“الطعم لذيذ والتقشف لا مفر منه“... قصص من مأكولات عربات الشارع في تونس

الخميس 22 أكتوبر 202004:38 م

واصل فيروس كورونا زحفه العالمي مخلفاً أثراً كبيراً في كل البلدان التي اجتاحها، فقد قلب موازين الحياة اليومية والاقتصاديات العالمية. للمثال، في تونس انكمش الاقتصاد المحلي خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 11، 9 في المئة، حسب ما كشفه المعهد الوطني للإحصاء.

وقد ساهمت تداعيات هذا الفيروس في تغيير عادات بعض التونسيين، خاصة ما يتعلق بإمكانياتهم المادية، التي لم تعد تسمح لهم بممارسة حياتهم المعتادة، التي كانت يلفّها القليل من الرفاهية، لينتقلوا إلى نظام (كبس السنتورة)، وهو ما يعني بالتونسي "الاقتصاد في المال قدر الإمكان".

وقد انطلق تونسيون في نظامهم الجديد من خلال العودة إلى شراء السلع من الباعة المتجولين والمنتصبين على الأرصفة، وأمام واجهات المحال، ولعل أبرز ما يلفت الانتباه، هو الطوابير خاصة في الصباح الباكر، ومنتصف النهار قرب أطباق عربات الشارع مثل كسكروت العياري، والمروب، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن سبب هذا الإقبال المفاجئ. 

كسكروت الزوالي

"المتعارف عليه اليوم أن التغيرات الاقتصادية تؤدي حتماً إلى تغيرات اجتماعية، فالاقتصاد هو الرئة التي يتنفس بها المجتمع، فهو مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الجسد بالسهر والحمى"، هكذا يفتتح حسان (25 عاماً)، موظف بشركة تأمينات، حديثه لرصيف22 بخصوص تدهور القوة الشرائية لدى المواطن التونسي، وعودته للإقبال على السلع الأقل ثمناً، والتي تتلاءم مع الوضع الحالي الذي تمرّ به البلاد.

"لم أفكر من قبل أن أشتري من هؤلاء، كنت أعتقد أن ذاك السندويش الزهيد الثمن غير لذيذ أو بالأحرى غير نظيف، لكن تذوقته مرة من زميلي في الصف، وكانت بمثابة ضربة الحب الأولى"

يقف حسان أمام أحد بائعي كسكروت عياري لتناول فطور الصباح، قائلاً: "هذا حال الموظف، قد أصبح التقشف واقعاً لا مفر منه نتيجة غلاء المعيشة". ويثني على اللذة التي تجذبه إلى تناول العياري صباح كل يوم جديد.

وكسكروت العياري أكلة شعبية تونسية ينسبها البعض إلى أولاد عيار، المنحدرين من محافظة سليانة شمال غربي تونس، وتتمثل في خبز "طاجين"، وهو خبز يتم طهوه على آنية من الفخار أو الحديد وهريسة ( فلفل حار معجون)، وبيض، وزيت زيتون، وتونة، وقد تتم إضافة الجبن، والسلاطة المشوية (فلفل مشوي) مع قليل من الثوم.

ويستدرك حسان قائلاً: "هذه اللقمة أصبحت من الموروث الشعبي التونسي، نظراً لعراقتها، وتاريخها. فقد كانت أكلة أجدادنا المفضلة يتناولونها صباحاً مرفوقة بالمروبّ، وهو بيض مسلوق لم ينضج بعد، نظراً لما تحتويه من فيتامينات، وبروتينات".

وجبة صحية

تستقطب عربات كسكروت العياري عدة فئات اجتماعية  من موظفين وعمال وطلاب ومسؤولين، وأصبحت من بين الأكلات، التي تنافس الوجبات الأكثر شعبية في تونس، مثل "الكفتاجي"، و"صحن التونسي"، و"اللبلابي".

تقول سندة عون، اختصاصية في التغذية لرصيف22: "يتكون سندويش العياري من البيض والجبن والفلفل وزيت الزيتون والثوم، وهي جميعها مكونات غذائية طبيعية، وصحية، فالبيض يوفر حاجة الجسم من البروتين، وفيتامين د، أما الجبن فيحتوي على الكالسيوم المهم لصحة العظام والمفاصل، ويحتوي الفلفل على مضادات الأكسدة التي تحارب الجذور الحرة وتمنع تكون الخلايا السرطانية، ونجد أيضاً زيت الزيتون التونسي، المعروف بجودته العالية، والذي يحارب الشيخوخة، ويقوي العضلات، فضلاً عن تقوية المناعة التي يشترك فيها مع الثوم، المكون الاساسي لكسكروت العياري، والذي له فوائد لا تعد ولا تحصى، لعل أهمها أنه مضاد حيوي طبيعي، إضافة إلى احتوائه على مركبات كبريتية من شأنها التقليل من أعراض بعض الأمراض المزمنة على غرار مرض السكري وتصلب الشرايين".

"أنظف عربتي وأغطي الأواني"

ويقول محمد (43 عاماً) صاحب عربة لبيع العياري، إنه يعمل دائماً على تنظيف عربته، وتغطية الأواني التي يضع فيها المكونات الغذائية، ضماناً لاستمرارية العمل وصحة المواطنين، مؤكداً أن هناك إقبالاً كبيراً على هذه الأكلة الشعبية، نظراً لسعرها المناسب، الذي لا يتعدى سعر الساندويتش دولار واحد، إضافة إلى فوائدها الغذائية والصحية.

ويثني فهمي (30 عاماً)، موظف بشركة اتصالات على كسكروت العياري، قائلاً لرصيف22: "إنه يكسبك الكثير من الوقت، حيث لست بحاجة إلى قطع تذكرة كما في المطاعم الأخرى، والانتظار طويلاً، فهنا يتم تحضير الوجبة بسرعة، وتكون خفيفة، وصحية، وغير مزعجة بدنياً".

تجارة تزدهر

يظل القرار الذي أعلنته الحكومة برفع الكراسي والطاولات من المطاعم والاقتصار فقط على بيع السندويتشات في إطار الإجراءات الاحترازية من انتشار عدوى فيروس كورونا، عاملاً إيجابياً بالنسبة لبائعي كسكروت العياري، والمروب، حيث ازدهرت تجارتهم مقابل كساد في المطاعم.

كما أصبحت عربات بيع العياري تستقطب مزيداً من العمال والعاطلين للعمل عليها، وهو ما يمثل عنصراً إيجابياً للحد من البطالة وإنقاذ بعض العائلات التي تشردت بسبب فقدان عملها.

يقف حسان أمام أحد بائعي كسكروت عياري لتناول فطور الصباح، قائلاً: "هذا حال الموظف، قد أصبح التقشف واقعاً لا مفر منه نتيجة غلاء المعيشة، ولكن طعمه لذيذ"

وبحسب دراسة أعدتها وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن وباء كوفيد-19 سيؤدي إلى انخفاض بنسبة 4.9 ٪ في إجمالي الاستثمار، و 8 ٪ للاستهلاك الأسري والصادرات، مع انخفاض متوقع في الواردات بنحو 9.6٪.

بالإضافة إلى ذلك فإن الحجر الصحي وانخفاض الإنتاج يؤديان إلى زيادة في معدل البطالة بـ 21.6٪ مقارنة بـ 15٪ عام 2019 ، أي ما يقارب 274،500 عاطل جديد في عام 2020. ومن المتوقع أن يرتفع معدل الفقر المالي إلى 19.2 ٪ مقابل 15.2٪ أواخر العام الماضي؛ مما سيؤدي إلى انخفاض مستوى دخل حوالي 475.000 فرد ووضعهم تحت خط الفقر.

سارة (22 عاماً) طالبة من تونس، تمر يومياً عبر شوارع العاصمة حيث تنتشر عربات كسكروت العياري تقول لرصيف22: "لم أفكر من قبل أن أشتري من هؤلاء، كنت أعتقد أن ذاك السندويش الزهيد الثمن غير لذيذ أو بالأحرى غير نظيف، لكن تذوقته مرة من زميلي في الصف، وكانت بمثابة ضربة الحب الأولى، فقد أدمنته وأصبحت أرتاد عربات بيع المروب يومياً، لقد أصبح إدماناً مثل قهوة الصباح تماماً".

يوافقها أصدقاؤها الذين رافقوها الرأي، ويقول أحدهم مازحاً: "لا نخفي سراً أن أسعاره أيضاً مغرية بغض النظر عن مذاقه اللذيذ، لكن نحن كطلبة لا نقدر على الأكل في المطاعم الفاخرة يومياً، لذلك يكون العياري ملجأنا الوحيد خاصة خلال جائحة كورونا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard