مؤثرو الأردن... شاشة "التلفزيون" أصغر من جماهيريتنا

الاثنين 20 يونيو 202202:49 م

تمتلئ منصّات ومواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، بالعديد من البرامج ومقاطع الفيديو القصيرة لمجموعةٍ من الأشخاص ذوي المشاهدات الكثيرة وعدد المتابعين العالي، الذين بدأوا صناعة محتواهم الخاص ونشره؛ ليتم التعريف عنهم مجتمعياً بأنهم "مؤثرون" أو "صنّاع محتوى" أو "إنفلونسر السوشيال ميديا".

وعلى الرغم من شعبيّتهم بين الجمهور، ومسارعة المُعلنين إلى التعامل معهم، إلا أنَّ من الصعب رؤيتهم على شاشات التلفاز، وخاصةً لو كنا نتحدَّث عن الذين يستهدفون جمهوراً لم تتجاوز أعمار أفراده ثلاثين عاماً، ويهتمون بمحتوياتٍ مثل؛ الموضة أو السفر أو الطبخ وغيرها.

لماذا يعرض هؤلاء المؤثرون محتواهم عبر صفحاتهم بعيداً عن الشاشات، بالرغم من وصول أعداد متابعيهم إلى الآلاف والملايين؟ ومن الذي يحتاج إلى الآخر؟ هل هم الذين يحتاجون إلى وسائل الإعلام، أم أن وسائل الإعلام هي التي تحتاج إليهم، خاصةً في ظل التقدّم والتطوّر التكنولوجي؟

التلفاز يدعم البدايات

انتقلت الشابة أمل قطامي، من التلفاز إلى إنستغرام، عام 2019، بعد أن استلمت صفحةً أنشأها المعجبون بها بصفتها عملت في طفولتها كمغنيةٍ في إحدى القنوات التلفزيونية، ليصل عدد متابعي صفحتها إلى 1.8 مليون متابع.

تقول لرصيف22، إنَّ تأثير التلفاز لا يساوي تأثير مواقع التواصل الاجتماعيّ، إذ انتهت دورة حياته وجاء دور وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تنتهي في يومٍ ما، ويأتي ما يحلّ مكانها في المستقبل؛ لذلك فإن التلفاز يساعد المؤثر على إيصال رسالته إلى الناس في بدايات الطريق وحسب، على حدّ تعبيرها.

أمل، التي غنّت في طفولتها للأطفال الذين باتوا شباباً اليوم، وانتقلت بعدها إلى التقديم التلفزيوني، ترى أنَّ ما يميّز جمهور مواقع التواصل الاجتماعي هو اختيارهم للمواضيع التي يرغبون في مشاهدتها من صنّاع المحتوى، على عكس التلفاز الذي يُصعّب الخيارات ويعددها، مشيرةً إلى أنَّ "القنوات الفضائية تحتاج إلى المؤثرين وصنّاع المحتوى لرفع أعداد المشاهدات، أمَّا صناع المحتوى فهم بحاجةٍ إلى القنوات لدعمهم ومساعدتهم في بداية مسيرتهم فقط".

لماذا يعرض هؤلاء المؤثرون محتواهم عبر صفحاتهم بعيداً عن الشاشات، بالرغم من وصول أعداد متابعيهم إلى الآلاف والملايين؟ ومن الذي يحتاج إلى الآخر؟ هل هم الذين يحتاجون إلى وسائل الإعلام، أم أن وسائل الإعلام هي التي تحتاج إليهم؟

وحول سبب عدم استمرار ظهورها في برامجها على التلفاز، تلفت قطامي إلى وجود مشكلات مالية بين صنّاع المحتوى والعاملين في الشاشات، فأحد البرامج التي عملت معها لم يدفعوا لها الأجر الذي تريده، وهو ما دفعها لتجربة مجال الإعلانات على السوشال ميديا لتجده أكثر فائدةً.

 رفضوا الفكرة للتلفاز

وفي حديثه إلى رصيف22، يروي محمّد الشمري (19 عاماً)، عن تقديمه أفكار برنامجه إلى إحدى القنوات الفضائيّة المعروفة في الأردن، والتي قوبلت بالرفض نتيجة التكلفة الماليّة العالية المترتبة على عرض البرنامج.

الشمري الذي بدأ بالعمل على عرض مقاطع مصورة يتحدث فيها عن الأردن وما يميّزها عبر قناته على اليوتيوب، قبل ثلاثة أشهرٍ من الآن، يروي عن تراوح تكلفة إنتاج الحلقات التي يعمل عليها من 10 إلى 1،000 دينار (14 إلى 1،412 دولاراً تقريباً)، والتي تشمل المعدّات والتنقل من دون وجود حاضنةٍ إعلاميّةٍ له وهو يجوب الأردن محاولاً توثيق المناطق فيها.

ويقول إنَّ "العاملين في التلفاز يقللون من قدرة الشباب وما يمكنهم إنتاجه؛ لذا يقومون برفض برامجهم"، لافتاً إلى أنَّ انتقال صنّاع المحتوى من مواقع التواصل إلى التلفاز يساعد على نقل جمهورهم إلى الشاشة.

الطريق المسدود للشاشات

تحاول راما علاوي، والتي يتابعها 22 ألف شخص على إنستغرام، نشر التوعية القانونيّة من خلال مقاطع قصيرة عبر صفحتها، مؤكدةً لرصيف22، أنها لم تجد الطريقة للوصول إلى القنوات الفضائيّة وعرض أفكارها هناك.

وتشير إلى أن العاملين في إحدى شركات الإنتاج تواصلوا معها لإعداد حلقات برنامجٍ مختصٍ بالقانون من دون إعطائها مبلغاً منصفاً للجهد الذي ستبذله مع إلزامها بوقتٍ قصير وعدد حلقاتٍ كبير لا يمكن لها إنجازها خلال المهلة المحددة، وهو ما دفعها لرفض العمل معهم.

من يحتاج إلى الآخر؟

يقول مراقب المحتوى الإعلامي، بركات الزيود، لرصيف22، إنَّ تعامل القنوات الفضائيّة مع المؤثرين من عدمه تحكمه ثلاثة أمور؛ الغرض التجاري، والسياسة التحريريّة، والوجوه الخاصة بهذه القنوات.

ويوضح أنَّ العديد من القنوات يقتصر الربح عليها وحدها، من خلال استخدام منصاتها لكسب هذا الربح أو من خلال الموظفين العاملين فيها، وإن احتاجت إلى الاستعانة بمؤثرين، فالتكلفة عالية للقطاع الخاص، أمَّا القطاع الحكوميّ فلديه ضوابط لمثل هذه الأمور؛ إذ إن الاختيار يكون من خلال مجلس الوزراء وعقود شراء الخدمات التي قد لا تناسب المؤثرين الذين يطلبون مبالغ ماليّةً عاليةً، ولذلك يتجهون إلى اليوتيوب الذي يُعطي من دون أن يأخذ.

"تأثير التلفاز لا يساوي تأثير مواقع التواصل الاجتماعيّ، إذ انتهت دورة حياته وجاء دور وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تنتهي في يومٍ ما، ويأتي ما يحلّ مكانها في المستقبل؛ لذلك فإن التلفاز يساعد المؤثر على إيصال رسالته إلى الناس في بدايات الطريق وحسب"

ويتابع الزيود، أنَّ البعض لا يتناسب المحتوى الذي يقدمه مع الطابع الخاص بالقناة وأُسلوبها، في حين قامت قنوات أُخرى بصناعة مؤثريها من خلال جعل مذيعيها منهم، وزيادة عدد متابعيهم على منصات التواصل الاجتماعي.

ويؤكد أنَّ وسائل الإعلام هي التي ترفع عدد مشاهدات المؤثرين وتساهم في دعمهم والعكس غير صحيح، لافتاً إلى أنَّ "وسيلة الإعلام هي التي ترفع ‘الإنفلونسر’، وتجعل منه ‘تراند’، إلا أنها لن تعطي لأي أحدٍ قيمةً باستثناء موظفيها، وإن حصل وتعاونت مع مؤثر فلن بحدث ذلك من دون مقابل".

ومن جانبهم، رفض العاملون والمسؤولون عن التعامل مع البرامج وقبولها واستقطاب المُتقدمين إلى وسائل الإعلام الإشارة إلى هوياتهم عقب التصريح حول علاقتهم مع المؤثرين وتجنّب التعامل معهم، وأجمعوا خلال حديثهم إلى رصيف22، على عدم احترافيّة المؤثرين للعمل الإعلامي، مشيرين إلى المبالغ العالية التي يطلبها بعض المؤثرين والتي لا تتناسب مع المحتوى المُقدم خاصةً بعد اعتمادهم على الإعلانات وعدّها مقياساً للدفع، بالإضافة إلى رفض آخرين منهم تدخل القناة في نصوصهم، أو التعديل عليها.

وتطرقوا إلى أنَّ جمهور هؤلاء المؤثرين غير مضمون، كما أنَّ المؤثر نفسه من الممكن أن يختفي عن الساحة بعد فترة وفي هذا الصدد تُعلّق أمل قطامي، بأن الأمر مشابهٌ للتلفاز؛ إذ إن العديد من الوجوه الإعلامية اختفت عن الشاشة بعد فترةٍ كذلك.

وعن سبب إخفاء هويات العاملين في وسائل الإعلام عند التصريح حول هذا الموضوع، يعقب الزيود بأنَّ القيود المفروضة على العاملين في هذا المجال تمنعهم من التصريح من دون وجود موافقةٍ من مالك القناة الذي يتوجب عليهم العودة إليه في كل تصريح، بالإضافة إلى تجنب القنوات ذكر أرباحها أو الإشارة إليها، وهو ما يدفعهم لتجنّب التعامل مع المؤثرين أو الحديث عنهم كذلك.

لا تخفى أسماء العديد من المؤثرين المهتمين بتوثيق يوميّاتهم ورحلاتهم أو عرض الموضة والأزياء وغيرها من المواضيع على العديد من الشباب الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر، إذ تنفجر منصّات التواصل الاجتماعيّ في كل مرةٍ يدخل أحد هؤلاء المؤثرين في علاقة عاطفية أو يعقد العزم على ذلك أو يسافر إلى دولةٍ ما.

تلك القاعدة التي بناها المؤثرون بالتواصل مع الجمهور وعززّتها منصّات التواصل تستمر في النموّ في ضوء تنوّع برامج بعض وسائل الإعلام وتخصص البعض الآخر في نوعٍ محددٍ من التغطيات واختلاف ملكيّة هذه الوسائل وتوجهاتها، فهل يمكن أن نرى تعاوناً مشتركاً بين المؤثرين وهذه القنوات على مستوى محلي؟ أم أنَّ هناك خطاً رفيعاً سيسود المشهد ويمنع تلاقيهم؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard