فصل منسيّ من تاريخ يهود ألمانيا... صهاينة عاونوا النازيين في الهولوكوست وأعدمهم رفاقهم

الثلاثاء 17 نوفمبر 202004:02 م

سلّط بحث إسرائيلي حديث الضوء على تجاهل حركة "بيتار" الصهيونية اليمينية لـ"فصل كئيب" من تاريخها وقع في حي غيتو فيلنا، الذي أنشأته ألمانيا النازية لليهود إبان الحرب العالمية الثانية وشهد فظائع الهولوكوست: إعدام يهود لنشطاء صهاينة آخرين تعاونوا مع النازيين.

كان لوتيك سالزفاسير، أحد اليهود الذين انضموا إلى الثوار في غابات ليتوانيا خريف عام 1943، قد اعتقد أنه نجا من الموت على أيدي النازيين، لكنه لم يتخيل أن الموت سيأتي على يد يهود آخرين، رفاقه في العمل السري. أمر قائد السرية في "غيتو فيلنا"، بقتله بعد سماعه شهادات عن تعاون الرجل مع النازيين.

كشفت عن القصة ميري ياهالوم، موظفة الأرشيف في معهد جابوتنسكي بتل أبيب، في إطار بحث تجريه عن أنشطة الحركة الصهيونية التصحيحية (أو التنقيحية) وجناحها الشبابي "بيتار" إبان الهولوكوست.

و"بيتار" هي منظمة شبيبة الصهيونيين التصحيحيين، أسسها زئيف جابوتنسكي بهدف تنشئة شباب اليهود على حب الوطن، والقيام بتسهيل الطرق لجمع شتات اليهود في فلسطين، وإقرار العدالة الاجتماعية والسياسية. انخرطت الحركة في الأعمال الإرهابية في فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي وراحت وهي خارجها تدرب اليهود عسكرياً وداخلها تنفذ العمليات العسكرية.

ناشط معروف قبل حذفه من التاريخ

وفق ياهالوم، لم يكن سالزفاسير الجندي اليهودي الوحيد الذي يشتبه في تعامله مع الألمان وفي تعرضه للقتل من قبل يهود آخرين خلال الهولوكوست، غير أن قصته لفتت نظر الباحثة الإسرائيلية لأنه كان "ناشطاً معروفاً" في "بيتار" على الرغم من أنه عقب إعدامه حُذف من كتب تاريخ تلك الحركة اليمينية.

في الآونة الأخيرة، جمعت ياهالوم عدداً من الصور التي توثق فترة نشاطه في الحركة، من بين مجموعة المؤرخ الراحل حاييم لازار، الذي كان أحد رجال "بيتار" هو الآخر، وكرس نفسه لإحياء ذكرى أعضاء الحركة إبان الهولوكوست.

كانت الصور مغطاة بالغبار داخل الأرشيف لعقود، إذ توثق فصلاً منسياً، حساساً وكئيباً، في سجلات يهود اليمين في الحي اليهودي بفيلنا.

"فصل منسي وكئيب وحساس من تاريخ الصهيونية التصحيحية"... باحثة إسرائيلية تحيي قصص نشطاء صهاينة أدينوا بالتواطؤ مع النازيين في قتل اليهود والكشف عن مخابئهم إبان الهولوكوست وأعدمهم رفاقهم، وتُنبّه: "بعضهم كانوا أبطالاً"

اقترحت ياهالوم: "ربما كان أعضاء حركته خجلين من أفعاله وقرروا نبذه".

كيف ساعد نشطاء صهاينة النازيين؟

لدى اندلاع الحرب، وصل سالزفاسير إلى فيلنا ضمن موجة من اللاجئين الذي فروا من بولندا، على أمل أن يكون مصيره أفضل في ظل الحكم السوفياتي. في أيلول/ سبتمبر 1941، بعد الغزو الألماني للمنطقة، أُرسل إلى الحي اليهودي مع باقي السكان اليهود. هناك، انضم إلى الشرطة اليهودية، التي كرهها السكان واتهموها بالتواطؤ مع النازيين في اضطهادهم لليهود.

خلال بحثها، توصلت ياهالوم إلى أن "التصحيحيين" شغلوا عدداً من المناصب العليا في الشرطة اليهودية في فيلنا، وأحدهم جاكوب جينز (الذي كان رئيساً لحكومة غيتو فيلنا) ونائبه جوزيف غلازمان (أحد قادة المقاومة الليتوانية اليهودية في غيتو فيلنا).

ضمن مهمات سالزفاسير، لاحظت الباحثة الإسرائيلية أنه "اضطر للمشاركة في Aktions (اختيار النازيين لليهود بغية قتلهم) وفضح أماكن اختباء اليهود".

ورد في إحدى الشهادات عن عمل سالزفاسير: "أتجول في الحي اليهودي وأراه بصحبة رجال الشرطة… يفتح أماكن الاختباء حيث أطفال وأمهات يبكون ويصرخون، ويسحب الرجال... أمسك بيديه وأصرخ: ‘لوتيك، ماذا تفعل، لأجل الرب، لقد فقدت عقلك!‘. لقد كان ذات مرة صديقاً لأخي وعضواً في الحركة السرية! وخاننا وتركنا".

لكن ياهالوم نبهت إلى أن "الواقع لم يكن أسود أو أبيض"، في إشارة إلى استمرار سالزفاسير في النشاط مع منظمة FPO، المجموعة اليهودية السرية في فيلنا، واستغلال عمله في الشرطة اليهودية لهذا الغرض. عند تصفية الحي اليهودي، في أيلول/ سبتمبر 1943، تمكن سالزفاسير من الفرار وطلب الانضمام إلى جماعات كوفنر اليهودية الثورية التي كانت على وشك دخول الغابات.

أوضحت ياهالوم: "لم يكن يعلم أنهم كانوا ينتظرونه هناك بحبل المشنقة" حيث قرر رفاقه تصفية الحسابات معه عن نشاطه في الشرطة اليهودية.

"أتجول في الحي اليهودي وأراه بصحبة رجال الشرطة… يفتح أماكن الاختباء حيث أطفال وأمهات يبكون ويصرخون، ويسحب الرجال... أمسك بيديه وأصرخ: ‘لوتيك، ماذا تفعل، لأجل الرب، لقد فقدت عقلك!"... شهادة عن عمل أحد الناشطين الصهاينة لحساب النازيين خلال الهولوكوست

رواية مختلفة

في مقابل الشهادات التي دانت سالزفاسير، هناك رواية عن دور مهم لعبه في تدريب الناشطين اليهود على التعامل مع البنادق وتفكيكها وتنظيفها وتجميعها واستخدامها.

انتقد البعض تعرض الرجل للإعدام "دون استجواب أو محاكمة".

قال أحدهم: "كانت خطيئته أنه من "بيتار". لو كان من (حركة الشباب اليسارية) هاشومير هاتزير (أي الحارس الفتي)، لنجا. كان هناك الكثير من رجال الشرطة من الحي اليهودي في الغابة. كان هناك الكثير من الخونة، لم يقتلوا".

تدفع هذه الشهادة إلى الشك في وجود "دوافع سياسية" خلف إعدام الناشط المعروف السابق. لكن ياهالوم تقلل من هذا الاحتمال بالتنبيه إلى تعرض يهود آخرين للإعدام بسبب تعاونهم مع النازيين من خارج "بيتار" أو "الصهيونية التصحيحية".

قائمة "الخونة" تطول 

في غضون ذلك، ترجح ياهالوم أن "السياسة لعبت دوراً بعد الحرب" إذ مع وصول الناجين من أفراد الحركات الصهيونية إلى فلسطين "بدأت المعركة من أجل مكان في مجمع البطولة". عكف أعضاء "هاشومير" و"بيتار" آنذاك على كتابة تاريخ حركاتهم الخاص وتمجيد "بطولاتهم" خلال الهولوكوست.

زُعم حينذاك أن معظم "الصهاينة التحريفيين" كانوا خونة ومتعاونين مع النازيين، فيما تجاهلت "بيتار" أعضاءها الذين اتهموا بالتواطؤ ولم تحتفل بسوى ذكرى الأشخاص الجيدين وأعضاء الحركة السريين.

أفضل مثال معروف هو بافل فرانكيل، أحد قادة الاتحاد العسكري اليهودي الذي كان ناشطاً في حي اليهود في وارسو، بولندا. كان معظم أصدقاء فرانكيل من "بيتار" و"التحريفية". ويؤكد الجناح اليميني في إسرائيل حتى الآن أن اسمه غير معروف عملياً في حين أن مردخاي أنيليفيتش، عضو "هاشومير" وزعيم انتفاضة غيتو وارسو (أكبر ثورة يهودية إبان الحرب العالمية الثانية) أصبح أسطورة. يدلل هذا على تسييس إحياء الذكرى لكل ما يتعلق بالهولوكوست.

"الواقع لم يكن أسود أو أبيض"... باحثة إسرائيلية تحاول كشف الماضي "البطولي" لناشطين صهاينة أعدمهم رفاقهم في العمل السري "دون استجواب أو محاكمة" بتهمة معاونة النازيين. اعتقاد بأن "كل ما يتعلق بالهولوكوست جرى تسييسه"

لهذا السبب لفتت ياهالوم: "فضلت حركة جابوتنسكي التركيز على ‘الأبطال‘ مثل فرانكيل، الذين ما زال دورهم -إن وجد- غير واضح لنا، وعلى الذين يُعتبر نشاطهم في الحركة التصحيحية حقيقة مثبتة، ومع ذلك زُعم أنهم خانوا شعوبهم إبان الهولوكوست".

وأضافت: "كان هناك العديد من المقاتلين والأنصار بين أعضاء الحركة وفي "بيتار"، ولكن من المهم أيضاً التحدث عن أولئك الأعضاء الذين كانوا في ‘المنطقة الرمادية‘".

خلال بحثها لأجل أطروحة الماجستير التي تعدها ياهالوم في جامعة تل أبيب، عثرت على أمثلة إضافية لأعضاء "بيتار@ الذين لديهم "ماض مظلم" مثل سالزفاسير، ولاحظت أنه لا ينبغي الحكم على هؤلاء عقب كل هذه السنوات، مؤكدةً أن بعضهم ساهم في النضال ضد الألمان وفي إنقاذ اليهود.

وتستشهد بقصة إسحاق أورباخ الذي كان عضواً في "بيتار"، وضابطاً في الشرطة اليهودية وناشطاً في الحركة السرية بالحي. لكن عندما قبض عليه "غيستابو"، البوليس السري الألماني آنذاك، أصبح عميلاً مزدوجاً. يعتقد أنه قُتل لاحقاً بأيدي الألمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard