"أنا كردية لكنني لست مقاتلةً"... أنماط الهويَّة التي صدَّرتها الحرب عنَّا

السبت 18 يونيو 202212:24 م

بعد فترةٍ وجيزة من انتهاء إحدى الحروب الأخرى التي غادرنا على إثرها منازلنا محاولين أن ننجو، جلستُ مع صديقتي التي لم ألتقِ بها منذ أشهر، لأن الحرب قطعت السبل بيننا، في مطعمٍ صغير على مقربة من البوابة الحدودية التركية في مدينة كوباني، نسرد القصص التي صادفتنا في الحرب، قصص العمل وسط أصوات القذائف، ونضحك على المفارقة التي جمعتنا في مدينةٍ غريبة عن كلتينا، وبالقرب من حدود "العدو" الذي أجبرَ كل سكان المناطق الحدودية على الابتعاد، بأسلحته.

لكلٍّ منَّا مفهومه عن الأمان، وكان الأمان بالنسبة إلي في تلك اللحظة متمثلاً في مواضيع "عادية" ومحاولات رفع الصوت والتركيز لنسمع بعضنا البعض.

ولكلٍّ منا مفهومه الخاص عن الحرب، عدا عن المفهوم العام المتجسد في الدمار وأصوات القصف، نحن جيل الحروب، كلٌّ منَّا أنشأ مفهومه الخاص عنها، والحرب التي واجهتها يومئذ كانت تمهيداً لملاحظة التشوه الذي طال هوياتنا.

لكلٍّ منا مفهومه الخاص عن الحرب، عدا عن المفهوم العام المتجسد في الدمار وأصوات القصف، نحن جيل الحروب، كلٌّ منَّا أنشأ مفهومه الخاص عنها، والحرب التي واجهتها يومئذ كانت تمهيداً لملاحظة التشوه الذي طال هوياتنا

على طاولةٍ قريبة يجلس شابٌّ أجنبي يعمل مع فريق إنقاذ تطوعي دولي، ومعه صديقه الكردي، يحيّي الكردي رجلاً آخر يحمل طفلته التي لا يتجاوز عمرها الأربعة أعوام، وتنضم الصغيرة إلى الشابين ليلاعباها ويعطيها أحدهما مسدسه.

ربما لو حصل هذا السيناريو في وقتٍ آخر، مثلاً قبل سنةٍ من هذه الحرب، أو بعد سنة تلتها، لكانت قد اختلفت حدة ردة الفعل تجاهه، إلا أن كل ما يتعلق بالحرب وقتذاك كان مرعباً ومقرفاً بالنسبة لنا نحن من نعيش "على كفّ عفريت".

أحاول أن أخبر الشابين بشكلٍ بديهي بأن وجود المسدس كلعبةٍ بيدها أمرٌ خطأ غير قويم، وينتهي الحديث بيننا باستخلاص الشاب الأجنبي المتطوع نتيجةً مفادها أنني جاحدة ولا أثمِّنُ تضحيات المقاتلين!

"فوكينغ سيريا"

أيلاحظ أحدٌ غيري مدى الترفع الذي يتعامل به بعض المتطوعين الأجانب في بلادنا مع الآخرين؟ أسأل نفسي وأنا أُدوّن، ربما أحكم من وجهة نظر المُستضعف الآن.

يتدخَّل الشاب الأجنبي في الحديث قائلاً إنني أعيش في "سوريا اللعينة"، وعليَّ اعتياد المشهد، يعزز رأيه بالقول إنني لا آبه بتضحيات المقاتلين، أنا التي تجلس ليلاً في مطعم وأنعم بالهدوء بفضلهم. "لا بدَّ أن تكوني بينهنّ"، يعني المقاتلات، مؤكِّداً، أن الكرد كلهم يجب أن يقاتلوا.

أعادني الحديث إلى تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي كنا ننتظرها حتى الظهر كي يطلّ صباحاً بتوقيت أمريكا، ليرمي علينا كعاملين وعاملات في غرف الأخبار سيلاً من الجمل التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. نحن سكان مدن "الرمل والموت"، كنا نتشبث أحياناً بأملٍ زائف علّه يبثه إلينا.

"لست مقاتلةً"، قلتها بالفم الملآن وأنا أعي أنني أكذب على نفسي لأنني أنتمي إلى جماعة (مو ضروري نقاتل بالسلاح). قلتها لأنهي الجدال المعكِّر لهدوء الجلسة، كان على هذا الأخير أن ينتهي لأن أسبابه انتهت

كنت عالقةً وقتها لشهرين في كوباني، على بعد بضع مئات من الكيلومترات المليئة بالقذائف العشوائية والرصاص الطائش عن عائلتي. شهران فقدت فيهما الطريق المختصر المارّ بالمدن التي احتُلَّت مؤخراً إلى المدينة التي أعمل فيها، وخسر فيها مئات الآلاف مدنهم. كانت الإصبع الوسطى ترتفع تلقائياً في وجه أي مدرَّعةٍ أمريكية نصادفها، وكان الهرب إلى الأمان موضوعنا الأساسي.

أذكر مدى الكره الذي لفظته وقتها، ضد من يملك جواز سفرٍ يأخذه إلى أي مكان يرغب فيه، ضد من قدم لتنفيذ مشروع فوتوغرافي في الحرب، وضد من يعدّ المكان محطَّةً لإنهاء مشروعٍ ما.

"لست مقاتلةً"، قلتها بالفم الملآن وأنا أعي أنني أكذب على نفسي لأنني أنتمي إلى جماعة (مو ضروري نقاتل بالسلاح). قلتها لأنهي الجدال المعكِّر لهدوء الجلسة، كان على هذا الأخير أن ينتهي لأن أسبابه انتهت.

أنماطٌ مختلفة متزايدة من افتراضات الهوية تجعلني لا أعرف نفسي حين أراها من زاوية معينة.

الصغيرة غادرت مع والدها، وأنا غادرت إلى بيتي. لن يحكي أحدٌ عني وعنها ولن يذكرنا أحد، لأن العالم الذي صنفنا قبلاً كأبناء دول العالم الثالث وبناته، يرانا اليوم مخلفات حرب في "سوريا اللعينة".

لست مقاتلةً

أكرر الجملة بخوف، لأنني بسذاجة من استأصلت الحروبُ عقله، أخاف من أن تكون هذه الجملة مثاليةً في زمن الحرب، أخاف من أن يكون خيار عدم مغادرة مساحتي الآمنة خيار الجبناء.

تعيدني العبارة إلى الأعوام التي صارت فيها المقاتلات الكرديات موضوعاً للإعلام الدولي؛ الجديلة والوجه الحنطي والثياب العسكرية كانت أشياء نتطلع إليها، أو على الأقل أشياء أتطلع إليها شخصياً. أقدّس النساء المقاتلات اللواتي أصادفهنَّ في أثناء التغطيات الإعلامية، أتبادل معهن ابتسامةً تقول: "أحبُّ ما تفعلين"، إلا أن أثر الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بالنسبة إليّ، ابتعدت وقتها كلياً عن الماكياج، وكنت خائفةً من نظرة "إنتي سطحية" التي سأراها في أعين من حولي، وبات الماكياج أشبه بمتعةٍ خفيَّة أمارسها ضمن مساحتي الآمنة، بين الأصدقاء الآمنين.

"لستِ جزءاً من الثورة"، يقولها لي صديقٌ صحافي أجنبي قَدِمَ إلى القامشلي لتغطية أحداث تحرير دير الزور في 2018، قاصداً أنني غير منخرطة في الأنشطة المدنية أو العسكرية التي تحصل في شمال شرق سوريا، وأقول له: "أنا جزء من ثورتي الخاصة".

"لستِ جزءاً من الثورة"، يقولها لي صديقٌ صحافي أجنبي قَدِمَ إلى القامشلي لتغطية أحداث تحرير دير الزور في 2018، قاصداً أنني غير منخرطة في الأنشطة المدنية أو العسكرية التي تحصل في شمال شرق سوريا، وأقول له: "أنا جزء من ثورتي الخاصة"

أنماطٌ مختلفة متزايدة من افتراضات الهوية تجعلني لا أعرف نفسي حين أراها من زاوية معينة. كالزيت والماء لا أندمج مع تلك الافتراضات وواثقة بأنني قادرة على حزمها كلها في دقائق، معبِّرَةً عني، لأكون مقاتلةً من وجهة نظري الشخصية، لأكون الناجية من عدد لا أودُّ إحصاءه من الحروب، الشخصية منها وذات المفهوم العام. بدأت بصورةِ دمٍ متجمِّد لمقاتلٍ أُخرجت جثته من البراد على عدسة كاميرا بسيطة عملتُ بها لفترة وجيزة، وتستمر إلى اليوم مع كل تهديدٍ لمساحتي الآمنة.

أقفز من هويَّةٍ إلى أخرى، أعرف أنني لا أستطيع الاستقرار في أيٍّ منها. لا أتماشى مع أي افتراض وأتماشى معها كلها، أنا المتمردة في عيون الأقارب، اللا مبالية في عيون الأصدقاء، الفاقدة لمعنى الحياة في عيون بعض الأصدقاء المغتربين والحالمة المتأملة بالأفضل في عيون الآخرين، وبقايا الحرب في عيون القادم من بعيد، والمتخبِطة في عيون من أحب، والمواطنة غير الصالحة في عيون السلطات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard