فنانون/إعلاميون أم معلنون... ماذا غيرت مواقع التواصل الاجتماعي

الجمعة 21 مايو 202110:31 ص

لم يكن دخول عالم مواقع التواصل الاجتماعي على حياتنا بالأمر العادي، فهذا العالم الذي خلق، إضافة لعالمنا الواقعي، عالماً افتراضياً آخر موازياً، كان له تأثيرات واضحة وقوية على تصرفاتنا كأفراد في الحياة الواقعية، وبما أن الفنانين، من ممثلين ومغنيين وإعلاميين، هم أفراد ضمن مجتمعاتنا ولهم مكانتهم الخاصة عند المشاهدين، لعب هؤلاء المشاهير في عالم مواقع التواصل الاجتماعي دوراً مختلفاً عما اعتاد المشاهد أن يتلقاه من قبلهم.

هؤلاء الفنانون والإعلاميون الذين تركوا بصمة خاصة ومختلفة في عقول المشاهدين ورسخوا من خلالها صورة معينة، جاءت تلك المواقع لتظهر لنا صورة جديدة لم نرها من قبل، صورة لا تعكس حقيقة مهنتهم التي اشتهروا بسببها.

فبعض الفنانين والإعلاميين أصبحوا يستعرضون حياتهم الخاصة أو يقدمون الإعلانات من ملابس ومستحضرات تجميل وغيرها، فأصبحوا أشبه "بالبلوغرز"، كالإعلامية لجين عمران، وهناك من يعمل دائماً لتقديم جلسات التصوير، كالممثلة كندا حنا، وآخرون تحولوا لمصلحيين اجتماعيين أو مدربي تنمية بشرية من خلال فيديوهات كلها عبارة عن حكم ومواعظ، كالإعلامي مصطفى الآغا.

هذا المضمون المقدم من قبل هؤلاء المشاهير جعلنا نستنتج وكأن هناك منافسة قوية ومحتدمة بينهم وبين نجوم تلك المواقع الذين كانت انطلاقتهم بسببها، وجُلّ محتواهم هو عرض حياتهم اليومية وجلسات التصوير التي يقومون بها بغية الإعلانات، أي أنه هذه هي مهنتهم الأصلية.

فهل هؤلاء النجوم اعتدوا على مهنة ليس لهم علاقة بها، أم أنهم أصبحوا ملزومين بتقديم هكذا محتوى لمجاراة التطور التكنولوجي والمفاهيم الجديدة التي طرأت على حياتنا وصنعت عقلية جديدة للمتلقي؟

مفهوم النجومية قبل مواقع التواصل الاجتماعي وبعدها 

يؤكد خبير مواقع التواصل الاجتماعي والإعلامي أمين أبو يحيى، خلال حديثه ل رصيف22 على اختلاف مفهوم النجومية بين قبل ظهور هذه المواقع وبعدها، بقوله: "طبعاً اختلفت مفاهيم النجومية بعد ظهور وسائل التواصل، وأصبح لكل شخص موهوب أو غير موهوب منصته الخاصة المجانية"، ويضيف بأن هذا الموضوع أصبح يقلق العديد من النجوم لأنه يسرق منهم أضواء الشهرة والتفرّد التي اعتادوا عليها قبل 20 عاماً.

"حالياً أي شخص عادي بإمكانه أن يتخطى شهرة أي فنان مخضرم، ولنا في تجربة المواطن اللبناني طوني كتورة أفضل مثال على ما يمكن لأي شخص عادي أن يحققه من أرقام تصل إلى عشرات آلاف المشاهدات والتعليقات والنشر، على الرغم من المادة المتواضعة التي يقدمها في أغنياته".

تتفق الصحافية في جريدة الأخبار، زكية الديراني، مع أبو يحيى على اختلاف مفهوم النجومية بين الماضي والحاضر، وتقول بأن قواعد المهنة والنجومية قد تغيرت وأصبحت مرتبطة أكثر بالأرقام التي تتحقق على منصات التواصل الاجتماعي، وتضيف: "قبل، كانت النجومية لها طابع خاص وتعتمد على جودة العمل، أما الآن مع وجود هذه المنصات أصبح التركيز على الصورة".

النجوم واحتراف التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي

"للأسف لأ"، بكل حزم علقت الديراني على طريقة تعاطي غالبية النجوم مع مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة على أن القول بعدم معرفتهم بالتعاطي مع هذه المواقع ليس من باب الانتقاد، وإنما هذا يعود إلى المضمون المقدم من قبلهم، أي هل ما قُدم اعتمد على الظهور العفوي أم المصطنع؟ "باعتقادي أنه في الغالب ما استعرضوه من محتوى لم يكن موفقاً".

الفنانون والإعلاميون تركوا بصمة خاصة في عقول المشاهدين وجاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتظهر لنا صورة لا تعكس حقيقة مهنتهم، فبعض الفنانين والإعلاميين أصبحوا يستعرضون حياتهم الخاصة أو يقدمون الإعلانات وآخرون تحولوا لمصلحيين اجتماعيين أو مدربي تنمية بشرية

"قلة قليلة من النجوم استطاعت أن تحقق التوازن بين النجومية والتعامل مع الناشطين على وسائل التواصل"، هكذا رد أبو يحيى على هذا الموضوع، مضيفاً بأنه الغالبية منهم سقط في فخّ هذه المواقع، بسبب عدم وجود خبراء إعلاميين أو مدراء إعلاميين إلى جانبهم يقدمون لهم النصائح فيما يجب أن ينشر أو لا ينشر، وما هي المواضيع التي يمكنهم التطرق إليها، بسبب حساسية الناس على وسائل التواصل حيال كل القضايا التي يجري نقاشها.

ويكمل: "الغالبية منهم سقطوا في فخّ الولاء السياسي أو الردور غير المحترمة على الناشطين عند نشر هؤلاء المشاهير لتغريدة أو فيديو، فالناس لن تنسى ما فعله عاصي الحلاني خلال رأس السنة، وكان تعامله مع هذه المسألة غاية في ازدراء الناس والتكبر عليهم وعلى انتقاداتهم".

حقيقة النجوم تكمُن فيما يقدمونه

سعى بعض النجوم من فنانين وإعلاميين إلى مشاركة جمهورهم كل ما يخص حياتهم الشخصية، إضافة إلى التخمة بعدد جلسات التصوير وعرض الثياب ومستحضرات التجميل، وهناك منهم من ذهب لتقديم فيديوهات كلها عبارة عن حكم ومواعظ ونصوص تحفيزية، فتشعر وكأنهم تحولوا إلى مدربي تنمية بشرية.

فهل ما قدم رفع أم قلّل من قيمة النجم عند جمهوره، وكشف حقيقة وتفكيراً معيناً لم يكن الجمهور على دراية بها؟

 تجيب الديراني لرصيف22 بأنَّ تجربة النجوم في تقديم محتوى يخصّ عائلاتهم كان محط اهتمام الجمهور على مواقع التواصل، وكان محبباً عند البعض "كالمحتوى العائلي الذي تقدمه المغنية نانسي عجرم".

وتكمل الديراني بأن هذا النوع من المحتوى لم يرفع من قيمة النجم وإنما كشف بعض الخفايا والأسرار في حياتهم العائلية والشخصية، "مثال على ذلك، إعلان هيفا وهبي عن طلاقها من أحمد بوهشيمة، كان عن طريق منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تعلنه في بيان صحافي".

 أي شخص عادي بإمكانه أن يتخطى شهرة أي فنان مخضرم، ولنا في تجربة المواطن اللبناني طوني كتورة أفضل مثال على ما يمكن لأي شخص عادي أن يحققه من أرقام

"هناك فرق في الأداء على مدار هذه السنوات منذ ظهور هذه المواقع وإلى الآن، فهناك نجوم تعزّزت قيمة صورتهم من خلال هذه المواقع وآخرون لم يفلحوا بهذا الأمر، وهذا يعود إلى الخبرة التي استطاعوا أن يكتسبوها وإلى أي مدى استطاعوا أن يفهموا طريقة التعامل معها"، تقول الديراني.

من جانبه يرى أبو يحيى بأنَّ العديد منهم سقط في فخ وسائل التواصل من خلال نشر حياتهم الخاصة بالكامل على وسائل التواصل، لاستقطاب المزيد من المتابعين وعلامات الإعجاب، ولكن هذا لا ينفي وجود نجوم آخرين استخدموا تلك الوسائل ضمن الأطر والمعايير السليمة عبر نشر التوعية حيال قضايا مهمة، من تعنيف المرأة إلى قضايا الأطفال والقضايا الاجتماعية بشكل عام.

متطلبات مواقع التواصل وإلزامية اتباعها لجذب الجمهور

"الضغط النفسي على الفنان أصبح كبيراً جداً على وسائل التواصل، فمن جهة ارتفع عدد الفنانين أكثر من 100%، وبالتالي توزعت اهتمامات الناس على الفنانين الجدد الذين يتم خلقهم بسهولة بوجود وسائل التواصل، فبالتالي لم يعد هناك معنى لكلمة (نجم) لأن الجميع يريد أن يكون نجماً في لحظة ما".

ويضيف أبو يحيى، ليس كل ما يقدمه الفنان على منصاته مفيداً، وهنا أتحدث عن المواقف السياسية التي يتخذونها وتؤدي إلى توجيه الانتقادات والشتائم لهم، وهذا أمر ضاغط عليهم لأنهم ليسوا معتادين على أنه هناك أشخاص لا يعجبهم هذا الفنان أو ذاك، ولذلك يلجأ البعض منهم إلى استقطاب الأضواء عبر تغريدة مثيرة للجدل أو صورة معينة.

بهذا الصدد تقول الديراني بأن هناك بعض النجوم الذين اشتغلوا على محتواهم وحاولوا بذل جهد كبير لتحسين أدائهم، بما يتناسب مع متطلبات هذه المواقع التي تحتاج إلى تقديم محتوى سريع وبسيط.

وتضيف: "الجمهور العربي يحب المحتوى العائلي والنجوم سايروا هذا المطلب".

انتقاد الجمهور وشهرة إضافية

يتلقى النجوم العديد من الانتقادات على المحتوى الذي يقدمونه من قبل البعض من جمهورهم، ولكن على الرغم من ذلك لا يزال هؤلاء النجوم يحصدون المزيد من الشهرة والمتابعة، فهل الجمهور المتلقي أصبح غير متوازن فيما يبديه من رأي وفيما يتصرفه؟

"لا يوجد قاعدة عامة للمتلقي لنقول إنه أصبح غير متوازن"، فالديراني ترى بأن عالم مواقع التواصل الاجتماعي هو فضاء افتراضي مفتوح لجميع الناس من مختلف الخلفيات الثقافية والمستويات التعليمية، لذلك هذا ينعكس على أذواق هذه الجماهير، حيث كل متلقٍ له تجربته الخاصة مع هذه المواقع، وطريقته في التأثر والتفاعل مع المحتوى المقدم من قبل النجوم.

 "طبعاً هناك فوضى على وسائل التواصل من قبل الجميع إلاَّ قلة قليلة قادرة على إحداث التوازن المطلوب"، هكذا وصف الحالة الحاصلة أبو يحيى.

ويضيف: "بالنسبة للجمهور فإن وجود وسائل التواصل المجانية أدى إلى خلق موجة جديدة ونوعية جديدة من (النجوم) الذين يقدمون مواد أقل من عادية، لكن المتابعين هم من رفعوهم، بسبب القدرة والسرعة في نشر الأخبار عبر تطبيق واتساب أولاً وغيرها من المنصات".

شركات الإنتاج وخياراتها بناء على عدد المتابعين

يقول أبو يحيى بهذا الصدد، بأنَّ كل الفنانين يتباهون بعدد مشاهدات أغنياتهم، أعمالهم أو مقابلاتهم، وكذلك ينطبق الأمر على الإعلاميين الذين باتوا يعتقدون بأنهم لا يقلون (نجومية) عن الفنانين.

ويكمل: "كل شيء على وسائل التواصل هو تجارة بالمعنى الحرفي، فإن شركات الإنتاج تستغل طبعاً الأرقام والإحصائيات لتحقق من خلالها أرباحاً وانتشاراً".

تجيب الديراني بحزم: "أي، أكيد أي وهالشي صار موجود بالعالم العربي والعالم ككل... شركات الإنتاج، الإعلانات وبعض المؤسسات الكبيرة بتطلب لما بدهم يجيبوا نجم أو ممثل، بتقلك هيدا عندو مليون متابع على السوشيل ميديا".

وتضيف، ولكن في المقابل هناك تجارب لنجوم غير موجودين على مواقع التواصل الاجتماعي ومن الضروري الحديث عنهم، مثل كاظم الساهر، وائل كفوري، ملحم زين وعمرو دياب، هؤلاء النجوم قرروا البعد عن هذه المواقع وعدم مشاركتهم حياتهم الخاصة للجمهور والاكتفاء بنشر أعمالهم.

ومن جانب آخر، تعود الديراني لتؤكد على ضرورة مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق الفنانين لأعمالهم، حيث تطلب شركات الإنتاج من نجومها التفاعل على تلك المواقع من أجل الترويج للأعمال التي يقومون بالعمل عليها.

من يشاهد الوضع العام لبعض النجوم من فنانين وإعلاميين يتساءل: هل تحولوا إلى معلنين وأصبح همهم الوحيد هو جني المال والشهرة بأي طريقة، وبالتالي تخلوا عن مهنتهم الأساسية فأصبحت الإعلانات هي مهنتهم الأساسية؟

وتكمل، مثال على ذلك الممثلة ندين نجيم: "ندين نجيم لازالت تتحكم بساحة التمثيل اليوم بسبب أعداد المتابعة الكبيرة لديها، وبسبب هذه الأعداد تسعى شركات الإنتاج وشركات الإعلانات للتعامل معها لأنها ستحصد الكثير من المشاهدات".

فنان، إعلامي أم معلن

من يشاهد الوضع العام لبعض النجوم من فنانين وإعلاميين يتساءل: هل تحولوا إلى معلنين وأصبح همهم الوحيد هو جني المال والشهرة بأي طريقة، وبالتالي تخلوا عن مهنتهم الأساسية فأصبحت الإعلانات هي مهنتهم الأساسية؟

"طبعاً هنن طالعين لينشهروا على السوشيل ميديا"، بهذه البساطة تعبر الديراني عن رأيها بهذا الموضوع.

وتكمل، هناك الكثير منهم توجهوا من التمثيل والغناء نحو الإعلانات، وهناك منهم من استطاع أن يجمع بين الأمرين، وتبقى الشهرة مطلباً أساسياً لدى النجوم وأعداد المشاهدات والتفاعل على أعمالهم مهمة بشكل كبير بالنسبة لهم.

من جانبه يقول أبو يحيى بأنَّ أغلب الفنانين والفنانات اتجهوا لتقديم الإعلانات والبرامج والتمثيل، أولاً بسبب تراجع الحفلات والوضع الاقتصادي، والأهم انتشار فيروس كورونا الذي عطل الكثير من الأعمال والمهرجانات والحفلات العامة والخاصة والأفراح، فمن الطبيعي أن يلجأوا إلى هذا المجال.

صورة وتاريخ النجوم

"لن يتأثر تاريخ النجم بأي إعلان إذا ما كان المحتوى مقبولاً ومناسباً لتاريخه، وهنا يجب على الفنان أن يختار بعناية أي عقد إعلاني يُعرض عليه"، يجيب أبو يحيى.

أما الديراني فتعتقد بأنَّ المسألة لا يمكن تحديدها إن كانت هذه المواقع ستؤثر على تاريخ هؤلاء النجوم أم لا: "التغييرات الي صارت بعالم الفن ما كان حدا متوقع تكون هالقد كبيرة، وشو بيجينا بعد من عالم السوشيل ميديا مش عرفانين".

وتضيف، على الأكيد هذه المواقع دمرت طبقة من الفنانين الذين لم يعرفوا التعامل معها، ولكن في المقابل عززت صورة البعض منهم، ولكن هل هذه الصورة دائمة أم مؤقتة؟ لا يمكننا المعرفة الآن.

إن أحببت ما يقدمه هؤلاء النجوم أم لا، إن كنت ممن انتقد محتواهم أم لا، يبدو بأنَّ هذا الأمر لن يغير من حقيقة أننا نعيش ضمن عالم باتت الأرقام تحكمه، وهناك من يرضخ لسطوتها ليبقى الضوء مسلطاً عليه، وذلك خوفاً من الإقصاء من قبل الشركات والمؤسسات صاحبة السلطة والنفوذ المالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard