عندما رفضت فرنسا حماية لاجىء سوريّ ثم استثمرت قصّته

الجمعة 18 فبراير 202211:09 ص

"يُؤسفنا أن نُبلغكم أن السلطات الفرنسية لم تقبل طلب الحماية الذي تقدمتم به. تجدون في المرفق نسخةً من الإخطار برفضكم. نُعلمكم أنه يُمكنكم الحضور واستلام النسخة الأصلية من هذا الإشعار من خدمة التأشيرات، مع أطيب التحيات".

هكذا جاء رد القنصلية العامة لدولة فرنسا في إسطنبول، على طلب لجوءِ مصوّر صحافيّ سوريّ ناجٍ من حصارَين ثم تهجيرَين؛ الأول عاشه في دوما لمدّة ثلاث سنوات، والثاني في حلب لستة أشهر، ومن عشرات الأعمال العسكرية الوحشية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد في مختلف المدن السورية خلال سنوات الثورة، من اقتحامات ميدانية وقنص وقصف، على رأسها الهجوم الكيماوي على غوطة دمشق الشرقية عام 2013، ناهيك عن الملاحقات الأمنية التي كانت تُنفذّها الجماعات الإسلامية بحق الناشطين المدنيين والمصوّرين والصحافيين في دوما. كذلك يُعدّ ناجياً من حملات الترحيل المتكرّرة من تركيا إلى سوريا، وأهمها حملة الترحيل الواسعة التي نفذتها السلطات التركية بحق اللاجئين السوريين "المخالفين" عام 2019.

هذا الشخص هو شريكي. اتخذنا أنا وهو قرار تقديم طلب لجوء إلى فرنسا، إذ يُعدّ الخيار الوحيد المُتاح للمغادرة طوعاً، والخلاص من حالة القلق والخوف من الترحيل أو عدم الحصول على أوراق ثبوتية تحمي وجودنا هنا.

كم مرّةً يجب أن نعرّي أرواحنا أمام أوروبا، لنعود مرّةً أخرى إلى وساداتنا، ونختبئ تحت أغطيتنا، وننظر إلى هواتفنا، منتظرين ضوءاً في آخر النفق؟  

لم تكن أمامنا إلا هذه "الفرصة" التي تُقدّمها القنصليات الفرنسية للسوريين المقيمين في دول جوار سوريا، دون غيرها من القنصليات والسفارات الأجنبية أو سلك طريق الهجرة غير الشرعية في البحر أو مشياً على الأقدام في الغابات باتجاه الجزر اليونانية، بكل ما تحمله هذه الرحلة من مخاطر ومصير مجهول.

اتخذنا هذا القرار الذي تهرّبنا منه طوال عشر سنوات في محاولة منّا لحماية أنفسنا من التحوّل إلى مواطنين من الدرجة الثانية في دول اللجوء؛ بعد نقاشات استمرّت بيننا أسابيع عن الأمان، وماذا يعني لنا هذا الشعور ونحن لم نعتد غير التعايش في سبيل النجاة؟ وعن جدوى البقاء في بلد الشعور بالأمان فيه معدوم لمن هم مثلنا، وليس عن أحلامنا أو طموحانتا، فلم نصل إلى رفاهة التفكير بهذه الطريقة حتى، بل عن أولوياتنا في المرحلة القادمة، وعن مفهوم الاستقرار لمن تحكمهم وتقيّدهم أوراقٌ غير مكتملة، وبطاقة حماية مؤقتة أشبه ببطاقة احتجاز، لا تمكّن شاباً في بداية حياته من التجوّل بحريّة حتى بين الولايات التركية ذاتها، وليس خارج البلاد فحسب. لا يستطيع العمل شرعياً، أو امتلاك منزل أو استئجاره، أو إتمام أبسط المعاملات الإدارية واليومية كإتمام عقد زواجه. محظور عليه ممارسة أيّ أمر طبيعي يُمارسه الناس خارج الشرق الأوسط كعمل روتيني؛ وأوطانٌ غير آمنة تنتظرنا على حدودها "الجوية"، شبيحة النظام السوري أو عناصر حزب الله في أحسن الأحوال، فبالأصل العودة إليها ليست خياراً مطروحاً الآن، أو في المدى المنظور.

اتخذنا هذا القرار الذي تهرّبنا منه طوال عشر سنوات في محاولة منّا لحماية أنفسنا من التحوّل إلى مواطنين من الدرجة الثانية في دول اللجوء؛ بعد نقاشات استمرّت بيننا أسابيع عن الأمان، وماذا يعني لنا هذا الشعور ونحن لم نعتد غير التعايش في سبيل النجاة؟

مع كل المعطيات السابقة والتي تتقاطع مع حالة العشرات وربما الآلاف من السوريين المقيمين في تركيا، وصلتنا بعد الرفض دعوة إلى عرض فيلم "لسّه عم تسجّل؟"، الفائز بخمس جوائز في أسبوع النقّاد خلال مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، والذي كان قد شارك فيه شريكي كمصوّر، وثّق مع رفاقه أبرز الأحداث التي جرت في الغوطة الشرقية خلال سنوات الحصار، والقصف ومجزرة الكيماوي والحياة اليومية للأهالي في الداخل، وحياته بين هذه الحيوات، وضمن مشهد سرياليّ لا يحدث إلا إذا كنت متحدراً من هذه البقعة الجغرافية.

رأيتُ شريكي يُكرَّم على مسرح المعهد الثقافي الفرنسي في إسطنبول، على بُعد أمتار قليلة من مقرّ القنصلية التي انتظرنا عاماً كاملاً أن تنظر في ملفنا، قبل أن يُعرض "الملف" نفسه بكلّ قساوته على جموع المتفرّجين. شاهد الناس مأساة أشخاص آخرين، في أحسن الأحوال مألوفين، لكنّي أُصبت بما يسميّه علم النفس بـ"إحياء الصدمة"، وأنا أشاهد مأساة شخص أتشارك معه الحياة منذ أكثر من عامين ونصف. فكم مرّةً يجب علينا أن نعيش تلك الأحداث؟ وكم مرّةً يجب أن نعرّي أرواحنا أمام أوروبا، لنعود مرّةً أخرى إلى وساداتنا، ونختبئ تحت أغطيتنا، وننظر إلى هواتفنا، منتظرين ضوءاً في آخر النفق؟ أيّ معجزةً تنتشلنا، علّها تحمل معنا جزءاً من حزننا على الأقل؟

هذه السُلطات ذاتها التي نسمع بين الحين والآخر عن عقدها صفقات لبيع الأسلحة وأجهزة التجسس مع أنظمة دكتاتورية عربية تُبيد شعوبها وتهّجرها بالملايين وتستخدِم المعدات الفرنسية في تدمير مدن بعينها وفي قمع الناشطين السياسيين والحقوقيين والصحافيين من مصر إلى سوريا واليمن وليبيا...

بعد عام كامل من الانتظار والتأمّل وتجميد حياتنا حرفياً في سبيل خطط بعيدة المدى، أملاً بمستقبل أكثر رحمةً وإنصافاً، جاء رفض طلب الحماية من دون توضيح الأسباب، واكتفت سلطات فرنسا ممثلةً في قنصليتها في إسطنبول بإعلامنا بحقنا في تقديم طعن بالقرار أمام محكمة نانت الإدارية.

هذه السُلطات ذاتها التي نسمع بين الحين والآخر عن عقدها صفقات لبيع الأسلحة وأجهزة التجسس مع أنظمة دكتاتورية عربية تُبيد شعوبها وتهّجرها بالملايين وتستخدِم المعدات الفرنسية في تدمير مدن بعينها وفي قمع الناشطين السياسيين والحقوقيين والصحافيين من مصر إلى سوريا واليمن وليبيا... لم تتكلّف حتى في إخطار الرفض بتوضيح آلية التقديم، إن كانت عبر البريد أو بطريقة أخرى، من تركيا أو من داخل فرنسا، وكيف يُكتب الطعن وما النقاط التي يتم التركيز عليها فيه؟ ما المستندات التي على المرفوض إرفاقها بالطعن؟ اللغة التي يُكتب بها الطعن؟ هل نقوم بكل هذا بمفردنا أو نستعين بمحامٍ كون الجهة التي نقدّم أمامها الطعن هي المحكمة الوطنية لحق اللجوء في فرنسا. مرةً جديدة تركتنا قنصلية فرنسا نغوص في فيض من الأسئلة التي لا حدود لها ولا نهاية ولا أجوبة عنها. أسئلة أشبه بالأسئلة الوجودية التي يبدأ المرء بسؤالها في صغره قبل اكتشافه تفاهة الحياة والعيش في بلاد تحكمها أنظمة فاسدة وظالمة وعبثية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard