القاهرة ـ أثينا ـ برلين... واحد قهوة من فضلك

الأربعاء 22 يونيو 202201:52 م

أغادر شقة صديقي في حي إكسارخيا بأثينا لأحتسي القهوة.

بعد كل هذا العمر ومحاولات عديدة باءت بالفشل، لم أتقن إعداد قهوة تعدل المزاج، الأمر الذي يضعني تحت رحمة الآخرين.

أتجول حتى أصل شارع أليكساندرا الرئيسي. عبر الشارع أرى أثينا في الناحية المقابلة، منتصبة القامة مرتكزة فوق عمود عالٍ، ترتدي خوذة رأس وفي يدها رمح وتحمل درعاً في اليد الأخرى.

الإلهة حامية المدينة. تعبيرات وجهها محايدة، لكن زيها العسكري يوحي بالتهديد وكأنها تسأل من أنت أيها الغريب؟ وماذا تسعى هنا؟

أتجول في شوارع اكسارخيا بحثاً عن غايتي.

قهوة إسبريسو مثلجة مع السكر.

المحل يمتلئ بحلويات شرقية وغربية تفتح الشهية. أشتري قطعة من الحلوى تشبه تلك الموجودة في مصر. يسمونها القطايفي ونسميها عندنا كنافة.

روائح الوطن

أختلس النظر إلى هاتف الشخص الذي يجلس بجواري على متن الطائرة المتجهة من برلين إلى أثينا.

ألاحظ أنه يكتب رسالة بالعربية. نتجاذب أطراف الحديث لأبدد قلقي من الطيران ولكن بالأساس لأشبع فضولي حول أسباب سفره.

"الشعب حباب والأكل كتير طيب"، يقول مبتسماً.

يذهب إلى اليونان للقاء عائلته وأصدقائه هناك.

قد تختلف دوافعنا قليلاً، ولكن يجمعنا شتاتنا ـ من سوريا في حالته ومصر في حالتي ـ وعدم قدرتنا على الرجوع إليهما.

بيد أن تكون منفياً في ألمانيا لا يعني أن كل شيء صار كئيباً، بل تصحبه امتيازات كثيرة، منها حرية التنقل داخل منطقة (الشنغن) الأوروبية.

أثينا ستكون قريبة من مصر، هكذا قال ذهني وهو يذوب من الحنين إلى الماضي.

تشبه أثينا القاهرة إلى حد كبير، كما تشبه الإسكندرية، الشوارع وبناياتها خاصة عندما تنعكس عليها الإضاءة الصفراء في الليل.

 في برلين أشعر بأنني مرئيٌ بشكل مفرط، أو غير مرئي على الإطلاق.

لست خبيراً في الهندسة المعمارية، لا يمكنني تمييز الآرت ديكو عن باوهاوس، لكنه شعور بالمساحة، ودرجة من الألفة، ليس فقط بطريقة البناء، ولكن بالمواد التي تتكون منها البنايات. لمسة من الرخام في رواق مبنى تثير ذكريات الطفولة.

كما تتشابه الحركة في فضاء المدينة.

يفسح شخص ما الطريق على الرصيف إذا اقتربت منه، وينزلق آخر على مقعده في المترو لاستيعابك. تتبادل والمارة نظرة سريعة في الشارع عندما تتجاوزهم، تحجيمك بأعينهم، وهو أمر لا يخلو من المخاطر إذا كنت تحمل جسماً مختلفاً، لا يخضع لمعايير الجندر الجامدة.

تلك الإيماءات تذكرني بديناميكيات القاهرة، لكنها لم تكن إطلاقاً تشبه برلين.

الجموع في أثينا تقرأ الفضاء العام وتتصرف بناء على المعطيات، على عكس الجموع التي تتحرك بناء على قواعد ثابتة وتُذكِر الآخر بها حالما يحيد عنها، كما هو الحال في برلين. في برلين أشعر بأنني مرئيٌ بشكل مفرط، أو غير مرئي على الإطلاق.

هنا في أثينا أمتزج في الحشود بشكل أكبر. ولكن لم يمنع ذلك أن هناك أيضاً لحظات عندما اختارني ضباط الشرطة من بين المارة لفحص عشوائي مطول.

ألاحظ في جولتي أن حي اكسارخيا تغير كثيراً.

منذ سنوات قليلة كان له طابع ثوري إذ تمركزت فيه الحركة المناهضة للفاشية وكانت تندلع به الاشتباكات بين المتمردين وقوات الشرطة باستمرار.

على خلفية قتل أحد المتظاهرين على يد قوات الشرطة في عام 2008 انتشرت تظاهرات في الحي وامتدت بعد ذلك إلى مناطق أخرى حول اليونان.

في أثينا أمتزج في الحشود بشكل أكبر. ولكن لم يمنع ذلك أن يختارني ضباط الشرطة من بين المارة لفحص عشوائي مطول

الآن، خاصة بعد جائحة الكورونا، أصبحت مسيرات الشرطة مشهداً اعتيادياً.

عند أول زيارة لي لأثينا جلست في أحد المطاعم المطلة على الميدان الرئيسي لأكسارخيا، وبعد لحظات بدأت أشم رائحة الغاز المسيل للدموع، وأنا أعرفها بشكل حميمي من تظاهرات التحرير في مصر.

فكرت عندها: "يبدو أن أثينا مصرة على تذكيري بروائح الوطن".

القهوة لا تخلو من السياسة

في زيارتي الأولى لأثينا، ظللت أتساءل عن المشروبات التي يحملها الجميع، ويرشفونها من مصاصاتهم بتلذذ. هل هي قهوة من نوع ما؟ القهوة الجاهزة في برلين غالباً معبأة في أكواب غير شفافة، تخفي محتوياتها بعناية، ولكن أكواب القهوة الشفافة في أثينا تسمح بقراءة حاملها وتفضيلاته: حليب أو ثلج أو رغوة. وقتها، لم أكن على دراية بأنواع القهوة ولا أعرف تفضيلاتي، ناهيك بكيفية طلب واحدة.

عند أول زيارة لي لأثينا جلست في أحد مطاعم أكسارخيا، وبعد لحظات بدأت أشم رائحة الغاز المسيل للدموع، وأنا أعرفها بشكل حميمي من تظاهرات التحرير في مصر.
فكرت عندها: "يبدو أن أثينا مصرة على تذكيري بروائح الوطن".

لا أتذكر شرب الكثير من القهوة في القاهرة. تعتبر مصر ثقافة شاي أكثر منها ثقافة قهوة. قرأت مرة أن هذا هو الحال في البلدان التي كانت مستعمرات بريطانية سابقة، على عكس المستعمرات الفرنسية التي تميل إلى القهوة. لاحظت في سوريا ولبنان أنهم يشربون القهوة أكثر من الشاي، مما يعزز هذه النظرية.

في مصر، أتذكر تناول فنجان من القهوة في مناسبات رسمية أو في الجنازات حيث يتم تكليف الشخص مهمة تقديم مشروبات بلا نهاية. تقدم القهوة في فناجين صغيرة مزركشة مع "الوش"، وإلا فهي قهوة فاشلة.

تُسمى هذه بالقهوة التركية وهي تشبه إلى حد كبير القهوة اليونانية.

في أحد المقاهي في أثينا، ارتكب صديقي المصري خطأ فادحاً عندما طلب قهوة تركية، مما أثار سخط النادل.

اعتذر صديقي، بينما استطعت بصعوبة احتواء ضحكتي. طلب القهوة أمر لا يخلو من التاريخ والسياسة. لكنه سامحنا في النهاية وأعطانا حلويات ومشروبات مجانية.

القهوة هي في الواقع طفل للعولمة.

مع وصول نيسكافيه، العلامة التجارية للقهوة السريعة الذوبان، أصبحت القهوة عنصراً أساسياً في بيتنا.

أتذكر كيف بدأت أمي، التي لم تكن تشرب القهوة في يوم من الأيام، في احتساء نسكافيه. في وقت ما أصبح نسكافيه الاسم الشائع، لتحل محل الكلمة العربية قهوة. في بداية الألفية الجديدة، بدأت سلاسل محلات القهوة العالمية بالانتشار في القاهرة.

استحوذ الكابتشينو واللاتيه والإسبريسو بشكل متزايد على المفردات المصرية.

حكاية القهوة هي قصة نظام عالمي. عُرفت في إثيوبيا وسافرت من موانئ اليمن عن طريق التجارة العربية إلى أنحاء مختلفة من العالم.

مع وصول نيسكافيه، العلامة التجارية للقهوة السريعة الذوبان، أصبحت القهوة عنصراً أساسياً في بيتنا.
أتذكر كيف بدأت أمي، التي لم تكن تشرب القهوة في يوم من الأيام، في احتساء نسكافيه.

عندما زاد الطلب عليها في أوروبا، قامت القوى الاستعمارية بتسخير مستعمراتها لزراعة القهوة كما فعلت مع القطن وقصب السكر. تم تسيير مزارع جماعية عن طريق السخرة والعبودية في أفريقيا وشرق آسيا ومنطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية.

ساهمت القهوة في التحول الصناعي في أوروبا، حيث تم تزويد العمال بالقهوة لزيادة إنتاجيتهم وتمكينهم من العمل فترات طويلة.

كتب مارك بينديرغراست في كتابه عن تاريخ القهوة "لقد أصبح مشروب الطبقة الأرستقراطية هو العقار المنشط الضروري للجماهير، وحلت قهوة الصباح محل حساء البيرة على الإفطار".

حتى الآن تجري زراعة القهوة بشكل رئيسي في ظروف عمل شاقة في دول أكثر فقراً ممثلة تهديداً على توازنها البيئي.

تتصدر القهوة قوائم المنتجات التي تُصدّر عالمياً، وتسافر حبوبها عبر الحدود لإرضاء ذائقة سكان الدول الصناعية الذين يختلف دخلهم اليومي بشكل كبير عما يجنيه من حصدوها بأيديهم.

الحنين كممارسة يومية

في برلين، أصبحت القهوة عادة رفيقة.

يقدم مكان عملي قهوة مفلترة مجانية في المطبخ.

أسكب لنفسي الكوب بمجرد وصولي للمكتب حتى أستطيع التفكير والتحدث باللغة الألمانية.

لكن قهوة المكتب طعمها مقرف.

أضيف الحليب للتمويه، بعض السكر لتحليتها بلا فائدة. أتعجب لزملائي الألمان الذين يحتسون خمسة أكواب منها في اليوم.

لتجنب قهوة المكتب الرهيبة، بدأت في أخذ فترات راحة للعمل في المقهى القريب من مكتبي.

قد يكون الحنين للمكان أو للناس أو ما كنا عليه. هو شعور لا مفر منه، ولكن يمكن التعايش معه في الغربة عن طريق إدماجه في الممارسات اليومية مثل مشاهدة مسلسل تلفزيوني قديم أو أكلة يتم إعدادها بوصفة تم تمريرها في العائلة.

حتى في المقاهي كانت تجربة القهوة غير مرضية، لم يعجبني طعم القهوة العادية، لذلك كنت لا أزال أضيف الحليب.

الجو بارد معظم العام في برلين فلابد من تناولها ساخنة، ولكن عندما يضاف إليها الحليب تقدم فاترة.

بعد دقيقة من استلامها في يوم شتوي، تصبح باردة بشكل مؤلم.

قد يوقظني فنجان القهوة في برلين. تزيح ضباب عقلي. لكنها لا تعانقني ولا تدغدغ روحي. احتساء القهوة في برلين أمر عملي وجدي.

في أثينا، وقعت في غرام القهوة المثلجة المسكرة والتي تعطي دفعة من الطاقة مع طفرة من المتعة. أدركت أنه لا يعنيني نوع البن ولا كيفية نقعها، ولكن يعجبني طريقة تقديمها. يعجبني شكلها وألوانها وابتسامة الباريستا وهو يناولها.

احتساء القهوة هنا لا علاقة له بالقدرة الإنتاجية. أدركت أن ذائقة الناس هنا تشبه ذائقتي وأن الطعم مكون رئيسي للحنين.

قد يكون الحنين للمكان أو للناس أو ما كنا عليه من قبل. هو شعور لا مفر منه في كل الأحوال ولكن يمكن التعايش معه في الغربة عن طريق إدماجه في الممارسات اليومية مثل مشاهدة مسلسل تلفزيوني قديم أو أكلة يتم إعدادها بوصفة تم تمريرها في العائلة.

ربما أتصل بأحد أصدقائي في مصر وأسأل عن وصفة لإعداد القهوة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard