"عمري 22 عاماً وفقدت 22 شخصاً"... زينب تستعيد عائلتها عبر الفن بعد عام من انتشالها من تحت الأنقاض

الخميس 23 يونيو 202204:31 م

في الواحدة بعد منتصف الليل، وبعد أن أُنهك الناس من التعب عقب يوم طويل تحت أصوات الانفجارات وأخبار الشهداء والجرحى، أصبح لزاماً على من يستطيع النوم الخلود لفراشه. ربما لا تستمر الغفوة إلا بضع دقائق معدودة، أو ربما تكون غفوة أبدية. لا أحد يعرف على وجه التحديد ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك.

كانت مدينة غزة في ليلة السادس عشر من أيار/ مايو 2021، ترهن مبانيها ورجالها وأطفالها ونساءها تحت فك آلات القتل الإسرائيلية الحديثة، حيث كان الجميع يحاولون النجاة بأنفسهم من تحت أقدام الموت، ولكن، لم تكن ثمة فقاعة سحرية يمكن للإنسان في غزة أن يختبئ بداخلها خلال الحرب. حاولت زينب القولق النوم مراراً وتكراراً دون فائدة. كان صوت محركات الطائرات الإسرائيلية أعلى من الطمأنينة. وكانت تعرف تمام المعرفة بأنها ليلة طويلة، لا أحد يعرف كيف يمكن أن تنتهي، وكما ورد في شريط الأخبار في تلك الليلة فقد تكون "ليلة ساخنة في غزة".

ضجيح القصف والصمت المحيط

في العادة، يجلس الفلسطينيون في غزة أثناء الحرب في العتمة، حيث يسيطر الرعب على الجميع دون استثناء، الرعب من الضوء، من أن يلمح قائد الطائرة شباكاً مضاءً في المنزل، فتزيد احتمالات قصفه. كان الوضع جنونياً، وفي تلك الليلة، كان "شارع الوحدة" في غزة على موعد مع مجزرة إسرائيلية، إذ لم تتوقف الطائرات عن قصف مباني شارع بأكمله، دون أية إنذارات للمدنيين في بيوتهم. هذا القصف ببساطة أكبر من أن تحتويه لغة أو وصف. إنه ببساطة، حارق لخلايا الجسد والدماغ، لدرجة أننا نستطيع استنشاق رائحة الحريق من الداخل.

بعد لحظات من الحياة "خارج الوعي والزمن"، استيقظت زينب تحت الأنقاض. لقد سقط المبنى الذي تسكن فيه بعد أن اهتز بشدة جراء القصف الإسرائيلي، وظلت تصارع ضيق نفسها وخوفها وقلقها على أهلها ومصيرهم، حيث وجدت نفسها محتجزة في فراغ مغلق تحت الأنقاض أشبه بالقبر.

في العادة، يهرع رجال الدفاع المدني الفلسطيني إلى المنازل المهدمة بعد قصفها مباشرة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح وتخليص العالقين تحت الأنقاض. كانت الأنقاض عدة طوابق، كما كانت البناية تماماً، وهذه الطوابق الآن أصبحت فوق أجساد العشرات من أفراد عائلة القولق، الذين حُشروا بين الركام والحجارة. بعد دقائق، توقف القصف، وظلت الجثث هامدة بين بقايا الأسمنت المحطم، لكن الأصوات الآدمية ما زالت تصرخ وتطلب الإغاثة من بين الأنقاض، أصوات تؤكد أن هناك أرواحاً ما زالت تصارع وتقاتل من أجل البقاء على قيد الحياة. بقيت زينب في حيزها الضيق تحت الأنقاض، وبحوزتها هاتفها النقال الذي كانت تستعين به لإضاءة هذا الظلام الدامس الذي يحيط بها من كل جانب.

هذا القصف ببساطة أكبر من أن تحتويه لغة أو وصف. إنه ببساطة، حارق لخلايا الجسد والدماغ، لدرجة أننا نستطيع استنشاق رائحة الحريق من الداخل

في هذه اللحظات، كان أبوها شكري القولق يصرخ محاولًا إنقاذ ابنته، لعلمه أنها كانت في غرفة بعيدة عن تجمع العائلة أثناء القصف. يصرخ ويصرخ، إلا أنها لم تكن تسمع صوته، فالأسمنت الكثيف كان حاجزاً منيعاً بينها وبين كلّ شيء، لكنها كما تقول، كانت متيقنة من أن أباها في مكان ما يبحث عنها.

هذه اللحظات كانت كفيلة بأن تهرس الوعي وتشل أي قدرة على التفكير. مرت الساعات الليلية القاسية مع الانتظار والخوف والقلق، مع المحاولات المستمرة في الخارج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كما أن بطارية الهاتف شارفت على النفاد، وهذه وسيلتها الوحيدة للتواصل مع رجال الإنقاذ، ومع استمرار القصف المتواصل على المدينة، واصل المنقذون جهودهم أيضاً، إذ كانت النداءات مستمرة من الأب والأخ، ما عدا صوت زينب والأم والأخت والأخ الأكبر والأصغر.

أدوات إنقاذ بدائية وحياة أخرى

الأدوات التي تعمل بها فرق الإنقاذ تكاد تكون بدائية أمام هذا الدمار الهائل، ولكن كان على الجميع مواصلة البحث تحت القصف العنيف الذي لا يتوقف، مع احتمال تكرار القصف للمكان نفسه أو لمحيطه مرة أخرى. فالأمر تحت الأنقاض يشبه الأمر فوقها: موت محقق.

بعد انتهاء ساعات الليل وطلوع النهار، سارعت الفرق المنقذة لاستخراج الشهداء والمصابين، فيما بقيت زينب في سجنها المعتم تحت الأنقاض، لكن في هذه اللحظة بالتحديد، فرغ الهاتف من بطاريته وانطفأ، معلناً وحدتها الكاملة عن العالم، ومنذراً بخطر أكبر حول احتمال فقدان حياتها.

هذه اللحظات كانت كفيلة بأن تهرس الوعي وتشل أي قدرة على التفكير. مرت الساعات الليلية القاسية مع الانتظار والخوف والقلق، مع المحاولات المستمرة في الخارج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

كانت زينب قد اختزلت حواسها كلها في حاسة السمع. حاولت التقاط الأصوات من الأعلى، أي صوت، ومع الوقت والانتظار، بدأت تسمع صوت ضرب آلات الحفر، هذا الصوت الذي كان بالنسبة لها الخيط الذي يربطها بالحياة خارجاً، وبعد أكثر من اثنتي عشرة ساعة، تمكن رجال الإنقاذ من الوصول إلى زينب، فأُخرجت على إثر ذلك جسداً هامداً ضعيفاً محاولة استعادة وعيها، من تحت هذا الجنون المتراكم.

تقول زينب لرصيف22 بعد أكثر من سنة على انتشالها: "كنت الناجية من القصف بعد أن وصلت إلى حافة الموت. لكنني لم أشعر للحظة باليأس". عودة زينب للحياة لم تكن ميزة، ربما كانت تجربة أشد قسوة من الـ12 ساعة التي أمضتها تحت الأنقاض، حيث فقدت 22 شخصاً من عائلتها الكبيرة في ذلك الوقت، ومنهم أمها وأختها وأخوها. فقد كان المشهد أكبر من أن يُصدق مثل كثير من الأشياء التي يصعب تصديقها، كأن تخرج من بين هذا الركام كله على قيد الحياة.

ما تبقى…

كانت زينب قبل القصف تبحث عن نفسها بين اللغة والفن. كانت تدرس في كلية التربية في قسم الأدب الإنجليزي، وتتابع حياتها وشغفها في الرسم، وهي التي أقامت معرضاً فنياً في عامها الدراسي الجامعي الثاني. وبعد مرور عام على الفاجعة، عادت زينب للحياة مرة أخرى، تحمل الكثير من التحدي والألم وبعضاً من الأمل، إذ كانت المدينة على موعد مع افتتاح معرضها الفني بعنوان "عمري 22 وفقدت 22 شخصاً". ومن ينظر في محتوى المعرض، سيجد العبء النفسي الثقيل، إذ استعادت زينب مشاهد وصوراً من حياتها مع العائلة، محاولة إعادة ترميم الذاكرة من خلال هذه الصور واللوحات، واستعادة من فقدتهم في تلك الليلة التي مرّت مثل حلم. تقول زينب: "بحثت عن لغة عالمية لنشر مأساتي ولم أجد سوى الفن لأقوم بذلك من خلاله".

في أحد المشاهد، تضع لوحة لملابس أهلها المعلقة في الفراغ، وكأن أحدهم يرتديها، لكن هذه الملابس كانت خالية من الأجساد والوجوه. وفي مشهد آخر، جسدت جثامين ذويها المكفنة بالأبيض، والمصفوفة بعضها بجانب بعض على سطرين متقابلين، والتي كانت تشبه إلى حد ما أسناناً في فم مفتوح للفراغ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard