهم. كما أنها لا تحتاج إلى مبالغ طائلة من الأموال على اعتبار أنها من وسائل الإعلان؛ إذ ليس مطلوباً منهم طباعة هذه الشعارات على أوراق أو نشرتها في الصحف والمجلات أو زخرفة عرباتهم في الشوارع، بل غاية ما في الأمر أن يرفعوا عقيرتهم بالغناء وتنغيم الكلمات في الشوارع والميادين.

تطوّر النداءات

لا شك أن هذه النداءات تطوّرت مع مرور الوقت وأخذت أشكالاً متنوعة باختلاف السلعة التي يروّج لها كل بائع متجول. والغريب في الأمر أيضاً، كما ترى د. فاطمة حسين المصري في كتابها الشخصية المصرية من خلال دراسة الفلكلور المصري (1984)، أن هناك مزجاً عجيباً من المعاني التصويرية التي تزين هذه السلعة أو تلك في أعين الزبائن. فهذا المزج غالباً ما يكون عن طريق الدمج في النداء بين سلعة قليلة السعر وأخرى باهظة، على سبيل المثال: "لوز يا بامية، لوبيا يا فجل، رمان يا طماطم، خدّ الجميل يا قصب وتمر يا جزر".

قدرات عالية على جذب الزبائن واستخدام الفن ودمجه مع الخيال لاستخراج صور رائعة عن المنتج الذي يبيعونه... نداءات الباعة الجائلين التي ألهمت ملحنين زمانهم

من أبرز أمثلة النداءات التي رُصدت في القاهرة خلال الثلاثينيات من القرن الماضي: "عريض وأخضر" وهو النداء الذي كانوا ينادون به عن الفجل، نظراً لاحتوائه على كمية كبيرة من الفيتامين، والباعة يعلمون بطبيعة الحال أنه يساعد على الهضم وفتح الشهية. ومن النداءات المعروفة: "الخيار المنيلاوي يا لوبية"، فهذا النداء يشير إلى جودته وطراوته، بات معروفاً أن الخضروات والفواكه كانت تُنسب إلى المكان الجغرافي الذي تنمو به ولذلك يُقال: الشمّام البسوسي، البصل البحيري، الفول الصعيدي، الرمان المنفلوطي، التين البرشومي، البطيخ البباوي، الفسيخ النبراوي، العنب الفيومي، الرز الرشيدي والملوخية المطراوي.

الدنيا المصورة، 1930

أصبحت هذه النداءات مع الوقت أشبه بالحكم والأمثال الشعبية الصالحة لكل وقت، ويلاحظ المستمع إليها أنها تضم في تكوينها مجموعة من العناصر الفنية، أبرزها التصوير ورشاقة العبارة الزجلية. فهناك من ينادي على العنب بقوله: "يا جواهر بمال يا بيض اليمام يا عنب". فهي كناية عن لمعان حبات العنب كحبات اللؤلؤ، وأن البائع يشتريه بثمن قليل مقارنة بحلاوته، ولكونه صغير الحجم مثل بيض اليمام، فهو بذلك يحتوي على كمية كبيرة من السُكّر والعصير الذي ينقي الدم ويساعد في عملية الهضم. أما النداء الأشهر إلى يومنا هذا فهو "حمار وحلاوة على السكين" الذي يُنادى به على البطيخ، فثقة بائع البطيخ ببضاعته تجعله لا يتردد أن يشق للمشتري قطعة من البطيخ بلونها الأحمر الشهي دون تردد.

يذكر كاتب المقال السابق في الدنيا المصورة، أن قرص الطعمية كانوا يشبهونه بالكباب عند النداء عليه، فيقولون: "طعمية كباب" وكأنك تشتريها من عند الحاتي نفسه! لكن يظل النداء الأغرب هو "يا جميز الوزنة بنكلة يا عسل"، وهي صورة بليغة وكناية عن أن سعر فاكهة الجميز في متناول الجميع، حيث أن وزنه بنكلة وهي عملة مصرية قديمة وهو في حلاوته يشبه عسل النحل.

هناك من ينادي على العنب بقوله: "يا جواهر بمال يا بيض اليمام يا عنب". فهي كناية عن لمعان حبات العنب كحبات اللؤلؤ، وأن البائع يشتريه بثمن قليل مقارنة بحلاوته، ولكونه صغير الحجم مثل بيض اليمام

وكذلك كانوا ينادون على البلح بقولهم: "ياللي العسل منك يا ضاني يا أَمهات" فالبلح الأَمهات هنا يشبه في حلاته العسل الأبيض، كما أنه يذوب في الفم مثل لحم الضأن في جزالته ودسامته. وعندما يتعلق الأمر ببيع المواشي نجد "بكره من ده بقرشين" وعادة يُستخدم في النداء على جاموسة أو جمل أو عِجل، وهو دليل عن أن سعره زهيد وفي متناول الجميع، وقد جرت العادة أن يُقسّم هذا النداء إلى قسمين بالتناوب بين صبي الجزار (حنفي على سبيل المثال) والصبية الذين يجرون خلفه. فيقول الصبي: "بكره من ده..." فيرد الصبية: "بقرشين..."، وهكذا إلى أن يقول: "عند حنفي" ويأتي الرد: "بقرشين".

ولم يتوقف أمر النداءات المبتكرة الغريبة عند هذا الحدّ، فكان هناك رجل ينادي على أحد أنواع الحلوى المعروفة بنبوت الغفير بقوله: "الأورلي أورلي نبوت الغفير العال العا...ل". ولعل هذا ما ألهم المونولوجست عبد الله شداد لنظم مونولوج يضمّ نداءات هؤلاء الباعة في إطار كوميدي، تناقله جمهور ذلك الزمان.

الشيخ سيد درويش

النداءات الملهمة

ألهمت هذه النداءات العديد من الملحنين والمطربين، وعلى رأسهم جميعاً فنان الشعب سيد درويش، والذي يقول عنه المستشرق إدوارد لويس في بحثه المعنون بـ"سيد درويش والموسيقى العربية الحديثة" ضمن كتاب سيد درويش حياة ونغم (1970) الذي أعدّه محمد علي حمّاد:

"كان سيد درويش يعمل في أكثر الأحيان على أساس نصوص مكتوبة ولكن كان يحدث أن وقائع يومية صغيرة من حياة هذا الشعب، الذي كان يحبه ويفهمه تكفي لإلهامه، ففي مساء يوم يسمع صوت حمَّال في جزيرة بدران حيث كان يسكن، فيستفزه الحماس ويغادر المنزل ويتتبع هذا اللحن الخام الرائع من شارع لآخر. وفي بولاق يسمع صوت بائع متجوّل فينصت إليه يغني بلهجة مصر العليا (عجائب تمره) وفي المساء ذاته يروي تجربته إلى بديع خيري، فتولد الأغنية الشعبية: مليحة جوي الجلل الجناوي، رخيصة جوي الجلل الجناوي".

الجُلة هنا ما هي إلا الُقلة وهي عبارة عن إناء من الفخار لشرب الماء. ولم يكن سيد درويش وحده الذي أُعجب بطريقة الباعة المتجولين في النداء على بضاعتهم، فهناك أيضاً طقطوقة "العرقسوس" التي كتبها حسين حلمي المانسترلي ولحنّها وغنّاها أحمد شريف، ومن يستمع إليها يدرك في الحال تضمينها لشعار بائعي مشروب العرقسوس في الشوارع "شفا وخَمير يا عرقسوس"، وهي عبارة تدل على فوائده في الهضم كما أن له رغوة مميزة. والأمر ليس ببعيد عن سلطانة الطرب منيرة المهدية التي غنّت من كلمات يونس القاضي وألحان سيد درويش:

"صابحة الزبدة... بلدي الزبدة/ يا أولاد بلدي... زبدة يا ولدي/ اشتري وأوزن... عندك وأخزن/ وأوعَ تبيعها... ولا تودعها/ عندي اللي يخون... لتعيش مغبون/ وإزاي حاتهون/ بلدي). وهي تورية ذكية استعملها القاضي لمناهضة المحتل الإنجليزي، حيث كانت الرقابة مفروضة حينها على المسرح والصحافة.

لا شك أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة موسعة، لكننا اكتفينا هنا بإعطاء بعض النماذج حول مهارة هؤلاء الباعة وقدرتهم العالية على جذب الزبائن واستخدام الفن ودمجه مع الخيال لاستخراج صور رائعة عن المنتج الذي يبيعونه. فمع الوقت أصبحت هذه النداءات جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية المصرية عبر أجيال عدّة.

Website by WhiteBeard