قصة "عادية" في اليوم العالمي للّاجئين

الاثنين 20 يونيو 202204:48 م

يصادف يوم اللاجئ العالمي الـ 20 من حزيران/يونيو من كل عام، وهي مناسبة مخصصة للاجئين حول العالم. ننشر اليوم مجموعة من المقالات والتقارير حول هذه القضية.

للعراق حصته من اليوم العالمي للاجئين، نظراً إلى عدد نازحيه والمقدّر بمليون نازح داخلياً، والذين ينتشرون بين مخيمات عدة تقع غالبيتها في مناطق نائية ضمن إقليم كردستان، وبالرغم مما يعنيه العيش بين مخيمات النزوح، إلا أن كُل تلك المعاناة لم تستطع كسر إرادة قاطنيها في النجاح.

وللطائفة الأيزيدية قصص كثيرة من هذه النجاحات المنبثقة من رحم الألم، فبالرغم مما مر به أبناء هذه الديانة إبان سيطرة تنظيم داعش على مناطقهم، وقتله أكثر من 1،280 من أبنائهم بحسب الإحصائيات الرسمية، فإن عجلة الحياة لا تزال تدور بين الخيم المتراصة على أراضي المخيمات الجرداء.

فيصل ملكو

فيصل ملكو فندي، هو واحد من بين قصص كثيرة في مخيمات النزوح، من الذين قرّروا ألا يستسلموا لواقعهم الجديد، الذي قلب حياتهم رأساً على عقب. كان يعيش في مدينته في سنجار، يُتابع دراسته ويحاول أن يبني مستقبله في بلاد لا تعرف الهدوء، وتنتقل من أزمة إلى أخرى، لكنه يوماً لم يتوقع أن يجد نفسه منفياً عن بيئته وبيته وحياته.

فيصل ملكو فندي، هو واحد من بين قصص كثيرة في مخيمات النزوح، من الذين قرّروا ألا يستسلموا لواقعهم الجديد، الذي قلب حياتهم رأساً على عقب

مضى فيصل في المجهول هرباً من عصابات التنظيم إلى مخيم كبرتو للنازحين في دهوك. لم يترك لليأس أن يأخذ منه الكثير. سريعاً بدأ بمحاولة ترميم ما انكسر في حياته. بحث عن مدرسة ليتابع فيها تحصيله العلمي لكن أوضاع العراق وأزمة النازحين عكرتا مساعيه، ما دفعه إلى التسجيل كطالب احتياط لخوض غمار البكالوريا، "وهو قرار تربوي، أعد خصيصاً للنازحين، بسبب عدم قدرة المدارس على استيعاب الزخم الطلابي، ويشبه نظام التعليم الخارجي إلى حد ما". 

يقول لرصيف22: "كنت أدرس في خيمة صغيرة تُخزّن أشعّة الشمس لتتحول إلى شيء يُشبه السونا. طموحي إلى دراسة الصيدلة كان الدافع الرئيسي خلف تحمّلي كُل الظروف القاسية في المخيم، وهو ما تم بعد قبولي في كلية الصيدلة/ جامعة الموصل، ولكن العقبات لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ كانت لا تزال المدينة تحت نير الاحتلال، وتالياً لا جامعة ليرتادها".

أجبر فيصل على تأجيل السنة الدراسية، ولكنه عاد في السنة التالية، بعد فتح الموقع البديل لجامعته في محافظة كركوك، بالرغم من بعد المسافة بين مخيمه ومقر جامعته البديل، والبالغ 260 كم ذهاباً ومثلها إياباً.

نجاح خارج المهنة

أنهى فندي دراسته الجامعية، وحصل على الشهادة، ولكنه لا يزال في انتظار الموافقة الخاصة على تعيينه المركزي ضمن ملاك وزارة الصحة، فقرّر العمل في إحدى الصيدليات الخاصة لإبعاد شبح الحاجة المادية عنه وعن عائلته. كان أيضاً يهوى لعبة الشطرنج، ونال المركز الأول على المستوى المحلي في إحدى الدورات التي أقيمت في المحافظة.

ذكريات الألم التي تطارد فيصل عززت حاجته إلى التعبير عنها، فاتجه نحو رسم ألمه على الحجر، فـ"كل حجر أرسم فوقه قصة معاناة من وحي الألم الأيزيدي"، فعُرف في المخيم وخارجه بقدرته على تحويل الحجارة إلى لوحات تحكي عمّا يعانيه الشعب الأيزيدي في العراق، وما تعرضوا له من ظلم، وما زالوا.

لوحات فيصل عبرت حدود مخيمه نحو مشاركتها في معرض "spring of hope"، والذي أقيم بدعم من المنظمات الإنسانية، في مخيم شارية في محافظة دهوك، في 1 أب/ أغسطس عام 2020، قبل يومين من الذكرى السنوية للإبادة الأيزيدية، في محاولة تهدف إلى إنهاء معاناة قاطني هذه المخيمات.

أوجاع النزوح وضنك الحياة في المخيمات، دفعته أيضاً إلى التطوع مع المنظمات التي تساعد النازحين، بالإضافة إلى أنه أحد أعضاء مشروع حماية المدافعين عن حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمل العراقية، التي تقودها الناشطة الإنسانية هناء إدور.

وعن الدعم الذي ساعده في تحقيق النجاح، يؤكد أنه محصور بالأهل والمقربين، ولم يحظَ بأي دعم من قبل المنظمات أو الحكومة، ويرى أن الطموح الشخصي ووضع الأهداف الشخصية، خير وسيلة لتحقيق النجاح والاستمرار في الحياة بالرغم من كل العقبات.

فيصل شاب تهجّر من منزله في سنجار بعد سيطرة داعش على المنطقة، قرّر أن يتابع مسيرته التعليمية، تخرّج ولا يستطيع العمل، لا أحد دعمه، يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في بلاد لا مكان فيها للطموحين، يرسم عن وجع طائفة بأسرها، تآمر عليها كُثر ولا زالوا

وبالرغم مما حققه فيصل من نجاحات على المستوى الشخصي، فإن المستقبل لا يزال مجهولاً بالنسبة له، ويعزز هذا المجهول، ابتعاد الحلول عن ساحة التطبيق الفعلي المؤدي إلى عودتهم إلى مناطقهم، ويرى أن المانع في ذلك هو تحكم المصالح الدولية والشخصية بقضية النازحين، بعيداً عن إرادة النازحين أنفسهم.

وعود بلا تطبيق

بالرغم من الوعود بإنهاء ملفات النازحين، ولكن الأزمة لا تزال مستمرةً حتى اليوم، فيما تبدو الحلول بعيدةً عن أن تتحول إلى أفعال، ويرى مصدر سياسي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن السبب الرئيسي لاستمرار الأزمة، هو الفساد الذي يلاحق ملفات إعمار المناطق الأصلية للنازحين، أو إدراجها ضمن المناطق المتنازع عليها سياسياً.

وفي ما يخص ملفات النازحين الأيزيديين، يعتقد المصدر أن إهمال ممثلي المكون للأزمة هو أحد أسباب التأخير الحاصلة، ويبرر رأيه بعدم تقديم أي مشروع قانوني يمهّد لعودة الأيزيديين الى مناطقهم، ولكنهم في الوقت ذاته استطاعوا تقديم الدعاوى القانونية لزيادة عدد مقاعدهم النيابية، ويستدل في رأيه بالقوة التي يملكها ممثلو الكوتا بشكل عام، بالإضافة إلى ما تملكه الطائفة الأيزيدية من نفوذ داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، والمتمثل في مقعد النائبة الأيزيدية فيان الدخيل.

ومن جهة أخرى، يبدو أن للحكومة مخاوفها الخاصة بشأن إعادة النازحين الأيزيديين، لا سيما في ظل حربها الحالية ضد تنظيم اليبشة "قوات المقاومة الأيزيدية" المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

يبلغ عدد مخيمات النازحين بحسب تصريح عضو لجنة المهجرين النيابية محمد رسول الرميثي، لوكالة الأنباء العراقية في 6 حزيران/ يونيو الحالي، 28 مخيماً، منها 26 في إقليم كردستان

وتالياً، فإن الخوف الحكومي من نجاح اليبشة في تجنيد العائدين يقف عائقاً أمام عودة لاجئي مخيمات النزوح، بالإضافة إلى تمسك حكومة إقليم كردستان بهذه المخيمات رغبةً في منعهم من العودة إلى مناطق سيطرة الحكومة الاتحادية، وضمهم ضمن إحصائيات الإقليم السكانية، وهو ما تبرره مساعي تحويل المخيمات إلى مناطق سكنية من خلال تحويل خيمها القماشية الى أبنية إسمنتية.

يُذكر أن عدد الأيزيديين وصل الى 550 ألفاً في العراق، ويتمركزون في قضاء سنجار التابع لمحافظة نينوى على الحدود السورية، بالإضافة إلى وجود أقل في إقليم كردستان ومحافظة كركوك.

مخاطر استمرار الأزمة

يبلغ عدد مخيمات النازحين بحسب تصريح عضو لجنة المهجرين النيابية محمد رسول الرميثي، لوكالة الأنباء العراقية في 6 حزيران/ يونيو الحالي، 28 مخيماً، منها 26 في إقليم كردستان، و2 ضمن محيط مدينة الموصل، وهو تصريح غير دقيق، إذ لا يزال مخيما العامرية وبزيبز قائمين في محافظة الأنبار، ويعاني من يقطنهما من الإهمال وانعدام الخدمات.

ويهدد استمرار وجود هذه المخيمات بكوارث اجتماعية جمة، بحسب الباحثة الاجتماعية سجى خالد، التي تؤكد أن جوانب الخطر تزداد بازدياد اليأس الشعبي من حل أزمتهم، بما ينذر بارتفاع وتيرة العنف الاجتماعي.

وشهد مخيم شاريا في محافظة دهوك، في 4 حزيران/ يونيو، جريمةً من هذا النوع، إذ هاجم ثلاثة أشخاص، الضحية وجدي زيدان (18 عاماً)، وقطعوا أذنيه، فيما لا تزال تحقيقات الأجهزة الأمنية مستمرةً للكشف عن الجناة ودوافع الجريمة.

وتضيف خالد أن الجانب الثاني يتعلق بهوية قاطني مخيمات النزوح، بما يسهل استغلالهم ضمن أجندات خاصة أو حزبية أو إجرامية، بالإضافة إلى التهديد بزيادة نزعات التطرف والتعصب لدى قاطنيها، نتيجة ضعف اختلاطهم ببقية المناطق والمكوّنات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard