النصب في سوق العمل المصري... كيف يدفع المستقلّون ثمن البحث عن وظيفة؟

الخميس 16 يونيو 202204:40 م

تصاعد قلق أحمد فرحات بسبب اقترابه من سن الأربعين من دون مصدر دخل ثابت، بعد أن اختار حرفة الكتابة. ولأنه لم يكن مستعداً على المقايضة بالعمل في الكتابة، بدأ البحث عن وظيفة في مجال النشر، وتقدم لإحدى الدور متوسطة الانتشار في القاهرة، أملاً أن تجد أفكاره في التطوير فرصة للتنفيذ.

نجح أحمد في الحصول على موعد مقابلة مع مدير الدار، يقول لرصيف22: "أبدت الدار إعجاباً بمعرفتي الواسعة بعالم النشر وطلبت مني وضع خطة عمل تحريرية لتطوير الدار كاختبار لقدرتي على بلورة أفكاري في خطة قابلة للتنفيذ". قدم أحمد خطته المتفق عليها، وبعد عدة مقابلات لمناقشتها والحصول على مزيد من التفاصيل منه حولها، عاد إلى بيته منتظراً العرض المالي الرسمي بعد الاتفاق الشفهي، على أن يبدأ العمل قريباً. إلا أن ما وصل إلى صندوق بريده كان اعتذاراً عن قبوله في الوظيفة من دون إبداء أسباب.

في البداية، ظن أحمد أن هناك من قدم خطة أفضل من خطته، إلا أنه فوجئ بعد أشهر قليلة أن الدار تنفذ خطته وصولاً إلى أدق تفاصيلها، من دون أن يتقاضى هو مليماً واحداً في مقابل الخطة.

 أبدت دار النشر اهتماماً بأفكاره في التطوير وتعظيم الربحية، وطلبت منه خطة مكتوبة "على سبيل الاختبار". بعد أسابيع تلقى الكاتب الشاب رسالة اعتذار عن قبوله في الوظيفة، لكن خطته وضعت محل التنفيذ على الفور من دون أن يتقاضي عنها قرشاً واحداً 

ما جرى لأحمد فرحات تكرر مع كاتبة المحتوى سناء عيسى، 31 عاماً، التي تقدمت للعمل في إحدى شركات الترجمة والتدقيق اللغوي، وطلبوا منها مراجعة حوار صحفي من خمس صفحات، وترجمة تقرير من 400 كلمة على سبيل الاختبار. نفذت إيناس المطلوب وانتظرت الرد بالقبول أو الرفض ولكنها لم تجد أي رد. فحاولت الاتصال بهم لكنها اكتشفت بعد الاختبار أنه قد تم حظر رقمها، فأدركت هنا أن مصيرها هو مصير كثيرين يرسلون أعمالاً يظنونها اختباراً، لكنها مجرد جزء من مشروع كبير، تعاقدت عليه الشركة وتقوم بتوزيعه مجزأً على المترجمين باعتباره "اختباراً" بينما الأمر في حقيقته، هو أن الشركة استطاعت ترجمة المشروع كاملاً من دون أن تتكلف قرشاً واحداً، ومن دون أية التزامات نحو المترجمين.

لا تقف هذه الخدعة عند المترجمين والكتاب، وإنما تمتد كذلك إلى العاملين في مجالات البرمجيات وتصميم الغرافيك وكتابة أكواد تطبيقات المحمول، ومنهم أحمد عبد القائد، مهندس البرمجيات البالغ من العمر 30 عاماً والذي تقدم لوظيفة في إحدى شركات تصميم التطبيقات، وقام بتنفبذ "الاختبار" المطلوب، ولم يأته رد، ثم اكتشف مصادفة أن صديقاً له قدم على نفس الوظيفة وقام بمهمة اختبارية مختلفة. وعندما تقصى عن الأمر، اكتشف أن الشركة كان لديها مشروع تريد إنهاءه بسرعة فوزعته على المتقدمين.

 لا تقف هذه الخدعة عند المترجمين والكتاب، وإنما تمتد كذلك إلى العاملين في مجالات البرمجيات وتصميم الغرافيك وتصميم المواقع وتطبيقات المحمول

العمل الحر... لا ضوابط

 تندُر فرص العمل المنتظمة في مصر لأصحاب المهن المصنفة "إبداعية" كالترجمة والكتابة والبرمجة، برغم كونها مهناً يعمل بها قطاع واسع من الشباب المتعلم، ولكن من خلال العمل الحر الذي لا تنظمه حتى الآن أية جهة، حكومية أو أهلية، ترعى حقوقهم وتنظم سوق العمل لصالحهم. وخير دليل على غياب التنظيم، هو عدم وجود إحصاءات حول ممارسي تلك المهن. 

تقول الحقوقية عزيزة الطويل، المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن قانون العمل المصري المعمول به حالياً، شُرّع في العام 2003، ولم يحو تصوراً واضحاً للعمل الحر والعمل عن بُعد. يعني هذا أن في مصر "فراغاً تشريعياً" فيما يتصل بتنظيم العمل الحر في المهن المشار إليها، وضمان حقوق أصحابها.

أما عن إثبات علاقة العمل بين الطرفين، فقانون العمل لم يشترط وجود عقد، تماشياً مع الواقع الذي تمتنع فيه شركات بالقطاع الخاص عن توقيع عقود مع موظفيها، وتوسع القانون في طرق إثبات علاقات العمل لتضم التحويلات البنكية أو شهادة الشهود. 

الدكتور حسام لطفي المختص في حقوق المؤلف وحقوق الملكية الفكرية يقول لرصيف22 إن الملكية الفكرية "أوسع نطاقاً من مجرد حقوق المؤلف". ويوضح أن القانون المصري لا يشترط لإثبات الملكية الفكرية أن يكون المؤلف (المترجم- المصمم...) متعاقداً مع الجهة المعنية، بل يكفي أن تكون هناك مراسلات بينه وبينها تفيد بحصولها على منتجه، وقد تكون تلك المراسلات عبر البريد العادي أو الإلكتروني.

تقوم الشركات بتوزيع المشروعات مجزأة على الراغبين في العمل باعتبارها "اختبار"، وتجمع منهم المشروع وتقدمه للعميل وتتقاضى الأرباح، من دون أن تدفع لمن عملوا على المشروع أي مقابل

وينصح لطفي العاملين عبر الإنترنت بتوقيع عقود قبل تبادل أي مصنفات لهم، كما يلفت إلى "أهمية التحوط والحذر". كما يطلب من جهات العمل من شركات وعاملين مستقلين، الحفاظ على هذه الحقوق والالتزام بها والدفاع عنها.

ويعلق القانوني ياسر سعد، المحامي بالتعاونية القانونية لدعم الوعي العمالي، على انتشار "خدعة" الاختبارات التي تقوم الشركات من خلالها بإنهاء المشروعات مستغلة احتياج المترجمين أو المبرمجين لوظائف ثابتة، يقول: "ليس على طالب الوظيفة أن يقوم بعمل للشركة، ولكن المطلوب هو تقديم ما يثبت ويوضح إمكانياته وقدرته على شغل هذا العمل". لكن المحامي العمالي يدرك أن الواقع يفرض شروطاً صعبة، خاصة أن صاحب العمل يدرك تماماً الوضع الحرج لسوق العمل الحالي فيستغل ذلك. ويضيف: "بشكل عام كل أصحاب العمل لا يمكن الثقة بهم، وعلاقة العمل بالأساس قائمة على استغلال صاحب العمل للعامل في كل مناطق العالم". أما بالنسبة لمن تضيع حقوقهم بعد أداء مهمة معينة لجهة ما دون أجر فيعقب قائلاً: "العبرة في العمل بالأداء، طالما تم أداء عمل، سواء كان هناك عقد أم لا، يستحق العامل أجراً على ذلك، وفي حالة ضياع الأجر يجب التعويض، حتى لو كان بدلاً عن ساعة عمل".

وفي الفن أيضاً

المنتج الفني صبري السماك كان واحداً ممن انتبهوا مبكراً لمسألة حقوق العاملين بشكل حر في مجالات الإنتاج الفني المصور (السينما والدراما التلفزيونية والمسرح)، فسعى مع زملاء إلى تأسيس "نقابة العاملين بصناعة السينما والأفلام" وهي تضم عمال الكاميرا، وفنيي إضاءة، وغيرهم من أصحاب المهن البسيطة في مجال السينما. هذه النقابة مختلفة عن نقابة المهن السينمائية التي تشمل (شعب الإخراج، والتصوير، والديكور، والمعامل، ومونتاج، والصوت...).

 يقول السماك لرصيف22: "هؤلاء العمال يتقاضون رواتب أقل، ويعملون في مهن أكثر خطورة، وبحاجة ماسة إلى وجود ضمانة طبية أو اجتماعية للموظف، وبطاقة تعريف بهويتهم، لأنهم بدون هذه البطاقة يُكتب في هويتهم أنهم عاطلون، وهذا يؤثر على حياتهم. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وجود نقابة فعلية تدعم هؤلاء العاملين". 

تأسيس النقابات في مصر يكاد يكون مستحيلاً في ظل قوانين تضع قيوداً على التنظيم وتعتبر النقابات العمالية بالذات خطراً على أمن الدولة، وهو ما ظهر جلياً خلال الانتخابات الأخيرة للنقابات العمالية التي جرت في مايو/ أيار الماضي

شارك السماك مع عاملين آخرين في المهن الفنية المرتبطة بالإنتاج المصور، منهم محمد سرور، أحمد حمدي، حسن جاد، وغيرهم في تأسيس النقابة. ولاحقاً، اضطرت النقابة الأساسية "نقابة المهن السنيمائية" إلى دعم بروتوكل للتعاون مع هذه النقابة، بناء على ضغط مارسه أحياناً بعض أعضائها".

 تأسيس النقابات في مصر يكاد يكون مستحيلاً في ظل قوانين تضع قيوداً على التنظيم وتعتبر النقابات العمالية بالذات خطراً على أمن الدولة، وهو ما ظهر جلياً خلال الانتخابات الأخيرة للنقابات العمالية التي جرت في مايو/ أيار الماضي، وشهدت تدخلات واسعة من جهات الإدارة ممثلة في وزارة العمل ووزارة الداخلية لضمان "نتائج بعينها" للانتخابات. يقول السماك: "التاريخ علمنا أن لا شيء يأتي بسهولة، في كل ما له علاقة بالنضال بين العمال وصاحب رأس المال". بحسب السماك، فالدولة ممثلة في مجلس الوزراء وجهات الإدارة التابعة، لم تقبل تأسيس النقابة بسهولة، على الرغم من إنشائها خلال مناخ الحرية النسبي الذي شهدته البلاد عقب 25 يناير.

وعن إمكانية إنشاء نقابة شبيهة للعاملين المستقلين في مصر، أكد السماك أنه من الممكن أن يتم ذلك إذا كان هناك توافق في المصالح، وخوض المعركة القانونية المنتظرة من دون ملل إذ إن "أي شيء قابل للتنفيذ".

"الكلاينت النصاب"

 ويندا عادل، 34 عاماً، تعمل مخرجة فنية، ومؤسسة لغروب "الكلاينت النصاب" الذي يقوم على فضح العملاء المحتالين والسيئيين. قررت ويندا بعد سنوات من عملها بشكل حر، وبسبب النصب المستمر عليها، في أن تبادر إلى مساعدة العاملين بشكل حر مثلها على تفادي تلك الألاعيب التي تستغلهم كقوة عمل من دون مقابل، وذلك من خلال مجموعة على فيسبوك سرعان ما اتسع انتشارها، يتبادل فيها العاملون بشكل حر التحذير من "العملاء النصابين".

محامون حقوقيون: لا بد من إدخال تعديلات على قانون العمل تعترف بعلاقات العمل عن بُعد، والعمل "الفريلانس"، حتى يكون تحت مظلة حماية قانونيّة وقضائية

تقول ويندا لرصيف22: "كنت أرى أن الناس بحاجة إلى أن تجد شخصاً يقف في صفها، خاصة أن هناك من يخجلون من طلب حقوقهم. اكتشفت أنه طالما أنتِ فتاة وتعملين بشكل مستقل فأنت أكثر عرضة للنصب والاحتيال".

ما يميز مجموعة "الكلاينت النصاب" عن مجموعات شبيهة تقوم على فضح "العملاء النصابين" هو أن المجموعة لا تكتفي بنشر تحذيرات وبلاغات الأعضاء عن أماكن العمل والعملاء السيئيين فحسب، بل تقوم ويندا بالتواصل مع العميل/ الشركة المحتالة، لكي تسمع من الطرفين. تقول ليندا إن خطوة التواصل ينجم عنها غالباً قيام العمال برد الحق إلى صاحبه خشية الفضح، ما دام يمكن تفاديه "70% من الحالات الناس استردت حقها، وهذا هو المهم".

ويوجد على فيسبوك مجموعات عديدة يلجأ إليها المستقلون لمعرفة سمعة العميل أو مكان العمل مثل غروب Don't Work there وغيره.

وعلى عكس المتوقع تجد ويندا أنه "في كثير من الأحيان، الخطأ يكون من المُقدم على الوظيفة وليس العكس. لم تكن كل القصص التي سمعتها من العملاء فيها ظلم دائماً لذلك إن تركت المساحة لكل شخص لينشر تجاربه السيئة دون استقصاء فسيكون هناك ظلم". 

وأخيراً، تؤكد عزيزة الطويل أنه لا بد من إدخال تعديلات على قانون العمل تعترف بعلاقات العمل عن بُعد، والعمل "الفريلانس"، حتى يكون تحت مظلة حماية قانونية وقضائية، وأنه يمكن أن تتبنى منظمات المجتمع المدني مشروع القانون، "كما يمكن للمواطنين حشد جهودهم وجمع التواقيع والتقدم بمقترح قانون لمجلس النواب"، وإن كان يصعب ذلك عملياً في ظل القلق الأمني من أية محاولة للتنظيم.

 وتنصح الطويل العاملين بشكل حر باتخاذ الحيطة والتأكد من أنه يوجد ما يفيد أن هناك علاقة عمل من خلال الاحتفاظ بالتكليفات أو رسائل البريد الإلكتروني أو أن يكون هناك شهود لإثبات علاقة العمل.

 ويضيف ياسر سعد أن كل ما يمكننا فعله هو أن نطالب الدولة بأن تقوم بتغليظ العقوبات في تشريعاتها، للشركات التي تطالب المتقدمين بالقيام بعمل دون أجر واستغلالهم، وأن تتحرك كذلك مكاتب القوى العاملة (مكاتب العمل) للقيام بوظيفتها الأساسية في حماية العاملين لا صاحب رأس المال، مختتماً: "الدولة في يدها فعل ذلك أم المواطن العادي فليس في يده الكثير لأنه في النهاية صاحب حاجة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard