لم أر دمعة أمي إلّا عندما أخبرتها أن الطعام المصري لا يرتقي إلى مستوى السوري

الجمعة 24 يونيو 202212:15 م


مطار دمشق الدولي، الساعة التاسعة صباحاً، يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2022 قبل ساعتين من موعد طائرتي. تلك الطائرة التي لو علمتْ بعدد المرات التي قمت بتأجيلها، لأسقطتني في أقرب فرصة.  "حضرتك مش مصري؟" هكذا يتساءل الكثيرون هنا في القاهرة في أي مكان أقصده وأي تجمع أتواجد فيه. تلمع عين الشخص - الذي يسألني - عند سماع جوابي، وكأنه سمع أعذب نغمة أرادها، "من سوريا"... "أحسن ناس والله". تلك الجملة التي أسمعها عند إجابتي بأني سوري. أحاول جاهداً التحدث باللهجة المصرية، ولكن اتضح أن الشخص السوري يعتز بلغته أكثر مما يجب. الجميع يقول لي بأنه مع الوقت ستختلف لهجتك. أهز رأسي موافقاً، ولكن بيني وبين نفسي أحاول تذكّر كل لهجة حاولت التعامل معها داخل سوريا. حالة التناقض التي كنا نعيشها في سوريا، حتى باللغة. 

"حضرتك مش مصري؟" هكذا يتساءل الكثيرون هنا في القاهرة في أي مكان أقصده وأي تجمع أتواجد فيه.

أحاول أن أسترجع لهجتي الساحلية عند الحاجز الذي أمر به في دمشق لكي أتجاوزه بسرعة، لأعود وأتحدث الشامية في المحافظات الأخرى لكونها أقرب لتكون لهجة بيضاء. وأما بالنسبة للهجة المصرية، فلم أستطع إلّا أن أضحك عند سماعها. وكأنّ عادل إمام والكوميديا المصرية التي قدّمها هو وغيره أعطتنا لهجة من الصعب أن تكون سوى رمز للحس الترفيهي، وإن كان أي فردين يتناقشان بشكل جدي. فاللهجة توحي لي بأن هذا كله مشهد تمثيلي ويوجد به نهاية مضحكة. تحتل مصر المرتبة الأولى في حب السوريين. هنالك حالة من التعاطف التي لا تجدها في أي مكان آخر. حالة من الأمان لكونك سورياً غير موجودة في أي مكان آخر. أسئلة متكررة عن سوريا، وعن الوضع فيها اليوم. هل ما كانوا يشاهدونه عبر التلفاز صحيح؟ هل سوريا بهذا الوضع الكارثي؟ مع نظرة توحي بأن سوريا هي شقيقة مصر الصغرى..

قال لي أحد البائعين في الحارة التي أقطن بها إنه يجب أن أعتبر نفسي في بيت خالتي. لم أستطع إخفاء تعابير وجهي الخائفة. استغربَ منها، ولكنّه لا يعلم أن بيت الخالة في سوريا هو نيابة عن فروع الأمن. وبالتالي، فإنّ شعور الخوف لن يختفي بتلك السهولة، تلك المشاعر التي تظهر فجأة عند سماع أي صوت خارجي، وعند كل وجبة طعام أريد أن أطلبها "عاوز اعمل أوردر". وعندما يحين وقت إعطائه الرقم، أقول له صفر. يستغربُ، لأعود وأحاول أن أقول "زيرو" ثم أعود لأتحدث العربية بالأرقام الأخرى.  لم أعتبر أنّ اللهجة السورية من الممكن أن تكون لهجة مفضلة لدى شعب ما، ولكن هنا يسمعونها وكأنهم يسقطون في غرامها. 

تحتل مصر المرتبة الأولى في حب السوريين. هنالك حالة من التعاطف التي لا تجدها في أي مكان آخر. حالة من الأمان لكونك سورياً غير موجودة في أي مكان آخر

أسمع "ويجز" – وهو مغني راب مصري - في مصر وكأنه أحد سكّان العمارة التي أقطنها. دائماً كانت فرقة "كايروكي" هي الفرقة المفضلة لي، وأمير عيد المغني الرئيسي فيها، هو من الأشخاص الملهمين في حياتي. تجربته وقصة حياته هما من الأشياء التي تعطيني القوة في كل مرة.

لم أستغرب أن تقول لي صديقتي السورية إن مصر تشبه سوريا، إلا أنها أكبر وتملك مياهاً وكهرباء.

صادفت أمير عيد في مصر مرتين. وفي كلتا المرتين، انتابني شعور بأن أي فنان في مصر هو شخص عادي بدرجة تتجاوز حال كل الفنانين في البلدان الأخرى. أن تنال رضا شعب عاش في حقبة الفنانين أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وسيد مكاوي والكثير من الأسماء التي لا تنتهي هو واجب يومي. من غير السهل أن تقدم نفسك ضمن هذا المجتمع. ومن الغريب أن تشاهد بلاداً يستطيع أي شخص فيها أن يقيّم أهم شخص فيها. لم أشعر بأني سأخبر عيد بأنه من الملهمين لي، بل استمتعت بفكرة أنه يمكنني أن أحتسي معه القهوة بأبسط الطرق. تلك الحالة التي يخلقها المجتمع المصري تجاه أبنائه، فيها شيء من الجمال التي تجعل أفراده يملكون شعور الانتماء أكثر من أي شعور آخر. لم أستغرب بأن ثورة 25 يناير استطاعت إسقاط نظام مبارك، لكون الإجماع الذي يقوم به الشعب تجاه أي قضية يجعله متحكماً بها ويكسبها. الإجماع على لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح بهذا الشكل يجعله يملك قدرة التحكم في أي قضية أخرى. تمشي في شوارع مصر ويظهر لك محمد صلاح في كل مكان، زجاجات المشروب، جدران البلاد حتى أزيائه. عندما وصلت إلى ميدان التحرير للمرة الأولى، عادت إلى ذهني المشاهد التي وصلتنا في بلادنا، أسماء الشوارع والأماكن ترتبط بتلك الحقبة بشكل كبير. 

قال لي أحد البائعين في الحارة التي أقطن بها إنه يجب أن أعتبر نفسي في بيت خالتي. لم أستطع إخفاء تعابير وجهي الخائفة. استغربَ منها، ولكنّه لا يعلم أن بيت الخالة في سوريا هو نيابة عن فروع الأمن

من الجميل أن ترى شهداء 25 يناير يملكون أسماء شوارع في أم الدنيا (مصر)، هذا الشعب بإمكانه أن يغيّر أي حدث في العالم عند اجتماعه. لم أكن أرى أي شعب يحب نفسه وبلاده مثلنا، ولكن تلك النظرية اختلفت منذ زمن بعيد.  لم أقصد أن أقول إن الوضع في مصر يتميز بالحرية في كلّ المجالات، ولكن هذا الشعب قادر على الاتحاد في المناسبات التي تحتاج لذلك.  أشتاق إلى مساحتي الآمنة التي كنت قد صنعتها في سوريا. لم أر دمعة أمي إلّا عندما أخبرتها أن الطعام في مصر لا يرتقي إلى مستوى المطبخ السوري. الملوخية من غير الممكن أن تكون مجرّد حساء، بل هي طبق يملك من الجمال الكثير ليكون جوهر المائدة الرئيسية وحده. لم أعلم أن طيور الحمام والبط يمكن أن تكون وجبة رئيسية. أحببت الكهرباء المتواصلة وأحببت المطاعم السورية التي تحاول أن تصنع الشاورما، ولكن لم أقتنع أنها مثل الشاورما في سوريا. لم أعلم أن الكحول السوري السيىء هو أفضل من أي مشروب كحولي محلي مصري. لم أتذكر سوى أنني قلت "للبارتندر" عندما أخبرني أنّ "Last Order"  في مصر يُؤخذ عند الساعة الثانية عشرة ونصف بعد منتصف الليل، بأنّه في هذه اللحظة في سوريا المنكوبة، وصل أصدقائي إلى سهرتهم الأسبوعية. خلال هذا الشهر، لم تعد تملكني الغرابة أن هنالك وحدة حدثت بين البلدين. وفي نفس الوقت، لم أستغرب أن تقول لي صديقتي السورية إن مصر تشبه سوريا، إلا أنها أكبر وتملك مياهاً وكهرباء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard