توابع زيارة بن سلمان للقاهرة... "إنعاش" اقتصادي وتغيرات حرجة في السياسة الخارجية

الخميس 23 يونيو 202205:23 م

على هامش زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى القاهرة ليل الاثنين الماضي 20 حزيران/ يونيو 2022، في إطار جولته الخارجية التي تضم الأردن وتركيا، عُقد اجتماع منتدى الأعمال المصري السعودي، الذي شهد توقيع عدد من الاتفاقيات الاستثمارية بين الجانبين بقيمة 7.7 مليار دولار، في عدة قطاعات بينها: البنية التحتية، الخدمات اللوجستية، إدارة الموانئ، الصناعات الغذائية، صناعة الأدوية، الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة، منظومة الدفع الإلكتروني والحلول التقنية المالية والمعلوماتية.

ومن أبرز الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، توقيع شركة عجلان وإخوانه والمجموعة العربية لسلاسل الإمداد، اتفاقية لبناء مركز مصر لتخزين البترول بقيمة 12.2 مليار ريال (3.25 مليار دولار)، وتوقيع شركة أكواباور اتفاقية مع الشركة القابضة لكهرباء مصر بشأن مشروع لإنتاج وتوليد 1100 ميغاوات من الطاقة النظيفة بقيمة 4.8 مليار ريال (1.28 مليار دولار)، كذلك وقعت شركة عجلان وإخوانه ومجموعة سامي سعد اتفاقية للاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة وتحلية المياه بقيمة 3.75 مليار ريال (مليار دولار)، وأيضاً اتفاقية مع شركة حسن علام لضخ استثمارات في قطاعات التطوير العقاري وصناعة الأغذية بقيمة 1.45 مليار ريال (0.4 مليار دولار).

منذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكم بصفة رسمية في 2014، لعبت السعودية دوراً كبيراً في تحقيق درجة من الاستقرار الاقتصادي في مواجهة الأزمات المتكررة ي العملة الصعبة والطاقة في مصر، مقابل ما تراه قطاعات معارضة "تنازلات سياسية" 

العبرة بالتنفيذ

وألقت هذه الاتفاقيات الاقتصادية، الظلال على دور المساعدات السعودية لمصر خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، فيقول عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن هذه الاتفاقيات بالطبع تأتي في إطار المساعدة والإسهام المالي من الجانب السعودي إلى الجانب المصري، للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر خاصة فيما يتعلق بمواردها من العملات الصعبة، حيث تضطر للسحب من الاحتياطي النقدي الاستراتيجي لتلبية احتياجاتها من السلع الأساسية.

وفي 6 حزيران/ يونيو الجاري، أعلن البنك المركزي المصري، انخفاض الاحتياطي النقدي المصري من الدولار في نهاية شهر آيار مايو إلى 35.5 مليار دولار، انخفاضاً من 37.13 مليار دولار في نهاية نيسان/ أبريل، على خلفية الدور المنوط به لسداد المدفوعات المرتبطة بالديون الخارجية المستحقة خلال شهر مايو، والتي قدرت بنحو ملياري دولار.

خبير اقتصادي: الاتفاقيات الموقعة بين مصر والسعودية، سيكون لها انعكاس على سعر صرف الجنيه المصري والاحتياطي الاستراتيجي، وتعطي دفعة تنشيطية للعديد من مجالات الاستثمار، لكن هذا يتوقف على سرعة البدء في هذه العمليات

وأكد حسن لرصيف22، إن الاتفاقيات الموقعة بين مصر والسعودية، بالتأكيد سيكون لها انعكاس على سعر صرف الجنيه المصري والسلع المستوردة والاحتياطي الاستراتيجي في البنك المركزي المصري، ويعطي دفعة تنشيطية للعديد من مجالات الاستثمار، لكن هذا يتوقف على سرعة البدء في هذه العمليات: "هل هذه المشروعات جاهزة للبدء الفوري أو على المدى القريب؟"، مشيراً إلى أن هناك توجيهات للحكومة بتقديم كل التيسيرات للمستثمرين السعوديين، ما يشير إلى أن هؤلاء المستثمرين كانوا يعانون من بعض الصعوبات التي تحتاج تيسيرات إجرائية، لكن بشكل عام إعلان الاتفاق وقيمته هو أمر مهم للغاية.

وعلى هامش توقيع الاتفاقيات، قال رئيس الهيئة العامة للاستثمار، محمد عبد الوهاب، إن الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، ستقوم بدورها لدعم المشروعات الاستثمارية السعودية، وإزالة كافة التحديات أمام تنفيذها، حيث سيتم منح الرخصة الذهبية للشركات التي تؤسس لإقامة مشروعات استراتيجية أو قومية، إضافة إلى تقديم مختلف التيسيرات فيما يتعلق بإجراءات حصول المستثمرين على الأراضي، وسيتم مد المستثمرين السعوديين بالمعلومات اللازمة عن الفرص الاستثمارية الجديدة المتاحة على خريطة مصر الاستثمارية التي تضم أكثر من 2700 فرصة استثمارية في مختلف القطاعات الاقتصادية.

عن عزم السعودية استثمار 30 مليار دولار في مصر: هذا التصريح رغم إيجابيته وما يوحيه بالثقة في الاقتصاد المصري، لكنه لا يزال مجرد إعلان لعدم توضيح تفاصيل تلك الاستثمارات

ووفقاً لقانون الاستثمار المصري رقم 72 لسنة 2017، فإن الرخصة الذهبية، يتم منحها للمشروعات الاستراتيجية والقومية المساهمة في تحقيق التنمية، بموجبها يحصل المستثمر على موافقة فورية لإقامة المشروع وتشغيله، بما في ذلك تراخيص البناء والمنشآت اللازمة للمشروع، وحالياً يتم منح هذه الرخصة لـ3 مشروعات رئيسية هي: الهيدروجين الأخضر، البنية التحتية، وصناعة السيارات، وهي تهدف للقضاء على البيروقراطية التي تعتبر من أهم العوائق التي تواجه المستثمرين في مصر.

وفي بيان مشترك في أعقاب زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر، جاء أن المملكة السعودية تعزم قيادة استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في مصر، لكن رخا أحمد حسن، يرى أن هذا التصريح رغم إيجابيته وما يوحيه بالثقة في الاقتصاد المصري، لكنه لا يزال مجرد إعلان لعدم توضيح تفاصيل تلك الاستثمارات: "لا يزال مجرد كلام عام، لكن المؤكد واللي ممكن نتناقش فيه هو ما تم الاتفاق عليه بالفعل".

وتركت أزمة وباء كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، مصر مع تحديات اقتصادية كبيرة، تمثلت في سحب المستثمرين الأجانب مليارات الدولارات من أسواق الخزانة المصرية، وتكاليف عالية للاحتياجات الكبيرة من السلع الاستراتيجية وعلى رأسها القمح، وكذلك خسارة عائدات السياحة من السائحين الروس والأوكران، الأمر الذي مثل ضغطاً كبيراً على العملة المصرية. وبحسب أحدث تصريحات لوزير المالية محمد معيط منتصف الأسبوع الجاري فقد تخارج 90% من مستثمري الأموال الساخنة تماماً من مصر خلال الأشهر القليلة الماضية. 

بدوره قال الباحث في الشؤون الاقتصادية ومستشار المركز العربي للدراسات والبحوث، أبو بكر الديب لرصيف22، إن المساعدات الاقتصادية السعودية لمصر لم تتوقف منذ كانون الثاني/ يناير 2011، حيث كانت من أوائل الدول التي بادرت بتقديم مساعدات مالية كبيرة لمصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، و30 حزيران/ يونيو 2013، وفي عام 2015، أمر الملك سلمان بن عبد العزيز، بتقديم مساعدات اقتصادية لمصر تشمل دعم احتياجات القاهرة من المواد البترولية ورفع حجم الاستثمار ودعم حركة النقل بقناة السويس، وكذلك إنشاء صندوق سعودي مصري للاستثمار بقيمة 60 مليار ريال (16 مليار دولار)، ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية في آذار/ مارس الماضي، أودعت السعودية في البنك المركزي المصري 5 مليارات دولار، تأكيداً على العلاقات الثنائية الوثيقة بين البلدين.

توافق سياسي

وعلى هامش الزيارة، عقدت جلسة مباحثات رسمية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والأمير محمد بن سلمان، تتضمن نقاشاً حول تعزيز التعاون تجاه جميع القضايا السياسية وبلورة مواقف مشتركة تحفظ للبلدين أمنهما واستقرارهما، ودعم الجهود الرامية لتسوية الأزمات العربية

وفي هذا الصدد، يقول السفير رخا أحمد حسن، إن العلاقات السياسية المصرية السعودية وثيقة للغاية، فهما دولتان متجاورتان تجمعهما العديد من المصالح المشتركة، فمن الطبيعي توافقهما على مواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي للدولتين أو الأمن القومي العربي في منطقة الخليج أو باب المندب، والأزمات العربية التي تحتاج إلى الإسراع في حلها، وكذلك قضايا الإرهاب الذي وإن بدا كامناً اليوم لكنه موجوداً ويمكن أن ينشط في أي وقت.

باحث في الشأن التركي: هناك تقارب مصري سعودي باتجاه رسم العلاقة مع القوى الإقليمية غير العربية في المنطقة، وبالتحديد مع تركيا وإيران

وأضاف إنه لا بد وأن يكون الاجتماع تناول جمع الصف العربي، لأن الخلافات العربية لا تزال قائمة وحالت بالفعل دون انعقاد قمة عربية، والتنسيق بين مصر والسعودية اللتان تمثلان قطبين عربيين مهمين إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، يمكنه الدفع بالعمل العربي المشترك ليكون قادراً على عقد القمة العربية المؤجلة.

وفي فبراير/ شباط الماضي، أعلنت جامعة الدول العربية للمرة الثالثة إرجاء القمة الدورية السنوية على مستوى القادة، والتي كان مقرر انعقادها في 22 آذار/ مارس بالجزائر، ورغم أن السبب المعلن هو جائحة كورونا، إلا أن هناك خلافات عربية تقف خلف التأجيل، وبينها: خلافات حول عودة النظام السوري، وخلافات جزائرية مغربية حول الصحراء المغربية.

وتوقع حسن، أن يكون اللقاء تناول الموضوعات التي من المقرر بحثها أثناء زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، المرتقبة للسعودية في 16 تموز/ يوليو المقبل، والمطالب المتعلقة بالأزمات العربية والتعاون المشترك، وبخاصة القضية الفلسطينية، وكذلك مناقشة: هل يتغير الموقف العربي تجاه الحرب في أوكرانيا من الحياد إلى موقف آخر؟، وعقب: "بالتأكيد كان فيه تشاور بشأن موقف الدول العربية التسع التي تجتمع مع الرئيس الأمريكي خلال زيارته للسعودية".

وماذا عن تركيا؟

وبعد انتهاء زيارة الأمير السعودي إلى مصر، اتجه إلى الأردن ومن ثم وصل اليوم الأربعاء، إلى تركيا، ما أثار تساؤلات جديدة عن وجود رعاية سعودية لإتمام التصالح المصري التركي.

وهنا يقول الباحث في الشأن التركي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، كرم سعيد، إنه بالفعل هناك تقارب مصري سعودي باتجاه رسم العلاقة مع القوى الإقليمية غير العربية في المنطقة، وبالتحديد مع تركيا وإيران، مشيراً إلى أن التطبيع السعودي التركي والإماراتي التركي، ربما يمثل دفعة نحو تهدئة العلاقات بين أنقرة والقاهرة، والتوجه نحو وقف التصريحات والتصريحات المضادة بين البلدين، لكن في النهاية لا تزال هناك قضايا عالقة بين مصر وتركيا لا بد من التوصل لحلول بشأنها، أهمها الأزمة الليبية.

وأضاف لرصيف22، أن رغبة تركيا في إعادة صياغة سياساتها مع دول المنطقة، ربما يمثل دفعة للتعجيل بإصلاح العلاقات المصرية التركية والتحايل على القضايا الخلافية، وهو ما ظهر في المحادثات الاستكشافية بين البلدين خلال العام الماضي، وكذلك إغلاق بعض المنصات الفضائية التي كانت تبث من اسطنبول لصالح جماعة الإخوان المسلمين المعادية للنظام المصري، كل هذه مؤشرات تلمح إلى إمكانية تجاوز العقبات في العلاقات المصرية التركية، لكن فكرة التطبيع الآني أو على المدى القريب يرى سعيد إنها غير واردة في هذا التوقيت، وربما نرى انفراجة أكبر في العلاقات المصرية التركية بعد انتخابات عام 2023 في أنقرة.

وترغب تركيا في كسر حدة التوتر مع القاهرة من أجل مصالحها، فهي تحتاج إلى ترسيم الحدود في منطقة شرق المتوسط، خاصة أن هناك قوى إقليمية كبيرة تعارض التحركات في تلك المنطقة، مثل فرنسا وقبرص واليونان. وهناك اصطفاف إماراتي سعودي مع اليونان، التي تعد هي وقبرص عدوتين تاريخيتين لتركيا، وبالتالي تبحث تركيا عن مسألة تعيين حدود بحرية مع القاهرة، كما أن السوق المصرية مهمة للصادرات التركية في هذا التوقيت الذي يعاني فيه الاقتصاد التركي أزمة، فيما تمثل مصر سوقاً بارزة للمنتجات التركية وبوابة عبور لأسواق أفريقية وعربية أخرى.

وفي هذا الصدد يوضح حسن، أن المعضلة الأساسية بين مصر وتركيا هي تدخل الأخيرة في ليبيا، خاصة أن ورقة الإخوان المسلمين لم تعد ضاغطة على النظام المصري ولا ورقة رابحة بالنسبة لتركيا، كما أن مسألة شرق المتوسط لها أبعاد أخرى، فمصر لديها تنسيق واتفاقيات قانونية مع دول شرق المتوسط، وربما تسعى لتوظيف التوتر بين تركيا وقبرص واليونان لتعزيز الضغوط على تركيا.

وتابع، من هنا يبقى الملف الليبي هو نقطة الاستناد الاستراتيجية في العلاقات المصرية التركية: "أتصور إن دول الخليج وغيرها تدفع لتسوية سياسية حقيقية للأزمة الليبية، لكن قرار البرلمان التركي أول أمس، بتمديد القوات العسكرية التركية الموجودة في ليبيا، بالتأكيد سيكون له انعكاسات سلبية على طبيعة ومسارات العلاقات المصرية التركية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard