"حلال" على السوشال ميديا "حرام" في التلفزيون

الأربعاء 15 يونيو 202212:00 م

علاقة الجزائري بالتلفزيون غريبة ومميزة، طبعتها السياسات المتعاقبة التي عرفتها البلاد، واستراتيجيات الانفتاح المختلفة والمضطربة.

وقد عرفت الجزائر التلفزيون باكراً، إذ تأسس سنة 1956، بنسخة استعمارية فرنسية، وتأمّم سنة 1963، ليتحول إلى قناة وطنية ورسمية موجهة للجزائريين، لكن الإعلام السمعي والبصري في الجزائر ظل مغلقاً أمام الاستثمار الخاص حتى السنين العشر الأخيرة، بداية من عام 2012.

عكس قطاع الصحافة المكتوبة، التي عرفت أهم تحولاتها بعد إعلان البلاد تحولها نحو السوق المفتوحة سنة 1989، مديرة ظهرها لثلاثة عقود من التبشير بالاشتراكية، وممارستها، والتعاطي معها.

وقد شهدت مرحلة انفتاح الإعلام السمعي البصري في الجزائر قصص فشل كثيرة، أُغلقت جلّ القنوات التي خاضت المغامرة لأسباب متنوعة، كالـ KBC، وهي النسخة التلفزية لمؤسسة الخبر الإعلامية، و"الجزائرية وان"، وغيرهما بسبب ضغوطات سياسية ومشاكل مالية.

حافظت مؤسستان إعلاميتان فقط على وجودهما، "الشروق" و"النهار".

التلفزيون كحلم

أذكر، عندما كنت طالبة في قسم الإعلام بإحدى جامعات شرق البلاد، سخريتنا الدائمة من القنوات الرسمية للبلد، القنوات الوطنية الوحيدة، خصوصاً أن طموح أغلبنا كان الولوج لعالم التقديم التلفزيوني، و"التوائم الثلاث"، الأرضية، "كنال ألجيري"، والثالثة، وهي القنوات الجزائرية الرسمية في البلاد آنذاك.

سُميت "التوائم الثلاث" لأن محتواها واحد، لكن جمهورها مختلف، الأرضية تتوجه للجزائريين في الداخل، "كنال ألجيري" توجه للجالية الجزائرية في المهجر بلسان فرنسي، والثالثة للجمهور العربي العريض.

لم تكن لتسع أحلامنا جميعاً، لا عددنا، ولا في مواكبة ما كان يصنع بريقاً ولمعاناً، مجمعات تلفزية كبرى عربية وعالمية، على الرغم من امتلاكها لتكنولوجيات متقدمة في مجال البث، بالإضافة إلى كونها إحدى أهم المؤسسات السيادية في البلاد، بل إن المواطن الجزائري يدفع "إتاوة" بسيطة نظير حصوله على خدماتها، تأتي مدمجة في فواتير الكهرباء كل ثلاثة أشهر، كما أنها تترجم حرفياً السياسة العامة المعلنة للبلاد، تجاه الداخل كما الخارج.

وظل "الاحتشام" والوفاء لـ"المقبول اجتماعياً" السمة الأساسية التي تميز تلك القنوات، في حين لم تفتح أذرعها للمُذيعات المحجبات، صراحةً، إلا منذ أشهر قليلة فقط، نهاية سنة 2021.

القناة العائلية

ومن بين ذكرياتي في قسم الإعلام، أن إحدى الأستاذات، كنا نعتبرها ذات توجهات تقليدية، كثيراً ما كرّرت لنا أنه من واجبنا أن نفتخر بارتباط تلفزيون بلدنا الرسمي بصفة "القناة العائلية"، في مهرجان التفزيونات العربية السنوية، وهو ما تعتبره إنجازاً؛ فتلفزيون بلدنا يواصل احترامه للعادات والتقاليد، في وقت انسلخت فيه دول شقيقة عن جذورها، الأمر الذي كان يهلل له الكثير من الزميلات والزملاء، هؤلاء الذين يطمحون إلى الالتحاق بالمؤسسة العمومية، غالبية الإناث محجبات، وغالبية الذكور يعتقدون بإجبارية ارتداء الحجاب للبنات، فقد كان مطلع الألفية الزمن الذهبي للخطاب الإسلامي في المنطقة العربية، بعرابيه ونجومه.

وكان "عمرو خالد" وقناة "اقرأ" مرجعية الغالبية الساحقة لمن عايشوا عشرية الدم، وتعرف بـ"العشرية السوداء" في الجزائر، امتدت طيلة التسعينيات،حين قرر أعضاء في حزب الإنقاذ الإسلامي إعلان الحرب على أجهزة الدولة، نظير توقيف المسار الانتخابي الذي حققوا في دوره الأول نجاحاً كبيراً.

والآن، يبشر الكثير من المراقبين بإمكانية إحالة التلفزيونات إلى المتاحف في زمن قريب، أمام انتشار الوسائل البديلة، واندماج الخدمات التلفزية التقليدية في الوسائط الحديثة، إضافة إلى تطور سرعة تدفق الإنترنت بأجياله المتعاقبة، وانخفاض التكلفة، دون أن يحدد عرّافو التكنولوجيا هؤلاء تاريخاً واضحاً، حتى الآن.

أما الواضح، بالنسبة لي، فهو بروز مجتمعات ممارسة خاصة بالفضاء السيبراني، خصوصاً تلك المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، التي تمكنت من فرض نجومها ولغتها ومرجعياتها داخل كل الشرائح الاجتماعية تقريباً، حتى الأكثر محافظة، أو تلك الأكثر فقراً، كذلك الأمر في الجزائر، حتى وإن لم يتبلور فيها بعد قانون خاص بالممارسات في هذا الفضاء، ولا يزال التعاطي مع القضايا، التي تكون الشبكة العنكبوتية أحد فواعلها، يحتكم لتكييف للقوانين التقليدية السارية مع بعض الاستثناءات البسيطة.

مشهد "اللفعة"

شهد شهر رمضان الماضي، عام 2022، ضجة كبيرة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، تسببت فيها إحدى شهيرات هذه المنصات، وتُكنّى بـ "اللفعة"، معناها الأفعى، وهي شابة عشرينية يتابعها الآلاف، يتنوع محتوى ما تقدمه بين الاسكتشات، والرقص، و"الليب-سينغ".

وتقدم "اللفعة" أحياناً بعض النصح والإرشاد على طريقتها الخاصة، مستخدمة كلاماً "نابياً"، غائصة في مواضيع يحظر العُرف الخوض فيها.

حين سجلت "اللفعة" حضوراً ضئيلاً في مسلسل "دوار السوس"، عُرض على إحدى القنوات الخاصة، وعلى الرغم من أن مشهدها لم يتعدّ بضع دقائق، فإن ذلك كان كافياً في إثارة سخط مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر.

تظهر على السوشال ميديا، وتغوص في مواضيع تابوهات اجتماعية، وتقدم نصائحها مطعمة حديثها بالجرأة، وعندما ظهرت في مشهد واحد بمسلسل تلفزيوني، اعتبره البعض تكريساً لـ"الانحلال الأخلاقي"

استهجنوا، واستنكروا فكرة انتقالها من مواقع التواصل الاجتماعي، تيك توك وانستغرام وفيسبوك، نحو شاشة التلفزيون، واعتبره البعض تكريساً لـ"الانحلال الأخلاقي"، ولم يهدأ النقاش إلا بعد أسابيع، في حين لم يؤثر ذلك في قرارات وتحركات سلطة ضبط السمعي-البصري، التي اعتبرت الأمر غير ذي بال، وهي التي تحركت قبلها بأيام، موقفة مسلسلاً من انتاج مشترك تونسي-جزائري، مطالبة الجهة المسؤولة عن البث بتنقيحه، بسبب مشاهد اُعتبرت "خادشة للحياء العام"، قبل أن تعيده إلى الشاشة.

وهي التي ساءلت قناة أخرى عن حقيقة بث مشاهد من مسلسل نال شهرة واسعة، "بابور اللوح" في قناة الشروق، بعد أن عُرض على منصات رقمية، قبل أن يعرف طريقه نحو شاشتها، ليأتي رد القناة بأن المشاهد المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مأخوذة من المنصة الرقمية، وأنها قامت بتنقيحه قبل عرضه تلفزيونياً.

لا مجال لعرض مشاهد القبل في أفلام التلفزيون الجزائري، ولا مساحة لنقاش ثقافي واجتماعي عميق في قنواتها، على عكس السوشال ميديا، ما جعل الجمهور يتقبل الجرأة على الإنترنت، وتثور ثائرته إن رآها في إحدى قنوات بلدنا، وهذا ما حدث عندما شاهد إحدى جريئات التيك توك في مشهد بمسلسل تلفزيوني

إن كان لمواقع التواصل الاجتماعية ميزة أساسية فستكون الذاكرة القصيرة، عدم ثباتها، وقِصر مدة "حياة" القضايا التي تشغلها، وسرعة وسلاسة تحولها، كما أنها الميدان الأمثل لتصفية الحسابات، لكن قضية "الأنفلونسر" الشابة الجزائرية "اللفعة" تدعو الملاحظ إلى التفكير بجدية حول مكانة الصورة التلفزية لدى الفرد الجزائري، التي لا شك أن سنوات الغلق الطويلة للإعلام المتلفز في وجه الاستثمار الخاص، إضافة لانحسار النقاش الثقافي والاجتماعي العميق في طبقات وفضاءات محددة ومحدودة، كان له دور في تبلورها، ثم حالة الفُصام الاجتماعي العام، التي تكرست لمدة ستين سنة تقريباً من طرف مؤسسة إعلامية وحيدة.

رأينا على امتداد عقود أجمل المذيعات، وأكثرهن كفاءة، يروجن للبلد المنفتح، في حين يُفرض مقص الرقيب على كل المواد الفنية، فلا مجال لعرض مشاهد القبل في أفلام الشاشة الصغيرة مثلاً، ما انعكس على المواطن البسيط، الذي رضع من ضرع القيم التي بشرت بها المؤسسة الرسمية طويلاً، يقبل على متابعة وتشجيع موضوعات على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين يحرم ذلك على الشاشة، وإن كانت خاصة، ولا يجد حرجاً في متابعة موضوعات جريئة على شاشات دول، يتقاسم معها المرجعيات ذاتها، في حين يعيب "الفعل" إذا ما أتى من مؤسسة داخل البلاد. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard