أنا رحّال سوري، وجدت الفروقات التي بين القاهرة وإسطنبول

الخميس 16 ديسمبر 202104:48 م

سمعت، كغيري من ملايين البشر ممن مرّوا على كوكبنا الحزين، جملة "صدفة لا تتكرر"، وهذا بالضبط ما حصل معي، عندما حطّت طائرتي في مطار القاهرة الدولي في عام 2008، سبقته نبوءة عرّافة ما تزال تعيش في منطقة السلمية في سوريا، بأن رحلة سفرٍ ستغيّر حياتي إلى الأبد. لحظتها، لم تكن أمامي أيّ مؤشرات تدلّ على الرحيل إلى القاهرة.

تمنح القاهرة القاطنين فيها فرصاً متنوعةً. صحيح أنها اسم على مسمّى، وقادرة على القهر في كثير من الأحيان، إلا أنها أيضاً تملك من التسهيلات للمثقفين والمهتمين بالثقافة الكثير أيضاً، عامل اللغة أولها، فاللهجة المصرية سهلة ومنتشرة، واللغة عموماً قادرة على هدم الجدران بين الناس، ومنح المتحدثن بها عشرات القواسم المشتركة. هذه الاكتشافات كلها، كانت قبل اكتشاف "سور الأزبكية العظيم"، وما يحتويه من كنوز، عدا عن رفوف المكتبات المغرية إلى أقصى درجة!

رحيلي إلى القاهرة لدراسة السينما حينها، كان صدفةً بحتة، ولم أتردد لحظةً في الذهاب إلى المعهد العالي للسينما، وفي رأسي أحلام بمقابلة علي بدرخان، وأحمد زكي، وغيرهما (مع حفظ الألقاب)، وبجانبها أجواء أفلام الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ومدينة أنيقة وجميلة تصوّرها الأفلام.

يمكنني القول إن أسهل شيء يمكن فعله في مصر، هو أن تبني شبكة علاقات اجتماعية؛ هناك عوامل مساعدة جدّاً، وخاصةً للسوريين. أول كلمة ستقال لك: "أجدع ناس، إنت هنا في بلدك، إحنا كنّا بلد واحدة يا عم!"، في إشارةٍ إلى الوحدة بين سوريا ومصر بين عامي 1958- 1961.

في القاهرة، اكتشفت للمرة الأولى أن بإمكاني شتم الأسد، والحديث عن الأوضاع السيئة في سوريا، من دون أن أجد فوقي دوريةً من إحدى فروع المخابرات، لتنقلني "بكلّ حب" إلى ما وراء الشمس، في رحلةٍ فضائيةٍ بات يعرف عنها القاصي والداني في هذه الأيام

سكنني الذهول في اللحظات الأولى، بعد ركوب سيارة الأجرة. كان يوم جمعة، والشوارع فارغة، لذا كان من السهل ملاحظة وفهم معنى أن تدعى القاهرة "مدينةً كبرى"؛ جسور لا تنتهي، لا مثيل لها في سوريا، ولا في المدينة الصغيرة التي سكنتها في المملكة العربية السعودية. سرعان ما مضت الأيام، وكان الاكتشاف الأهم هو حالة الثقافة العامة في البلاد، خاصةً بعد وصولي إلى منطقة "وسط البلد"، الممتدة من ميدان التحرير الشهير، وصولاً إلى ميدان طلعت حرب، ومقهى "جروبي"، امتداداً إلى منطقة البورصة، مقرّ البورصة المصرية، حيث اكتشفت للمرة الأولى أن بإمكاني شتم الأسد، والحديث عن الأوضاع السيئة في سوريا، من دون أن أجد فوقي دوريةً من إحدى فروع المخابرات، لتنقلني "بكلّ حب" إلى ما وراء الشمس، في رحلةٍ فضائيةٍ بات يعرف عنها القاصي والداني في هذه الأيام. ولن أكذب، كان الحديث حينها عن حرب تشرين الأول/ أكتوبر، أو ما يُعرف في مصر بحرب أكتوبر، ودار النقاش حول دور السادات وتعامله مع السوريين، وكلّما ذُكر اسم الأسد تحدثت همساً وسط دهشة الحضور من خوفٍ يسكنني كأيّ سوري آخر، وسرعان ما طلبوا منّي شتمه بصوتٍ عالٍ إن شئت، واستعدادهم للمشاركة في الشتيمة إن اقتضى الأمر، وضحكوا جميعاً ضحكة الخيبة المشتركة بين سكّان هذه البلاد!

ربما أغادر غداً، أو بعد غدٍ، وربما لا... ولكن البقعة الجغرافية التي تنتظرني لن تشبهني، ولن أشبهها، كما تشبهني إسطنبول والقاهرة.

على أرصفة المنطقة عشرات الكتب التي تنتقد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وحكمه، وتهاجمه في أثناء السنوات الأخيرة من حكمه، والحديث هنا عن الأعوام بين 2008 و2010. لا يمكن، ولا في الأحلام، تخيّل أمرٍ كهذا في سوريا، وإن حصل وشاهدته في المنام، فعليك مغادرة البلاد فوراً: "للحيطان آذان"، كما نقول نحن السوريين.

في مصر، عشت خمس سنوات كاملة، كانت الأصعب على مصر منذ عقود. عشت في أيام حكم حسني مبارك، ثم خلال ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، ومرحلة المجلس العسكري، ثم الإخوان وإسقاطهم، حتى كانت لحظة المغادرة الأصعب في كانون الأول/ ديسمبر 2013.

كان الجوّ مشحوناً ومتوتراً إلى حدّه الأقصى. رحلت مرغماً، وسط تضارب مشاعر الأصدقاء نحوي في تلك الفترة، إذ إن الحملة الإعلامية الكبيرة التي طالت السوريين في عام 2013، واعتقال البعض منهم، وتعرّض آخرين للضرر الجسدي، وتعامل الكثيرين على أن الثورة السورية هي ثورة "إخوان مسلمين"، أدى إلى ردّ فعلٍ عنيف من جانبي أيضاً. مشاعري تحوّلت من حبٍّ جارفٍ للبلاد، إلى النقيض تماماً. بعضهم قطع العلاقات معي نهائياً، وبعضهم كان متفهماً على الرغم من الحزن، وآخرون ما زلنا على تواصلٍ، كأنني لم أغادر أبداً.

تعرفت خلال تلك الفترة إلى عشرات المواهب التي تنتظر الفرصة للظهور، وترك بصمتها في عالم السينما والكتابة والموسيقى. منهم من نجح أصلاً، وأصبح اسماً لامعاً، والبعض ما يزال يقاتل لأجل الفرصة على الرغم من كل المعوقات الموجودة، وهي كثيرة ولا يمكن ذكرها حالياً.

حطّت طائرتي في إسطنبول، في كانون الأول/ ديسمبر 2013. وصلت بعدما أبت القاهرة أن تتركني أرحل من دون اضطراري إلى أن أغيّر مواعيد الطائرة ثلاث مرات متتالية، وأضعت بطاقة البنك قبل أن أجدها صدفةً، ودموع في عينَي صديقٍ رافقني خلال السنوات الخمس، وحتى لحظة صعودي إلى الطائرة، في رحلةٍ نحو المجهول؛ نحو بلدٍ لا أعرف عنه سوى عزيز نيسن، واسم المدينة، وكلمة "ميرهبا" (مرحباً في اللغة العربية).

حطّت الطائرة، ومضيت في ممرات المطار، وشوارع المدينة، وها أنا اليوم أتمّ في إسطنبول ثماني سنوات!

إسطنبول مدينة جميلة، ربما هي أجمل مدن الدنيا. أتصورها كامرأةٍ جميلةٍ تتربّع على عرش العالم، ولغتها قاسية. هل سمعت الشعراء يوماً يتغزّلون بجمال امرأةٍ فيقولون إن جمالها قاسٍ؟ هي كذلك إسطنبول، متطرفة في كل شيء، حتى في جمالها وزحامها والضغط اليومي، فرحلة واحدة في "المتروبوس" (إحدى وسائل النقل فيها)، كافية لتجعلك تنسى أبسط أمانيك في الحياة... ولكن!

وهذه الـ"لكن" هي معضلة إسطنبول، فكما تعطيك الكفر، تعطيك الإيمان، وتعطيك الحب وتقسو عليك. كبيرة... هي كبيرة جداً يا صديقي، إسطنبول لا تنتهي، أقسم على ذلك بكلّ ما تشاء، وبكل ما تؤمن به.

كسوري في إسطنبول لا يمكن أن تهرب من انتمائك إلى مدينتك (سواء حلب، أم دمشق أم حتى حمص). تغوص فيها والسنوات كفيلة بأن تفتح بوابات سيول القلق، بمجرد أن تخطر على بالك فكرة الرحيل. المدينة تشبهنا نحن، بكلّ شيء. جرّب أن تمشي في البازار الكبير، وأخبرني أنك لم تتذكر يد جدّتك وهي تمسك بيدك، مخافة أن تضيع في سوق الحميدية، ومدحت باشا

أول ما خطر على بالي عندما مشيت في شوارع المدينة، هو أن الشبه بينها وبين دمشق كبير جدّاً. اكتشف أن نظريتي صحيحة مع وصولي إلى مناطق السليمانية، والسوق الكبير. إنها شقيقة دمشق الكبرى بلا منازع، وهنا المشكلة الكبرى في إسطنبول. إنك كسوري هنا لا يمكن أن تهرب من انتمائك إلى مدينتك (سواء حلب، أم دمشق أم حتى حمص). تغوص فيها والسنوات كفيلة بأن تفتح بوابات سيول القلق، بمجرد أن تخطر على بالك فكرة الرحيل. المدينة تشبهنا نحن، بكلّ شيء. جرّب أن تمشي في البازار الكبير، وأخبرني أنك لم تتذكر يد جدّتك وهي تمسك بيدك، مخافة أن تضيع في سوق الحميدية، ومدحت باشا.

وعلى عكس القاهرة التي منحتني القدرة على التعرف على الحياة والناس والمواجهة والجدالات والنقاشات الثقافية، لم أنجح في إسطنبول بالتعرف إلى مثقف تركيّ واحد، وعلي القول إن عدم وصولي إلى المثقفين الأتراك سببه أنا -إذ لم أتقن اللغة التركية- المحاط دائماً على الرغم من حبي للمدينة، بفكرة الرحيل الطارئ إلى بقعةٍ جغرافيةٍ جديدةٍ لا تعرفني، ولا تعترف بي. هذا هو غدر المدن. إنها لا تعترف بمن أحبّها طالما لم يحمل جنسيتها، لذا عشت مطارداً بين الحنين والانتماء منذ سنوات طويلة أعجز عن عدّها، كما فعلت بي القاهرة، واليوم إسطنبول، التي تمتلك صباحاً جميلاً على عكس القاهرة. صباح يعطيك أملاً كاذباً بالحب... لكنه "صباح" على أية حال! وهو فارق إضافي يمكننا ملاحظته بين المدينتين.

ربما أغادر غداً، أو بعد غدٍ إلى مدينةٍ جديدةٍ لا تعترف بي كإنسان محبّ، وتعنيه الشوارع، والناس، ويقارن دائماً ويسأل، كم تشبه هذه المدينة دمشق؟ وكم يشبه هذا الشارع شارع بيت جدّتي. وهذه الحارة نسخة من حارةٍ شاهدت فيها عاشقَين يسرقان قبلةً، قبل أن يقام عليهما الحدّ المجتمعي. لكن دمشق لا تشبه أحداً، ولا تحبّ أحداً، ولا حتى نفسها.

ربما أغادر غداً، أو بعد غدٍ، وربما لا... ولكن البقعة الجغرافية التي تنتظرني لن تشبهني، ولن أشبهها، كما تشبهني إسطنبول والقاهرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard