"الحرب بين الحروب" تتوسّع... لماذا اختارت طهران إسطنبول للرد على تل أبيب؟

الثلاثاء 21 يونيو 202204:43 م

في ظل صراع إسرائيلي- إيراني معلن، وضربات إسرائيلية متكررة لإيران في العاصمة السورية دمشق، أو في قلب إيران، وجدت تركيا نفسها وسط بقعة الضوء على مسرح الإعلام، بعد تحذيرات مفاجئة أصدرها وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، عبر حسابه في تويتر، إلى مواطنيه، بمغادرة إسطنبول أو عدم السفر إليها خلال الأسبوع الماضي، "لوجود خطر حقيقي وفوري"، بعد توارد الأنباء عن إحباط هجوم إيراني فيها على سيّاح إسرائيليين.

وبالتزامن مع تصريحات لابيد، أصدر "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي"، بياناً قال فيه إنه "رفع مستوى التحذير إلى المستوى الرابع"، وهو أعلى مستويات التحذير.

سرعان ما أصدرت الخارجية التركية بياناً ردت فيه على تغريدات لابيد، قالت فيه إن "تركيا بلد آمن يواصل مكافحة الإرهاب داخلياً وخارجياً بأكثر الطرق فاعليةً"، وإن "إصدار بعض الدول تحذيرات إلى مواطنيها من السفر إلى تركيا يرتبط بتطورات ودوافع دولية مختلفة، ونتخذ كافة الإجراءات الأمنية اللازمة".

اللافت أن البيان لم يشِر بشكل مباشر إلى تصريحات لابيد، كما أنه لم يحمل صيغةً حادةً بقدر ما يشير إلى احتواء الموقف والسير نحو التهدئة.

من جهتها، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية بعض تفاصيل تحركات تل أبيب لإحباط العمليات الإيرانية، إذ قالت "القناة 13" إن مسؤولين إسرائيليين اتصلوا بامرأة إسرائيلية في إسطنبول، وطلبوا منها المغادرة فوراً واصطحبوها إلى المطار، وفق القناة.

قالت "القناة 13" إن مسؤولين إسرائيليين اتصلوا بامرأة إسرائيلية في إسطنبول، وطلبوا منها المغادرة فوراً واصطحبوها إلى المطار

ما بعد التحذيرات

تأتي هذه التحذيرات في ظل تفاؤل أنقرة بموسم سياحي كبير يساهم في دفع الاقتصاد التركي الذي يعاني بدوره من أزمات عدة نتيجة كورونا واختناق سلاسل التوريد وتبعات الغزو الروسي لأوكرانيا من جهة، وتحسن العلاقات التركية-الإسرائيلية من جهة أخرى.

وأجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اتصالاً بنظيره الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الأحد الماضي، وقال الأخير خلاله إن "إيران ستدفع الثمن"، بحسب تقارير إعلامية، فيما يقوم وزير الخارجية الإسرائيلي بزيارة إلى أنقرة الخميس المقبل، وما بين المكالمة الهاتفية والزيارة، أجرى وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو، مكالمةً هاتفيةً مع نظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان.

تشي هذه التحركات بأن التصريحات الإسرائيلية جديّة للغاية، وليست مجرد حركة ضغط باتجاه أنقرة أو إيران، خاصةً مع الضربات الإسرائيلية الأخيرة لإيران، سواء في عمق الأخيرة أو في مناطق نفوذها في سوريا، وتحديداً القصف الذي طال مطار دمشق الدولي الأسبوع الماضي، والذي أدى إلى إخراجه من الخدمة حتى إشعار آخر.

لماذا تركيا؟

أحد الأسئلة المطروحة في الوقت الحالي، هو سبب اختيار إيران تركيا لتصفية حسابها مع إسرائيل، خاصةً أن أنقرة تنتظر موسماً سياحياً مزدحماً في ظل الصعوبات الاقتصادية الحالية من جهة، وتحسن علاقاتها مع تل أبيب من جهة أخرى.

يرى الباحث في الشأن الإيراني، ضياء قدور، في حديثه إلى رصيف22، إن "تركيا تشكل بيئةً مناسبةً للعمل الاستخباراتي الإيراني، لأن عناصر الاستخبارات الإيرانية يمكنهم العمل بسهولة بسبب الحدود الطويلة بين البلدين، كما يمكن إرسال الفرق الاستخباراتية بشكل أسهل وتنفيذ العمليات والانسحاب بسرعة كذلك، لكن الأمر لا يتوقف على تركيا بطبيعة الحال".

تشكل تركيا بيئةً مناسبةً للعمل الاستخباراتي الإيراني، لأن عناصر الاستخبارات الإيرانية يمكنهم العمل بسهولة بسبب الحدود الطويلة بين البلدين، كما يمكن إرسال الفرق الاستخباراتية بشكل أسهل وتنفيذ العمليات والانسحاب بسرعة

يعتقد قدور أن التهديدات "لها ما يثبتها على الأرض، فالمنصات الإعلامية الإسرائيلية تنشر صور أعضاء فيلق القدس الخاصة، ونفذت إسرائيل بالفعل عمليات اغتيال داخل إيران، وبدأت تقارير الاغتيالات والاستهداف تتزايد بكثافة بعد اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده".

من جهته، يُرجع الكاتب والصحافي المختص بالشؤون الإسرائيلية، خالد خليل، جدية التهديدات إلى "انهيار مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني" في فيينا، إذ إن "إيران وضعت شروطاً صعبةً لا يمكن تنفيذها، منها إزالة اسم الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب، وهو ما لا يمكن لواشنطن تنفيذه".

ويضيف خليل لرصيف22: "يبدو أن صبر القوى الغربية قد نفد، وقاموا بالضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي وجهت خطاب توبيخ إلى إيران لأن الأخيرة لا تتعاون وهناك آثار لليورانيوم ومنشآت لم تصرّح عنها، ويبدو أن التعنت الإيراني ونفاد صبر القوى الغربية والظروف الحالية أدت إلى منح إسرائيل ضوءاً أخضر لتصعيد عملياتها العسكرية والسرّية ضد إيران".

أنقرة محرجة

قد تبدو التصريحات الإسرائيلية محرجةً لأنقرة، وقد تسبب ضرراً كبيراً لموسمها السياحي المنتظر، خاصةً مع إعلان وزارة الثقافة والسياحة التركية عن توقعات بعائدات سياحية تتجاوز 35 مليار دولار تقريباً، واستقبال البلاد حتى نهاية حزيران/ يونيو الحالي لـ19 مليون سائح.

الصراع الإيراني-الإسرائيلي، ينتقل من بلد إلى آخر، وبعد عبوره الحدود من سوريا باتجاه جارتها الشمالية تركيا، لا يمكن التنبؤ بشكل المواجهة المقبلة بين الطرفين ولا كيفيتها

لكن خالد خليل، يرى أن الكشف عن العمليات الإيرانية ضد إسرائيل في تركيا، "لا يتعلق بإحراج الأخيرة، بل أعتقد أن هناك اتفاقاً على كشف هذه المعلومات"، ويدلل خليل على اعتقاده بالإشارة إلى "صيغة البيان الصادر عن وزارة الخارجية التركية، الذي لم يشِر بشكل مباشر إلى التصريحات الإسرائيلية، وحمل اتجاهاً للاحتواء والتهدئة لا التصعيد".

ويضيف: "من جهة أخرى، فإن التصريحات تتزامن مع عودة واشنطن إلى الشرق الأوسط وحلفائها التقليديين (دول الخليج وإسرائيل وتركيا)، بعد أزمة الطاقة وغزو أوكرانيا، وفي هذا الإطار نجد أن هناك مصالح مشتركةً، خاصةً أن التقارير الإسرائيلية تحدثت عن تعاون وتنسيق عاليين بين أنقرة وتل أبيب".

كذلك، يرى قدور أن "الاستخبارات التركية نفذت العديد من العمليات الناجحة ضد نشاط المخابرات الإيرانية في تركيا، بعضها ظهر إلى الإعلام والآخر بقي طي الكتمان، وهذه العمليات نجحت من خلالها تل أبيب في اعتقال عدد من عملاء الاستخبارات الإيرانية". وبرأيه، تحركات تركيا الأمنية الأخيرة "حاسمة وقاطعة لأن التحركات الإيرانية تُعدّ تهديداً لأمن تركيا واستقرارها".

يبدو أن الصراع الإيراني-الإسرائيلي، ينتقل من بلد إلى آخر، وبعد عبوره الحدود من سوريا باتجاه جارتها الشمالية تركيا، لا يمكن التنبؤ بشكل المواجهة المقبلة بين الطرفين ولا كيفيتها ولا مكانها كذلك، وتالياً ولا نتائجها حتى، وهو ما يعني المزيد من التعقيد في ملفات المنطقة التي تعاني اقتصادياً وسياسياً نتيجة الأزمات المتتالية الدولية، كما لا يبدو أن أنقرة على استعداد للتهاون مع التحركات الإيرانية، خاصةً في ظلّ تشابك الملفات التي تجمعهما كملفّي "أرمينيا-أذربيجان"، وسوريا، وغيرهما من الملفات العالقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard