شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ما يمكنني قوله كفلسطيني عن إسرائيل في إسرائيل، لا أستطيع قوله في ألمانيا

ما يمكنني قوله كفلسطيني عن إسرائيل في إسرائيل، لا أستطيع قوله في ألمانيا

رأي

السبت 25 يونيو 202203:07 م


أن تعرّف عن نفسك على أنك فلسطيني في ألمانيا ليس بالأمر السهل، خاصة عندما يتعلق هذا "الأمر" بكافّة تفاصيل حياتك، بدءاً من البحث عن غرفة للسكن أو إيجاد عمل أو خوض أي نقاش عابر مع غرباء عابرين. ببساطة، أنت فلسطيني. إذاً أنت تُهمة متحركة حتى يُثبت عكسها، وعلى الأغلب، لن يثبت هذا العكس على الإطلاق. وكلما خطونا خطوة إلى الأمام تتسع المسافة وتكبر، لكننا لم نكن ندرك قبل ذلك أن هذا الأمام لم يكن إلا خطوة أخرى نحو الجحيم. وجحيمنا باردة هذه المرة.

أن تعرّف عن نفسك على أنك فلسطيني في ألمانيا ليس بالأمر السهل، خاصة عندما يتعلق هذا "الأمر" بكافّة تفاصيل حياتك.

لطالما كانت معاداة السامية هي التهمة الجاهزة والمغلفة بعناية تجاه أي نقد ممكن لإسرائيل في هذا البلد. بالطبع، نستطيع تفهم الأسباب التاريخية العميقة وراء ذلك، خاصة أن قطارات الموت ومعسكرات الاعتقال وأفران الغاز لا تزال شاهدة على حفلة الهولوكست الكبيرة، وهي واحدة من أبشع الحقب الدموية في تاريخ البشرية، وكذلك نستطيع تفهم الشعور الألماني العميق بالذنب بعد انتهاء حفلتهم الصاخبة، هذا كله مفهوم بالنسبة لي ولا غرابة فيه. لكن ما هو غير مفهوم، لماذا علي أن أشعر بعقدة الذنب هذه؟ لماذا يجب علي - كفلسطيني يعيش في ألمانيا - أن أدفع هذا الثمن؟

في عام 2019 أعلن البرلمان الألماني أن "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، تستخدم أساليب معادية للسامية لتحقيق أهداف سياسية" أو هذا ما استوعبته على الأقل، نعم. كل عطسة هُنا قد تصبح معادية للسامية، وهذا قد يقلب حياتك رأساً على عقب. كان الأمر بسيطاً إلى هذا الحد بالنسبة لي. ما تستطيع قوله عن إسرائيل في إسرائيل، لا تستطيع قوله في ألمانيا، وهو ما كان مضحكاً بشدة في البداية، ولكن مع مرور الوقت، بدأ الأمر يتحول إلى كابوس مزعج حتى على المستوى الشخصي.

نستطيع تفهم الشعور الألماني العميق بالذنب بعد انتهاء حفلتهم الصاخبة، هذا كله مفهوم بالنسبة لي ولا غرابة فيه. لكن ما هو غير مفهوم، لماذا علي أن أشعر بعقدة الذنب هذه؟ لماذا يجب علي - كفلسطيني يعيش في ألمانيا - أن أدفع هذا الثمن؟

تحاول المؤسسة الألمانية جاهدة للسيطرة على فضاء اللغة، ومن هُنا تستطيع إحكام سيطرتها على ما قد ينتج من أفكار في أذهان دافعي الضرائب. ثمة مصطلحات وكلمات ومفاهيم وأفكار جاهزة يمكن تداولها، في مقابل بعض الأفكار والكلمات التي يمكن أن تعرضك للمساءلة القانونية. ومن هُنا، تبدأ ماكينة الخراء الهائلة بالدوران، هناك ما يمكنك قوله وهناك ما لا يمكنك قوله. تجنب الحديث عن إسرائيل واليهود… لا تتحدث عن النازية… تجنب الحديث عن غزة والقدس… ماذا تقولون؟ إنه حق إسرائيل في الوجود. إسرائيل ديمقراطية ويهودية في الوقت نفسه… الهولوكوست… هششش أخفض صوتك... حتى لم يعد بإمكان أحد أن يشتم إسرائيل دون أن يواجه عواقب هذا التهوّر.

شيئاً فشيئاً، يبدأ دافع الضرائب المحترم بالتماهي مع دورة الهراء هذه، ويقوم بإعادة إنتاجها بوعي أو دون وعي، وفي لحظة ما، يصبح الفصل بين اللغة والأفكار الناتجة عنها مجرد وهم، إذ تفرض عليك هذه اللغة "المسموحة" طريقة ما لتعريف نفسك داخل هذه المنظومة، حيث تشكّل الكلمات وجهة نظرك عن الحياة كما تشكّل الطريقة التي تشعر بها تجاه نفسك والعالم. وكذلك تفعل الكلمات التي لا نجرؤ على قولها.

الأمثلة أكثر من أن تُحصى فيما يتعلق بمحاولات السيطرة على اللغة والنقاش العام.

الأمثلة أكثر من أن تُحصى فيما يتعلق بمحاولات السيطرة على اللغة والنقاش العام، ولعل أبرز الأمثلة هو الوثيقة التي سُربت من مكاتب "دويشته فيله" في أيار/ مايو 2021 أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة.

سياسة التحرير التي وُزعت على الصحافيين والموظفين في المؤسسة من قبل رئيسة التحرير مانويلا كاسبر كلاريدج تقول "نحن في دويشته فيله لا نشكك يوماً بحق إسرائيل في الوجود… نحن لا نشير إلى نظام الفصل العنصري في إسرائيل. إننا نتجنب الإشارة إلى الاستعمار أو المستعمرين"، وتابعت الوثيقة: "نحن نحترم حرية الرأي والتعبير، وحق الناس في انتقاد أي من الأطراف المعنية. ومع ذلك، فإن انتقاد إسرائيل يصبح معاداة للسامية عندما تحاول تلطيخ وتشويه السمعة ونزع الشرعية عن دولة إسرائيل".

لا أعرف إن كان ثمة كوميديا يمكنها التعبير عن الوضع كما جاء في هذه الرسالة! وهذا بدوره مهّد لفصل صحافيين فلسطينيين وعرب من المؤسسة، بالإضافة إلى ما حدث في أيار/ مايو الماضي من منع تظاهرات للتضامن مع فلسطين وإلغاء فعاليات مختلفة واعتقال وملاحقة ناشطين فلسطينيين في برلين، ومنع عمل فني بعنوان "عدالة الشعب" للمجموعة الإندنوسية Taring Padi في الدورة الخامسة عشرة من معرض دوكومنتا العالمي في مدينة كاسل الألمانية، وفي أواخر أبريل/ نيسان 2022، اقتحم مجهولون قاعة عرض لمجموعة من الأعمال الفلسطينيّة "the Question of Funding" وغطّوا الجدران بمادّة إطفاء الحريق وكتبوا عليها "178"، وهو رمز للتهديد بالقتل في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وتمّ اتّهام بعض العاملين الثقافيّين ممن عملوا سابقًا في مركز خليل السكاكيني في رام الله بـ"عداء الساميّة"، فيما دعا المركز في بيان إلى وقف الحملة العنصريّة ضد الفن والفنانين الفلسطينيين في ألمانيا ومؤخراً، منع معهد غوته الألماني الناشط الفلسطيني محمد الكرد من المشاركة في مؤتمر "أبعد من الجاني الوحيد - Beyond the Lone Offender"... كل ذلك كان بالتهمة السخيفة والممجوجة ذاتها "معاداة السامية". إذ أعلن المعهد عبر تغريدة في تويتر: "بعد القليل من التفكير، قرر معهد غوته أن محمد الكرد لم يكن المتحدث المناسب. إذ أدلى في منشورات سابقة على وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات حول إسرائيل لا يجدها معهد غوته مقبولة".

هناك أشياء غير مقبولة أيضاً. من غير المقبول أن يُقتل 67 طفلاً ويتقطعوا أشلاءً تحت القصف الإسرائيلي في غزة ويصبح اسمهم "بنك أهداف للجيش الإسرائيلي"، وأن يُسمى اغتيال الناس في الشوارع "تحييداً"، وأن يتحول "مقتل شيرين أبو عاقلة" على الشاشات الألمانية إلى "وفاة شيرين أبو عاقلة". من غير المقبول أيضاً أن تُسمى "دولة اليهود" بـ"دولة ديمقراطية"، وأن تصبح مناهضة الاحتلال والتطهير العرقي في فلسطين "معاداة للسامية". وأن يسمّي الإعلام الألماني العائلات العربية في برلين وإيسن بـ"عشائر الإجرام العربية"، وأن تعني كلمة مسلم بالنسبة لهذا الإعلام "طالبان"، وفي بعض الأوقات، يختلط الأمر عليهم، ولا يفرقون بين Palestine و Pakistan. إنه سيرك كبير وصاخب... شيء ما يشبه أوركسترا من الأبقار النشيطة التي يُسمع صدى خوارها في الأرجاء ولا تجد حرجاً في اللعب بمصائر البشر كما تلعب في الكلمات.

من غير المقبول أيضاً أن يُقتل 67 طفلاً ويتقطعوا أشلاءً تحت القصف الإسرائيلي في غزة ويصبح اسمهم "بنك أهداف للجيش الإسرائيلي"، وأن يُسمى اغتيال الناس في الشوارع "تحييداً"، وأن يتحول "مقتل شيرين أبو عاقلة" على الشاشات الألمانية إلى "وفاة شيرين أبو عاقلة"

تسيطر اللغة على التعريفات ووجهات النظر وحدود التفكير، ومن خلال العبث في هذه اللغة، تحاول الماكينة الألمانية أن تحول نفسها إلى ضحية جرائمها المتراكمة على مر التاريخ، وتتنصل منها عبر إحداث شرخ حاد وقطيعة تاريخية معها، بحيث تصبح هذه الفترة النازية "حالة استثنائية" في تاريخ هذا البلد، لكن في الحقيقة، ما النازية سوى استمرار طبيعي للحالة الاستعمارية الأوروبية، وتتويج لمجازر التطهير العرقي في مختلف الدول التي استُعمرت خلال القرن الماضي.

بالطبع، كان لهزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية الأثر الكبير والمزلزل على الوعي الجمعي لكل ما هو "ألماني"، إذ تحولت هذه الدولة المرعبة إلى كائن رقيق يرتدي جرابات ملونة وبالكاد يملك جيشاً، ويحاول الاغتسال جاهداً من هذا الذنب الهائل، ولكن مثل كل مرة، لا تغتسل الفوقية البيضاء من ذنوبها إلا من خلال دعم استعمار يشبهها، وفي هذه الحالة بالنسبة لهما، لم يكن هناك أفضل من دعم نظام الفصل العنصري الاستيطاني الإسرائيلي. 

هذه الفكرة كذلك ليست سوى تتويج للعنصرية البيضاء المستمرة تجاه اليهود. إذا كنت معنيّاً حقاً الدفاع عن حق اليهود فعليك الدفاع عن وجودهم في أوروبا، عدا ذلك، فإن كل هذا الخطاب البائس ما هو سوى استمرار في الكراهية والعنصرية الألمانية ضد اليهود من أجل إقصائهم عن بلدهم الحقيقي الذي تعرضوا فيه لأبشع المجازر على مر التاريخ.

لا ينسحب الأمر على المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام الألمانية فقط. إذ تمتد هذه العنصرية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. جميعنا شاهدنا تلك النبرة الاستعلائية والتصريحات العنصرية مع اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، وتوافد مئات آلاف اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب، إذ وصلت عناوين الأخبار في كثير من وسائل الإعلام العالميّة والأوروبيّة إلى وضع مخزٍ: "اللاجئون المتحضرون مقارنة بأفغانستان والعراق… لاجئو أوكرانيا المسيحيون… لاجئون بشعر وعيون زرق… لاجئون يشبهوننا". هذا كان حال لسان كثير من وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية، ولم تقتصر العنصرية على التصريحات فقط، إذ انتقلت إلى مستويات أخرى لتتمثل على أرض الواقع، مثل التقارير التي تحدثت عن طرد اللاجئين الأفغان من مساكنهم لاستبدالهم باللاجئين الأوكرانيين، وذلك حسب قرار "إدارة الاندماج والعمل والخدمات الاجتماعية" في ولاية برلين، معللين ذلك بأنه "اعتبارات ضرورية وصعبة من الناحية التشغيلية".

إذا كنت معنيّاً حقاً الدفاع عن حق اليهود فعليك الدفاع وجودهم في أوروبا، عدا ذلك، فإن كل هذا الخطاب البائس ما هو سوى استمرار في الكراهية والعنصرية الألمانية ضد اليهود من أجل إقصائهم عن بلدهم الحقيقي الذي تعرضوا فيه لأبشع المجازر على مر التاريخ

أذكر ذلك المشهد جيداً حين وضعت قدمي في هذه المدينة للمرة الأولى. أكوام من المشردين في كل مكان، تستطيع رؤيتهم على الأرصفة ومداخل الحدائق والمحطات وتحت الجسور الصدئة، يغنون ويضحكون ويشربون البيرة، يقفون مثل مزهريات جميلة في صالون هذا العالم المتحضر، ولكن مع مرور الوقت، لم أعد أراهم أو أنتبه إلى وجودهم. لقد تحولوا إلى ديكور للمدينة.

كل شيء هُنا يحدث في الخلفية، حتى فوجئت ذات يوم بأنني محشور داخل هذه الخلفية بدون أن أدري. في ذلك الوقت، تعرفت إلى كريم. كنتُ قد التقيته صدفة في الثالثة صباحاً بالقرب من أحد البارات في منطقة كرويزبرغ. بعد ساعات طويلة من المشي في الشوارع بدون هدف، قفز أمامي مثل فكرة رشيقة وسألني بالألمانية Hast du Feuerzeug - هل لديك قداحة؟ قلت له بالطبع. وفعلاً، هذا كان كل ما تبقى لي بعد سرقة حقيبتي من محطة القطارات في الليلة الماضية.

أذكر ذلك المشهد جيداً حين وضعت قدمي في هذه المدينة للمرة الأولى. أكوام من المشردين في كل مكان.

كان رجلاً مشرداً من أمازيغيي المغرب، ويناديه الجميع بـ"كريم برلينر"، ربما تيمّناً باسم البيرة التي يحبها ويشربها، أو أنه فعلاً تحول إلى برليني حقيقي بعد سنوات طويلة قضاها مشرداً في شوارع المدينة الطويلة. أشعلتُ له السيجارة ومن ثم اشتعلت حياتي بأكملها، وبدون تفكير، حملت كاميرتي الثقيلة وبدأت بالركض بين جموع المشردين في المدينة كمن ماتت أمه للتو، لتصوير "فيلم وثائقي" حول ضحايا هذه المنظومة الهائلة التي تطحن الأخضر واليابس بدون رحمة. القلوب التي تُشبهنا ونشبهها، بغض النظر عن الألوان والأعراق وهراء "الصعوبات في الناحية التشغيلية".

قال لي كريم ذات يوم "حتى الكلاب لديها تأمين هُنا وتدفع الضرائب يا رجل". هناك ضريبة الكلاب (Hundsteuer)، والتأمين ضد مسؤولية الكلاب (Hundshaftpflichtversicherung)، والجدارة الائتمانية (Kreditwürdigkeit) والتقرير الائتماني (bonitätsauskunft Schufa) الذي يمكنه أن يحول بينك وبين استئجار منزل حرفياً.

أقول في نفسي، ربما لهذا السبب لا يمكننا رؤية كلب مشرد واحد في ألمانيا، في الوقت الذي تمتلئ فيه الأرصفة والحدائق بالمشردين "الذين يشبهوننا"، ولهذا السبب أيضاً، ترى صحافياً أبيض يصف طفلاً فلسطينياً في السادسة من عمره أمام دبابة إسرائيلية بأنه معادٍ للسامية، لكنه لا يرى في الدبابة إلّا "شيئاً طبيعياً" لا يستحق الوقوف عنده.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard