لأن القانون لا يكفي... حملة في مصر ولندن لإنهاء السجن "التعسفي" لعلاء عبد الفتاح

الأربعاء 22 يونيو 202205:20 م

بعد سنوات من خوض نضال قانوني لإطلاق سراح المبرمج والكاتب والناشط المصري علاء عبد الفتاح، بدأت اسرته ممثلة في شقيقته منى وسناء وخالته الكاتبة الكبيرة أهداف سويف في نقل الحملة لإطلاق سراحه إلى الخارج.

وبمناسبة يوم الأب العالمي، الموافق 21 من يونيو/ حزيران الجاري، فاجأت أسرة علاء المتابعين لنضالها من أجل حريته بفيديو شارك فيه نجوم عدة، منهم مارك رُفالو وإيما كولمان وكاري موليغان وريبيكا هول وغيرهم، وقرأوا جزءًا من نص كتبه عبدا لفتاح اثناء اعتقاله عام 2011 بعنوان "نصف ساعة مع خالد"، وخالد هو الابن الوحيد لعلاء وقد قضى معظم سنوات عمره من دون أبيه بسبب تكرار اعتقال الأخير منذ 2011.

 

يأتي هذا الفيديو ضمن أنشطة عدة تقوم بها الأسرة، من بينها وقفتان احتجاجيتان متزامنتان، اليوم الأربعاء 22 يونيو/ حزيران، أمام وزارة الخارجية البريطانية في لندن، والسفارة البريطانية في العاصمة الألمانية برلين. ودعت منى سيف، شقيقة عبد الفتاح، أصدقاء العائلة في برلين للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية عند الخامسة والنصف مساءً بتوقيت ألمانيا إذا كان يمكنهم القيام بذلك بأمان، أما المقيمون في لندن، فبإمكانهم المشاركة في الوقفة المقررة أمام وزارة الخارجية البريطانية، لمطالبة الدولة –باعتبار أن علاء أصبح واحداً من مواطنيها- باستخدام سلطاتها الدبلوماسية والاستفادة من العلاقات الإستراتيجية مع مصر لتأمين الإفراج الفوري عنه.

وألقي القبض على علاء عبد الفتاح مجدداً أثناء وجوده في قسم شرطة الدقي تنفيذًاً لأمر "المراقبة" التي تتضمن سجناً جزئياً لمدة 12 ساعة في اليوم، واتهم بعد القبض عليه في 29 أيلول/ سبتمبر 2019، بنشر أخبار كاذبة، لإعادته نشر تغريدة تتحدث عن موت سجين تحت التعذيب في أحد السجون، وذلك بعد أقل من ستة أشهر من الإفراج عنه. وتم إيداعه بسجن طرة الشديد الحراسة 2 (العقرب)، قبل أن ينتقل إلى سجن وادي النطرون الجديد (مركز الإصلاح والتأهيل) في 18 آيار/ مايو الماضي – استجابة لطلب المجلس القومي لحقوق الإنسان، لاستكمال الحكم غير القابل للاستئناف بالسجن لمدة خمس سنوات، والذي صدر عن محكمة استثنائية في كانون الأول/ ديسمبر 2021.

منى سيف: مع دخول علاء للسجن عام 2019، اتضح لأسرته أن استمرار وجوده في مصر يعني استمرار عودته إلى السجن مرة بعد مرة في ظل النظام الحالي، الأمر الذي دفع الأسرة للبحث عن سبل لإخراجه من السجون المصرية

تقول منى سيف لرصيف22 إنه مع دخول علاء للسجن عام 2019، اتضح لأسرته أن استمرار وجوده في مصر يعني استمرار عودته إلى السجن مرة بعد مرة في ظل النظام الحالي، الأمر الذي دفع الأسرة للبحث عن سبل لإخراجه من السجون المصرية: "بدأنا نبحث عن أحقية علاء في الحصول على الجنسية البريطانية لأن أمي – الدكتورة ليلى سويف- من مواليد لندن عام 1956، وبالفعل حصل على الجنسية في كانون الأول/ ديسمبر 2021".

"عائلة علاء الكبيرة" التي تضم المدافعين عن حقوق الإنسان في كل مكان في العالم رتبت "نصف ساعة مع خالد"

ومنذ ذلك الحين، انتقلت حملة إنقاذ علاء إلى بريطانيا، باعتبارها بلده الثاني. تقول منى سيف: "فكرة التوجه للخارج بنتكلم عنها كإنها حاجة غلط، لكن في الواقع مفيش مشكلة للجوء للخارج في مواضيع حقوق الإنسان اللي ليها طابع عالمي، وهي مسؤولية مشتركة لجميع الحكومات والشعوب"، خاصة مع دخول علاء في اليوم الـ82 من الإضراب عن الطعام، الذي بدأه في 2 نيسان/ أبريل الماضي، وتنفيه وزارة الداخلية المصرية ووزارة الخارجية، وتتضامن فيه شقيقته منى سيف بالإضراب عن الطعام لليوم الـ11.

تعقب سيف: " علاء ليه بلدين دلوقتي، مصر وبريطانيا، في مصر أتأكدنا إن حياته ماتهمش النظام، فعندنا امل إن الحكومة البريطانية يكون عندها قدر من احترام القانون والعدالة".

وبالحصول على الجنسية البريطانية، تسعى أسرة علاء عبد الفتاح لتطبيق القرار بقانون رقم 140 لسنة 2014، بشأن الأحكام الخاصة بتسليم المتهمين ونقل المحكوم عليهم، وهو ينص على تسليم المحكوم عليهم في قضايا داخل الأراضي المصرية ويحملون جنسية أخرى أو جنسية مزدوجة إلى دولهم خارج مصر، شرط التنازل عن الجنسية المصرية أولاً، ويكون الإفراج عن المحكومين في أي مرحلة من مراحل التقاضي، متى اقتضت مصلحة الدولة العليا ذلك.

"نصف ساعة مع خالد"

"هذه فائدة العائلة الكبيرة"، تقول منى، مشيرة إلى أن عائلة علاء عبد الفتاح وأصدقاءها في مصر ولندن يضغطون على الحكومتين البريطانية والمصرية لإنقاذ علاء بطرائق شتى، وكان الفيديو الذي نُشر بتاريخ 19 حزيران/ يونيو الجاري إحداها.

منى سيف: الأسرة لم تلجأ إلى حملة الضغط الدولية هذه إلا بعدما واجهت طريقة غير تقليدية للتعامل من قبل مختلف الجهات المعنية في مصر

وعن كواليس مشاركة نجوم هوليوود، توضح أن هناك أكثر من عامل ساعدها على الاستعانة بهؤلاء النجوم: "إحنا كنا محظوظين لما اكتشفنا إن بعضهم كانوا عارفينه وتحمسوا جداً للمشاركة، والعامل التاني إن سناء (شقيقة علاء ومنى) تعمل مونتيرة، وفي فترة حبسها كونت الأسرة قاعدة بيانات للعاملين في صناعة السينما اللي تابعوا قضيتها وأعدوا فيديو عنها، واستعنا بيهم تاني، وبشكل عام كل واحد فينا بيستنجد بدوائر معارفه، فيه ناس بنلاقيهم عارفين قضيتنا ومتعاطفين معاها، وناس تانية بمجرد ما نشرحلهم مش بيترددوا في المشاركة".

وتوضح منى أن الأسرة لم تلجأ إلى حملة الضغط الدولية هذه إلا بعدما واجهت طريقة غير تقليدية للتعامل من قبل مختلف الجهات المعنية في مصر: "اللي بيحصل داخل مصر معقد جداً، إحنا بنتعامل مع طريقة ما شوفناهاش قبل كدا، كل المؤسسات متكاتفة لإهدار حقوق علاء بشكل واضح".

أهداف سويف: أسرة علاء استنفذت كافة السبل القانونية داخل مصر، لهذا لجأنا إلى نقل حملة إنقاذه إلى الخارج 

وتضيف أن الفيديو الذي نُشر، هدفه تقديم جانب جديد من علاء لا يراه الكثيرون، وهو أنه أب لابن يكبر بعيداً عنه، بالتوازي مع ظلم يتعرض له: "ممكن ده يفهم الناس وقع وتأثير السجن على حياة الإنسان".

"نصف ساعة مع خالد، هو مقال لعلاء عبد الفتاح، نشره في كانون الأول ديسمبر/ 2011، ضمن مجموعة من المقالات ضمها كتابه "أنت لم تهزم بعد"، الذي طرح في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بواسطة دار "فيتزاكارلدو إيديشنز".

انتهاكات استثنائية

تقول الروائية والكاتبة وخالة علاء عبد الفتاح، الدكتورة أهداف سويف، إن أسرة علاء استنفدت كل الطرق القانونية داخل مصر، ولهذا نقلت حملة إنقاذه إلى الخارج، خاصة بعد حصوله على الجنسية البريطانية.

وزودت سويف رصيف22 بتقرير توضح فيه أن استهداف علاء من قبل الأجهزة الأمنية بدأ عام 2011، إلا أن الأسرة الآن تسلط الضوء على الحلقة الأخيرة من هذا الاستهداف والتي بدأت عام 2019، وشهدت انتهاكاً واضحاً من أحد أجهزة الدولة للدستور والقانون.

 ومن هذه الانتهاكات: توجيه مجموعة من الاتهامات النمطية المجهلة مثل الانضمام لجماعة إرهابية دون ذكر اسم هذه الجماعة، ونشر أخبار كاذبة دون تحديد هذه الأخبار وغير ذلك، وإيداعه بسجن طرا الشديد الحراسة 2 واستقباله بـ"التشريفة"، وتعني إجباره على السير في ممر طويل مع خلع ملابسه وتغطية عينيه وضربه وسبه، وهي واقعة تنكرها كل الجهات الأمنية.

ومن الانتهاكات أيضاً، تجاوز فترة الحبس الاحتياطي التي يحددها القانون بعامين، وقضاء 31 شهراً في ظروف غير إنسانية بسجن طرة الشديد الحراسة2، محروماً من التريض والمخدات وينام على "مصطبة" خرسانية، مع عدم تمكنه من مقابلة محاميه، كما لم يطلع فريق الدفاع على صورة رسمية من أوراق القضية رغم المطالبة المتكررة.

وأيضاً عدم احتساب فترة الحبس الاحتياطي ضمن مدة العقوبة المقررة بخمس سنوات، بعد نسخ نيابة أمن الدولة إحدى الجنح من القضية المحبوس علاء على ذمتها، وحددت لها رقماً جديداً وهو رقم 1228 لسنة 2021، التي تم على أساسها الإحالة للمحاكمة الجنائية أمام محكمة جنح أمن الدولة، لتبدأ فترة العقوبة منذ النطق بالحكم في كانون الثاني/ ديسمبر 2021.

وبعد هذه الانتهاكات دخل علاء إضرابه عن الطعام في 2 نيسان/ أبريل 2022، لتحقيق مطلبين رئيسيين، أولهما انتداب قاض للتحقيق في كافة الشكاوى والبلاغات المتعلقة بالانتهاكات التي تعرض لها منذ القبض عليه في سبتمبر/أيلول 2019، والثاني كمواطن بريطاني، بزيارة من القنصلية البريطانية له في محبسه للتداول في المسارات القانونية المتاحة أمامه.

وتوضح الدكتورة سويف أنه رغم تقدم الأسرة بأكثر من بلاغ للنائب العام وإبلاغه بشأن إضراب عبد الفتاح عن الطعام، لم يتم اتخاذ أي إجراء.

من خطاب إلى الخارجية البريطانية: "كمثقفين وفنانين مدافعين عن حقوق الإنسان، نشعر بالفزع لرؤية المعاملة اللاإنسانية التي يتلقاها علاء المحتجز بشكل تعسفي في أحد السجون المصرية"

وتضيف أنه مع نقل علاء من سجن طرة الشديد الحراسة 2 إلى سجن وادي النطرون (مركز الإصلاح والتأهيل) في آيار/ مايو 2022، استبشرت الأسرة وشعرت ببعض الاطمئنان، لكن عاد الانزعاج إليها، بعد إنكار مسؤولي وزارة الداخلية إضراب علاء عن الطعام، وحرمانه من ساعتي التريض، وعدم السماح له بالزيارة القنصلية، كما تم منع محاميه خالد علي من الزيارة رغم صدور تصريح من النيابة، ومُنع المحامي أيضاً من تحرير محضر بالامتناع عن تنفيذ تصريح النيابة.

وفي 9 حزيران/ يونيو الماضي، أصدرت وزارة الداخلية بياناً مقتضباً أكدت فيه أن الناشط السياسي علاء عبد الفتاح ليس مضرباً عن الطعام داخل محبسه، وأنها قدمت الأدلة التي تثبت ذلك إلى النيابة العامة، كما زارت لجنة من المجلس القومي لحقوق الإنسان سجن وادي النطرون المحتجز فيه علاء، وأكدت أن إدارة السجن أخبرتها بأن جميع النزلاء يحصلون على الرعاية الكاملة ولا يوجد بينهم مضربون عن الطعام، مشيرين إلى أنهم لم يروا علاء عبد الفتاح بأنفسهم لعدم حصولهم على إذن من النيابة.

خطاب إلى الخارجية البريطانية

وقبل يومين، نشرت الدكتورة أهداف سويف، صورة من خطاب تم توجيهه إلى الخارجية البريطانية، الأسبوع الماضي، يوقع عليه أكثر من ألف من الكتاب والفنانين ورجال القضاء، بشأن علاء عبد الفتاح.

وتضمن الخطاب إدانة الموقعين عليه "بشكل قاطع استمرار اعتقال الكتاب والإنسان البريطاني المصري علاء عبد الفتاح"، مطالبين باستخدام كل السلطات الدبلوماسية للاستفادة من العلاقات الإستراتيجية مع مصر لتأمين الإفراج الفوري عنه.

وعما أثير حول مخاوف لدى السلطات المصرية بشأن "عدم القدرة على ضبط لسان علاء حال السماح له بمغادرة مصر"، تقول شقيقته: "لو سابوه، عيلة كاملة هترجع تركز مع حياتها، خاصة إن محدش فيهم عمله الأساسي في المجال السياسي أو الحقوقي بما فيهم علاء"

وجاء في الخطاب أيضاً: "كمثقفين وفنانين مدافعين عن حقوق الإنسان، نشعر بالفزع لرؤية المعاملة اللاإنسانية التي يتلقاها علاء المحتجز بشكل تعسفي في أحد السجون المصرية، في قضية تمثل واحدة من عشرات القضايا التي احتجز على إثرها الآلاف من المختفين والمعتقلين في مصر، ومن بينهم صحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان".

وانتقد الخطاب عدم تمكن القنصلية البريطانية من لقاء علاء، وهذا ما يمثل سابقة مقلقة يجب التراجع عنها، مشيراً إلى أن اعتقاله لقي إدانة واسعة النطاق من قبل منظمات حقوقية بارزة من بينها: منظمة العفو الدولية، لجنة حماية الصحافيين، هومان رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدودو غيرها، كما دعت هيئة تحرير واشنطن بوست إلى إطلاق سراحه.

ماذا بعد؟

تقول منى سيف إنه رغم بدء علاء إضرابه عن الطعام لتنفيذ مطلبين رئيسيين، فإنه الآن أصبح مضرباً ليس لتحسين ظروفه، ولكن لإنهاء الرحلة الأليمة التي يعيشها منذ سنوات، إما بالخروج أو الموت.

وعما أثير حول مخاوف لدى السلطات المصرية بشأن عدم القدرة على ضبط لسان علاء عبد الفتاح حال السماح له بالخروج ومغادرة مصر إلى بريطانيا، قالت سيف إن هذا أحد مخاوف الدولة: "لكن التفكير ده يفتقر للصورة الكاملة، علاء شخص واحد، لكن أسرته الكبيرة كل فرد فيها سايب حياته ومتفرغ تماماً للتصدي وإعلان كل الانتهاكات التي تحدث في مصر وليس لعلاء فقط، ده معناه إن اللي هما خايفين منه إحنا بنعمل أضعافه. لو سابوه، عيلة كاملة هترجع تركز مع حياتها، خاصة إن محدش فيهم عمله الأساسي في المجال السياسي أو الحقوقي بما فيهم علاء، اللي وراه أهم دور ليه إنه أب محروم من ابنه".

أما إذا لم يتحمل جسد علاء السجن ومات فيه، فإن الأسرة ستتفرغ بشكل كامل لمحاكمة النظام: "لو مات في السجن، أسرتنا هتتخلى عن كل حاجة وهتبقى متفرغة تماماً لمحاكمة ومحاسبة النظام، بدل عائلة جوليو ريجيني في إيطاليا، هتبقى أسرتين في مواجهة النظام".

وأكدت منى أن الأسرة مستمرة في حملتها الضاغطة على الحكومة البريطانية أيضاً: "بخلاف الوقفات الاحتجاجية، هنضغط من خلال البرلمان ووسائل الإعلام".

وعن قمة المناخ COP27  التي تستضيفها القاهرة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، بتمثيل رفيع المستوى من أغلب دول العالم وبينها بريطانيا، قالت منى: "مش مفهوم إزاي حكومة بريطانيا وأي حكومة بتدافع عن حقوق الإنسان يشاركوا في قمة المناخ وفيه مواطن ليهم مش عارفين ينظموا ليه مقابلة مع القنصلية!، لكن السؤال الأهم، هل يتحمل جسد علاء الإضراب حتى نوفمبر المقبل؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard