"النقد في وادٍ والقراء الشباب في وادٍ آخر"... ألتراس الرعب والسخرية

"النقد في وادٍ والقراء الشباب في وادٍ آخر"... ألتراس الرعب والسخرية

ثقافة

الثلاثاء 12 يوليو 202211:00 ص

عرفت الأوساط الثقافية في مصر منذ الألفية الثالثة، ظاهرة جديدة ارتبطت بجيلي الثمانينيات والتسعينيات من القُرّاء الشباب، وامتدت إلى جيل العقد الأول من الألفينات، وهي وجود عدد ضخم من مُشجّعي وعشاق كاتب/ كاتبة ما، على غرار روابط الألتراس من مشجعي كرة القدم، يسارعون لشراء مؤلفات الكاتب التي تصبح بالضرورة ضمن قائمة الأكثر مبيعاً، ويتداولون أخبار الكاتب وتصريحاته واقتباسات من مؤلفاته، ويحرص كثير منهم على حضور ندواته، والتقاط الصور التذكارية معه.

اقترنت الظاهرة في بدايتها باسم العراب الأديب الراحل، الدكتور أحمد خالد توفيق، والذي حظي بشعبية جارفة منذ النصف الثاني من التسعينيات، بسبب سلاسل روايته، مثل: "فانتازيا"، و"سفاري"، و"ما وراء الطبيعة"، حتى أنها استمرت بعد وفاته المفاجئة في عام 2018، والتي شكّلت صدمة لعشاقه من القراء.

وأثّرت ظاهرة العراب على جيل من الكُتّاب/ الكاتبات، الذين اختاروا أدب الرعب والفانتازيا ليكون محوراً لإبداعاتهم، ورغم أن أحداً منهم لم يحظ بنفس حجم شعبيته التي وصلت إلى ملايين القراء، فإن عدداً منهم يحظى بشهرة واسعة، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في صنعها.

كُتّاب الرعب والخيال الأكثر شعبية

وفي السنوات الأخيرة بزغت أسماء الروائيين الشباب أحمد يونس، محمد عصمت، حسن الجندي، د. أحمد خالد مصطفى، شيرين هنائي، تامر عطوة، عمرو الجندي، في مجالي أدب الرعب والخيال العلمي؛ إذ حقق كل منهم شهرة واسعة بين القراء الشباب، والذين بدورهم كوّنوا روابط لمحبي أعمالهم.

ويُعتبر الروائي أحمد مراد (44 عاماً) أكثر الكُتّاب شهرة بين القرّاء الشباب خلال العقدين الأخيرين؛ إذ يتمتع برابطة من الألتراس، ينشطون على مواقع التواصل، وفي مجموعات القراءة عبر فيسبوك، ويحضرون ندواته بأعداد كبيرة، كما تنفذ طبعات رواياته سريعاً من المكتبات، وساهمت كتابته لسيناريو بعض الأفلام المقتبسة عن مؤلفاته في زيادة شهرته .

ولدى الروائي د.عمرو عبدالحميد (35 عاماً)، رابطة كبيرة من القراء الشباب المحبين لأعماله، التي تنتمي إلى "أدب الخيال"، ولا سيما طلاب الجامعات، وهو ما دفعه إلى عمل أجزاء لروايتيه الأشهر “أرض زيكولا”، و“قواعد جارتين”، بعد حجم المبيعات الكبير الذي حققته، ونفاذ طبعاتها.

وللكاتبات نصيب

ورغم سيطرة الكُتّاب الذكور على المشهد الثقافي، إلاّ أن بعض الكاتبات حظين أيضاً بصيت وألتراس من القراء؛ إذ نجحت الكاتبة الساخرة سارة الذهبي، خلال أربع سنوات فقط، في تحقيق شهرة واسعة عبر مواقع التواصل، بكتبها الثلاثة التي تناقش مشكلات وقضايا اجتماعية بشكل ساخر؛ وتجاوز عدد متابعي صفحتها الرسمية على فيسبوك 400 ألف متابع.

وتحظى الكاتبة هند عبدالله، الشهيرة بـ"نور مانجا"، بشعبية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يتابع حسابها الرسمي على فيسبوك أكثر من 160 ألف متابع، وتحقق مؤلفاتها مبيعات كبيرة.

"النقاد عادة لا يهتمون بصغار الكتاب الذين ينشرون أعمالهم الأولى، وهناك شللية للكُتّاب والنُقاد، ما يفقد النقد مصداقيته، فالنقد الأدبي في وادٍ والقُراء الشباب وجمهور السوشيال ميديا في وادٍ آخر"

وتعتبر الروائية نور عبد المجيد، الأشهر بين كاتبات جيلها في مجال الأدب الرومانسي الاجتماعي، وتتصدر أعمالها الأكثر مبيعاً في المكتبات، وتحظى بعدد كبير من القراء  وخاصة الشباب، كما حققت بعض الروائيات الشابات نجاحاً ملحوظاً وشعبية على مواقع التواصل، وصُنّفت بعض رواياتهن ضمن قوائم الـ”بيست سيلر”، ومنهن: نهلة كرم، ونورا ناجي، شيرين سامي، رباب كسّاب.. إلخ.

كاتبات مُنتقبات وأدبهن السلفي

بينما تتمتع الروائية دعاء عبدالرحمن، بجمهور ذي طبيعة خاصة يمكن وصفه بــ"محبي الأدب النظيف"، أي "الأخلاقي" وذي الصبغة الدينية، ويتجاوز عدد متابعي دعاء، التي ترتدي النقاب وتكتب روايات رومانسية اجتماعية خالية من الجنس ولا تخلو من الوعظ الديني، أكثر من 150 ألف متابع.

ويتشابه جمهورها مع متابعي الروائية والكاتبة الإسلامية الدكتورة حنان لاشين، الذين يتجاوز عددهم على مواقع التواصل نصف مليون متابع لحسابها الرسمي عبر فيسبوك، وتكتب لاشين التي ترتدي أيضاً النقاب، روايات اجتماعية تخلو من التابوهات، ومؤخراً واجهت الكاتبة هجوماً عنيفاً على روايتها الأخيرة "سُقطرى"، لكن جيش متابعيها دشنوا حملة للدفاع عنها.

كل ذلك، يجعل أي مهتم بالرواية والأدب أن يتساءل حول قدرة روابط الألتراس الشابة تلك على تشكيل المشهد الروائي كما يقرأ ويطلب، وهل ثمة معايير جمالية وذوقية ينتصرون لها، وتؤثر بدورها على دور النشر، وفي إبراز نوعية معينة من الكتاب؟

الكاتب وعدد متابعيه

يرى الشاعر إسلام وهبان، مؤسس مدونة ومجموعة القراءة "مكتبة وهبان"، أن مجموعات القراءة قد تخلق اهتماماً بعمل معين، لكن يصعب عليها خلق شهرة كاتب/ كاتبة يفتقد لـ"مقومات الشهرة والتواصل مع القراء"، يوضح: "من الصعب أن تفرض على آلاف القراء كتابة آراء إيجابية عن عمل معين، البعض يصنع حملات مدفوعة للترويج لكتاب معين، وكتابة بعض الريفيوهات الإيجابية عنه، لكن القارئ لم يعد ساذجاً".

ويكشف، وهبان أن هناك عوامل تتحكم في شهرة كاتب أو عمل ما وتحقيقه لمبيعات كبيرة، وليس بالضرورة أن تكون جودته السبب، منها: متابعوه على السوشيال ميديا؛ فبعض "الإنفلونسر" دخلوا مجال الكتابة بعد شهرتهم، وكثير من دور النشر تتواصل مع معهم، وتقنعهم بالكتابة ونشر كتبهم.

"بعض دور النشر تشترط في بعض الأعمال أن يكون لدى الكاتب عدد معين من المتابعين".

ويلفت وهبان إلى أن بعض دور النشر تشترط في بعض الأعمال أن يكون لدى الكاتب عدد معين من المتابعين، كما أن قدرة الكاتب على اختيار الشريحة التي يخاطبها، ودرايته بمشاكلهم عامل مهم في انتشار أعماله، خصوصاً في مجال الكتابة النفسية وكتب التربية.

ويرى الروائي عمرو الجندي، أن شهرة الكاتب لا تعني جودة أعماله، في ظل العالم الرقمي، الذي يتحكم في مجريات الأمور من فهرسة وتحليل بيانات وخورازميات، مشيراً إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تمثل 70% على الأقل في صناعة أي علامة تجارية، ومصداقيتها وشعبيتها، ثم يأتي المحتوى ليبرهن على مدى أهلية الكاتب من عدمها.

ويلفت الجندي إلى ما يسميه "سياسة القطيع"، ويعني "وصول كاتب لمرحلة معينة من الشهرة قد تنفي أي تعارض أو نقد حقيقي، لأنه ببساطة اكتسب قوة الرأي العام".

ويُحمّل الجندي تلك الظاهرة للناشر، الذي لا يأبه سوى بالمبيعات، تاركاً المجال في أيدي "كل من هب ودب"، وأحياناً يكون جاهلاً بأصول عمله، متناسياً أنه يقدم أدباً، بالإضافة لعدم وجود مدارس نقدية جديدة تساير ما يقدم من "طفرة في الأدب يعتبره معظم النقاد هشاً أو ضعيفاً، مثل الأدب البوليسي أو أدب الرعب أو الفانتازيا، متناسين أنه الآن يمثل 90% من المبيعات"، على حد تعبيره.

الشهرة بنت أسلوب الكاتب

يختلف عمرو عبدالحميد مع الجندي، فهو يشدد على أن أسلوب الكاتب هو العامل الرئيسي لشهرته، أما الشعبية وليدة السوشال ميديا وعدد المتابعين الكبير لا تدوم بعد إصدار الكاتب لكتاب سيئ ،موضحاً أن هناك كتباً مشهورة لا تُعجب القراء المخضرمين، لكنه لا ينفي أهمية التسويق الجيد لإنجاح الكتاب، وأن مواقع التواصل جعلت من السهل على الكُتاب الوصول لدور النشر، مشيراً إلى أن شهرة الكاتب تحميه من الكثير من حالات الرفض لأعماله، وتجعل كتبه في قائمة الأعلى مبيعاً.

ويضيف عبدالحميد أن "القواعد النقدية تختلف عن قواعد الجمهور، فالنقد له أسسه وقواعده، على عكس القارئ، ولكن من المهم أن يحظى الكاتب بإشادة النُقاد والجمهور في نفس الوقت"، على حد تعبيره.

وتختلف معه قليلاً الروائية شيرين سامي، وترى أنه من أسباب شهرة الكُتّاب وأعمالهم الأدبية "الموضوعات المشوقة للجمهور التي تواكب الذائقة العامة، بجانب الدعاية غير المباشرة واللعب على عنصر الجذب البصري، والصورة الجيدة للكاتب الذي يتحول إلى إنفلونسر ذي شعبية، ومجموعات القراءة عبر فيسبوك التي تساهم في إنجاح كتب على حساب آخر أو تروّج لأعمال دور نشر بعينها".

وتستدرك شيرين قائلة: "شهرة الكاتب ليست مقياساً لجودة العمل الأدبي، ومع اختلاف ذائقة القراء يحدث انقسام في الرأي بين من يمدحون العمل ومن يذمونه".

واد آخر

وترى شيرين أن السوشال ميديا تلعب دوراً في تغيير ذائقة الجمهور، كما تسببت في شهرة بعض الكُتّاب/ الكاتبات الشباب الذين يكتبون مشاهد يوميًة باللهجة العامية، التي تجذب نوعية الجمهور الذين لا يحبون القراءة، لكنها إن نُشرت في كتاب لن تجذب قارئاً حقيقياً.

وتختم حديثها معنا، قائلة: "النقاد عادة لا يهتمون بصغار الكتاب الذين ينشرون أعمالهم الأولى، وهناك شللية للكُتّاب والنُقاد، ما يفقد النقد مصداقيته، فالنقد الأدبي في وادٍ والقُراء الشباب وجمهور السوشيال ميديا في وادٍ آخر".

وللروائية والقاصة د. رباب كسّاب، نظرة خاصة حول شهرة الكاتب وذيوع رواياته، تقول: "كثيرٌ ممن يملأ صيتهم الدنيا، كتاباتهم ضعيفة، والجمهور الحقيقي هو الذي لا تعرفه، ولكنه انتقى كتابك بمحض إرادته، ثم بحث عنك ليرسل لك محبته".

يشكو من عدم وجود مدارس نقدية جديدة تساير ما يقدم من "طفرة في أدب، يعتبره معظم النقاد هشاً أو ضعيفاً مثل الأدب البوليسي أو أدب الرعب أو الفانتازيا، متناسين أنه الآن يمثل 90% من المبيعات"

لا تنكر رباب أن الشعبية تحقق نسبة مبيعات كبيرة، وتصنع من الكتب "الأعلى مبيعاً"، وترجع ذلك إلى فرق الألتراس التي يصنع إلحاحها المستمر شهرة للعمل وصاحبه، إذ وصل الأمر لعمل إعلانات ممولة، وإنشاء حسابات وهمية لزيادة المشاهدة والقراءة، وليكون العمل أمامك ليل نهار، هذا الإلحاح يدفعك نحو العمل.

تنهي رباب حديثها معنا، قائلة: "لا أنكر أنني استجبت لهذا الإلحاح أكثر من مرة وكثيراً ما خاب أملي، فلا الصياغة ولا اللغة استطعت تقبلها؛ فالشهرة ليست دليلاً على الجودة، هذا النوع من الكتابة سيظل موجوداً، فهو موجه لقارئ عادي، صغير السن من باب التسلية".

"فريسة الوعي الجمعي"

تشدد الناقدة الدكتورة مروة مختار، أستاذ الدراسات الأدبية بالجامعة الأمريكية، على أن شهرة الكاتب وشعبيته ليست مقياساً للجودة، لكنها مقياس لما يدره من أرباح على دور النشر التي تتبنى أعماله، مشيرة إلى أن "حالة التسويق دوماً مرتبطة بالأضواءالملحة والمتتبعة للقارئ عبر مواقع التواصل، ليقع فريسة للوعي الجمعي الذي صنع من هذا الكاتب/ الكاتبة بيست سيلر، وقد يتبع ذلك تحويل الكتاب إلى عمل درامي يخاطب فئة أوسع، ويدرّ أرباحاً أكثر، الشكل العام يوحي بأننا في صناعة، لكن الواقع يقول عكس ذلك".

وترى الناقدة أن النقد لا يواكب الحركة الإبداعية منذ سنوات، مضيفة: "قد أكون صريحة عندما أقول إن بعض البيست سيلر هو تطوير شكلي لما عهدته في جيلي تحت اسم المغامرون الخمسة وروايات عبير والشياطين الـ13، لكن في طبعات أنيقة وعلى أرفف صالة الكبار، وأغلب أصحابها لا ينتظرون النقد العلمي، لكنهم يتطلعون إلى الأضواء".

النقد لا يواكب الحركة الإبداعية منذ سنوات.

فيما يرى الناقد والكاتب د. إيهاب بديوي أنه قبل السوشيال ميديا كانت عناصر وصول الكاتب للقارئ، مرتبطة بأدوات الدعاية المتاحة، وهي الصحافة ثم الإذاعة والتليفزيون. لهذا كان دور الناقد هاماً جداً في تعريف جمهور القراء بكاتب ما، ولو راجعنا سير كبار الكتاب سنجد أن مقالات أدبية لكبار نقاد عصرهم أتاحت لهم دخول عالم الأدب، لكن اختلف ذلك جذريًا مع ظهور الجوائز الكبيرة والإنترنت والسوشال، فقد اتسعت القاعدة لتشمل قطاعات أكبر من الكتاب، لم تكن لديهم الفرصة للوصول لصناعة النشر، تطورت وسائل الدعاية والإعلان، وزاد عدد دور النشر، وتنوعت مدارس السرد، واختلفت طريقة صناعة القاعدة الشعبية للكاتب، ولم تعد تعتمد على القيمة الفنية للعمل، دخلت معها عمليات الدعاية الإلكترونية المكثفة للوصول إلى أكبر قاعدة شبابية ممكنة".

ويرى بديوي أن تلك التغيرات أضرت بالأدب، لأنها "سمحت لقطاع ضعيف ومتوسط من الكتاب أن يأخذوا مكانة لا يستحقونها على حساب مبدعين حقيقيين".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي
Website by WhiteBeard