الموت والسلحفاة ومنظر الدم، عن الخوف وأشياء أخرى

السبت 2 يوليو 202211:00 ص

الخوف

يندرج المقال في ملف عن الخوف أعده وأشرف عليه تمّام الهنيدي.

أظنُّ، وليس كل الظن إثم، أن الخوف لن يفارقني ما دمت حياً، فقد عاش في داخلي منذ الطفولة وصرنا "عِشْرَة عُمْر". أخاف من أشياء قد تبدو من وجهة نظر البعض "تافهة" ولكنها بالنسبة لي أمر عظيم، لو كنتم تعلمون. يخيفني الظلام الدامس ولا يُغمض لي جفن، ورؤية ثعبانٍ واحدٍ كفيلة بأن تجعلني أرتعش خوفاً كمن مسّه عفريتٌ من الجنّ.

بدأت حكاياتي مع الثعابين في فترة الطفولة عندما شاهدتُ جمعاً من البشر يقفون أمام بيت أحد جيراننا. كان الأمر جللاً ويستحقُّ المشاهدة، إذ يقف رجل غريب على القرية يرتدي جلباباً أسودَ اللون، ويعتمرُ طاقية صُنعت من الصوف فوق رأسه، وشالاً أبيض، ولم ينجُ من أصابع يديه العشر من الخواتم الفضيّة سوى أربعة؛ يمسك بعصاه التي يضرب بها جدران إحدى الحجرات وهو يتمتم بكلمات لم أسمع منها بوضوح غير "مدد... مدد يا رفاعي مدد... اظهر وبان عليك الأمان".

كان صائدو الأفاعي في القرى النائية يترجلون في الشوارع لإخراج الثعابين التي تسكن في بيوت الأهالي مقابل مبلغ من المال، ثم يضعونها داخل حقيبة من القماش، وأمام بيت جارنا وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف يُخرج "الحاوي" ذلك الثعبان الكبير بعد أن أكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه يسكن في الحجرة الأخيرة من بيته داخل جحرٍ عميق تحت الأرض. لحظات عصيبة وخوف يزداد مع تلاوة صائد الأفاعي "العهد" الذي يعتمد على عدم خيانته للأفعى، ويضمن لها الخروج الآمن من بيت الجار، وبعدها يطلق سراحها في المناطق الجبلية.

أظنُّ، وليس كل الظن إثم، أن الخوف لن يفارقني ما دمت حياً، فقد عاش في داخلي منذ الطفولة وصرنا "عِشْرَة عُمْر"

لحظات من السكون قطعها صوتُ صراخ الصِّبية وأنا معهم عندما خرج الحاوي ممسكاً برأس ثعبان أسود، بينما باقي جسده يلتف حول عصاه، وبرغم شجاعة الحاوي إلا أن الاتهامات بالنصب والسحر طالته من بعض الواقفين، بل إنّ أحدهم تطوع ووصفه بأنه وأمثاله امتداد لـسحرة فرعون موسى: يخدعون الناس ويربطون الثعابين حول وسطهم تحت ملابسهم الفضفاضة، وطلب منه صراحةً أن يُثبِت للجميع أن الثعبان ليس من سِحره، ويضعه داخل إناء مملوء بماء وملح، فإن ظلّ مكانه دون أن يختفي فهو صادق، وسوف يحصل على المال الذي يطلبه، وإن اختفى فإنّهُ سيتلقى لطمة فوق وجهه دون إبداء أي ردّ فعل.

لم يكن يعنيني ذلك التحدي والتشكيك في قدرات الحاوي بقدر الخوف الذي أصابني من منظر الثعبان وهو يخرج لسانه من حين لآخر وترك لي "فوبيا" سوف تعيش معي إلى أن ألقى وجه الله الكريم.

فوبيات متعددة

تعددت الـفوبيات والخوف واحدُ، لا أنسى ما حييت شكل السلحفاة التي أخرجها ذلك الرجل قوي البنية والشارب الكثيف من قطعة قماش كان يضعها فوق حماره بعد أن أقنع بعض نساء القرية أن من تمرُّ فوقَها سبع مراتٍ سوف تنجبُ خلال أربعين يوماً، مستغلاً حلم الأمومة الذي يراودهن والخوف من عدم الإنجاب، ما دفع بعضهن للمرور فوق السلحفاة التي تتحرك ببطءٍ كعادتها، وفي نهاية المشهد التمثيلي الذي تولى إخراجه بنفسه أعطته النساء بعض المال، بينما منحته أخريات خبزاً وبعض قطع الجبن.

نحو عشرين عاماً مرّت على هذه الواقعة العبثية وما زلت أخاف من منظر السلحفاة. ظلّت إحدى جاراتنا اللواتي لم ينجبنَ، تُلقي اللائمة على نفسها معتقدةً أن سبب عدم إنجابها هو أنها لم تمرّ سوى ست مرات فقط فوق السلحفاة، ونسيت السابعة.

"اكتبوا رسالة أو يوميات أو بعض ملاحظات على ورقة أثناء كلامكم بالتليفون لكن اكتبوا، الكتابة تقربنا من الله ومن الناس، ومن شأن ورقة وقلم أن يصنعا معجزات أو يداويا آلاماً، ويحققا أحلاماً، ويعيدا الأمل الضائع... الكلمات ذات قدرة"

ذات يوم نعتني والدي عندما رفضت أن أمسك له طير الحمام ليتمكن من ذبحه بالسكين، لتتولى أمي المهمةَ بدلاً مني، قائلاً: "قلبك خفيف"، وبخفة ظلٍّ شديدة سألته: "طيب وأنت عرفت وزنه منين؟". كان نصيبي بعدها قدراً لا بأس بهِ من التوبيخ، إذ ظن أني أسخر من كلامه لا سمح الله. كنتُ طفلاً ساذجاً للدرجة التي اعتقدتُ فيها أن السكين لا تصلح إلا لتقطيع قشر الرمان، ولكن اتضح أن لها مآرب وقدراتٍ أخرى: منها ذبح الحمام البريء الذي لو كان يعرف مصيره بعد أن يكبر لرفض الأكل، ومات بالحسرة فوق السطح.

أصابتني تلك الواقعة بالخوف من منظر الدم. كان والدي مخطئاً عندما وصف قلبي بـ"الخفيف". كان من الأجدر أن يستبدله بـ"الطيب" وهو يشاهدني طوال شهور الصيف وأنا أضع الماء فوق سور الشرفةِ لتشرب منه العصافير. 

ذات يوم نعتني والدي عندما رفضت أن أمسك له طير الحمام ليتمكن من ذبحه بالسكين، لتتولى أمي المهمة بدلاً مني، قائلاً: "قلبك خفيف" وبخفة ظل شديدة سألته: "طيب وأنت عرفت وزنه منين؟" كان نصيبي بعدها قدراً لا بأس بهِ من التوبيخ إذ ظن أني أسخر من كلامه لا سمح الله

‌ظل الخوف يكبر بداخلي، لا يفارقني. كنت في طفولتي أدون وأكتب كل المواقف التي تقابلني، وفكرت ذات مرة في كتابة كل الأشياء التي تخيفني على وجه التحديد فلربما ساهمت كتابتها فوق ورقة بالتخفيف عني. تملكتني الشجاعة وأمسكت ورقة وقلماً وكتبت بحبر أسود على ورق أبيض، ودعوت الله ألا يضيق المساحات. يقول الروائي باولو كويلو: "اكتبوا رسالة أو يوميات أو بعض ملاحظات على ورقة أثناء كلامكم بالتليفون لكن اكتبوا، الكتابة تقربنا من الله ومن الناس، ومن شأن ورقة وقلم أن يصنعا معجزات أو يداويا آلاماً، ويحققا أحلاماً، ويعيدا الأمل الضائع... الكلمات ذات قدرة"، ولكن يبدو أن كويلو كان يقصد كل الكتابات ما عدا الكتابة عن الأشياء التي أخافها.

الخوف في تعريفه هو ذلك الشعور الذي يصيب الإنسان عند تعرضه لأشياء أو مواقف تشعره بالخطر. أحياناً يكون الخوفُ مبالغاً فيه وغير ضروريّ، فيصبح الإنسان بسببه أكثر حذراً؛ فليس من الضروري، ولا داعي للخوف من الموت الذي يهابه الجميع مع أنه الحقيقة الوحيدة المؤكدة على هذه الأرض.

كانت أمي تحذرني عند خروجي للشارع من عبور الطريق أمام السيارات السريعة حتى لا تدهسني عجلاتها وأموت صريعاً. وفي إحدى الصباحات استيقظتُ على صوت أمي وهي تنشر ما تبقى من غسيل أمام خيوط الشمس الحارقة، وما إن انتهت حتى اتجهت ناحية المطبخ لتعد إفطاراً لصبية لا يفقهون في الحياة سوى أكل أكثر لذة. أمسكتْ بعض النقود ومدّتها ناحيتي بينما كنت أنظر لها بعينين نصف مفتوحتين أرهقهما السهر، وقالت: "اشترِ لي بناً". وقبل مغادرة البيت عادت تذكرني بالمحرّمات: عدم عبور الطريق أمام السيارات المسرعة، ومعاكسة الفتيات.

غادرتُ البيت، وفي طريقي شاهدت سيدة عجوزاً تعبر الشارع وتمشي ببطءٍ كسلحفاة ضلت طريقها في الغابات الاستوائية. كانت السيدة تحمل كيساً أسودَ في داخله ما يُشبهُ الفاكهة أو البرتقال. وعلى بعد خطوات منها كان يقف شاب على قارعة الطريق يوزع الابتسامات وكلمات الغزل على كل فتاة شاءت الأقدار أن تمرّ من أمامه. أراه كعادته يرتدي نفس القميص الذى ربما ورثه عن جده الأكبر نظراً لأن موضة القميص ترجع إلى فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، ولكن ابتسامته الجذابة التي لا تفارق وجهه، والتي استغلها في معاكسة الفتيات كانت تصرف النظر عن "قميصه المهلهل".

أمام بائع البن وقفت أتأمل الشوكولا وعلب الشاي وأكياس السكر، والسجائر رخيصة الثمن المرصوصة بجوار زجاجة وحيدة عرفت أن فيها مشربَ التفاح. انتبه لي الشاب الهزيل الذي يقف في "دكان" صغير يكاد أن ينقضُّ فوقه من الحزن. قلت: "هات لي بناً"، وأعطيته النقود التي سوف آخذ بقيمتها البن. تناول العلبة من فوق أحدِ الرفوف الخشبية، وسكب القليل من البن على ورقة من كتاب التاريخ. غادرت المحل وقبل عبور الطريق كانت هناك حالة من الفوضى تنذر بوقوع حدث ما. تخيلت أنها السيدة العجوز التي تسير ببطء، ولكن عندما اقتربتُ وجدتُ الشاب ممدداً، يحيطه القليل من الناس، غارقاً في دمائهِ بعد أن دهسته إحدى السيارات السريعة ولاذت بالهرب.

ماذا لو غرقتُ في بانيو مملوء بالكابتشينو، هل سأموت سعيداً؟

مات ولم تفارق الابتسامة وجهه، كأنه كان سيموت حتماً، حتى لو حذرته والدته من معاكسة الفتيات وعبور الطريق أمام السيارات.

وصلتُ البيت. فتحت لي أمي الباب. ناولتها البنّ بعد أن أمطرتني بعددٍ لا بأس به من الشتائم بسبب تأخيري. دخلتُ غرفتي وأنرتُ المصباح. ألقيت بنفسي على الفراش، وأنا أفكر في الأشياء التي أخاف منها وأحاول أن أتلاشها: لا أنام في الظلام، ولا أمسك سكيناً وأذبح الطيور، لا أزور صديقي الذي يربي سلحفاة في بيته. ولكن أسئلةً كثيرةً بحاجة إلى إجاباتٍ دارت في عقلي: لماذا كلّ هذا الخوف من الموت والمجهول الذي يحرمني أبسط لحظات السعادة؟

بل إنّ الأسئلة غير المنطقية زادت، وصارت أكثر طفوليةً وسذاجة؛ أتساءلُ مثل: ماذا لو غرقتُ في بانيو مملوء بالكابتشينو، هل سأموت سعيداً؟ وهل يعيش الأرنب سعيداً داخل قبعة الساحر أم أكثر سعادة وهو في جحره؟

لم أفقد عقلي حينها ولم أكن أكلم نفسي كممسوسٍ، ولكني كنت أوجه اسئلتي الغريبة إلي صديقي العنكبوت الذي يسكن سقف الغرفة، والأغرب أنه لم يرد!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard