"حلمنا أن نحيي حفلة كبيرة بدخول مجاني في ساحة الكتيبة في غزة"... فرقة صول الفلسطينية

الثلاثاء 21 يونيو 202211:00 ص

تكاد تكون نادرة جداً هي الحالات التي يجتمع فيها الجمال، الحب، الفرح، والصمود في قالب واحد، لكن كثيراً ما تجتمع هذه الحالات داخل بقعة جغرافية محاصرة من كل الجوانب، اسمها "غزة"، التي لا تشكل مقاومتها على البقاء فضولاً لدى المحتل فقط، بل أيضاً تستفز قريحة  كارهي الحياة الآيلين إلى الاستسلام، وفي ذات الوقت تنثر بذور الأمل بأن على هذه الأرض، أي أرض غزة تحديداً، ما يستحق الحياة.

شعب غزة، الذي بدأ في السنوات الأخيرة، خصوصاً فئة الشباب، بالتصدير للآخر، أي كل شخص خارج حدود غزة المحاصرة، وجهاً جديداً للغزيين، مختلفاً عن الصورة النمطية التي أنتجتها الحروب وأشلاء الشهداء وركام المباني المحطمة هناك، وجه يشبه روح الغزة الجميلة العنيدة والعاشقة للحب، تماماً مثل أعضاء فرقة "صول" الذين أجرى رصيف22 مقابلة معهم أثناء تواجدهم في العاصمة الأردنية عمّان، قبل موعد حفلتهم بيوم واحد.

نوتات بألوان مختلفة

فور دخولنا لقاعة البروفا التي كانت تتدرب فيها فرقة "صول" عشية حفلها في عمّان، صادفتنا وجوه مختلفة الملامح، لكن تتلاقى جميعها على نوتة إيقاعات الموسيقى التي كانت تعزفها الفرقة، فالشاب فارس عنبر، ذو الشعر "المنفوش" الكاجوال، ورسوم التاتو على يده التي تضرب على آلات الإيقاع، والشاب سعيد فضل، عازف الكيبورد، الذي يحمل لون شمس بحر غزة، وذو الستايل "العبثي"، ومغني الفرقة حمادة عماد، ذو طبقة الصوت التي تطفو على جسده النحيل وشعره "الترندي"، والشابة المغنية رهف الشمالي، التي تشبه شجرة ليمون تزين حديقة الياسمين بوقفتها وثباتها وجمالها، جميعهم مختلفون بالملامح، متشابهون بالحلم، حلم الفرح والحرية.

بعد انتهاء البروفا، وتحديداً على عتبة بوابة مبنى المدرسة التي كانت فرقة "صول" تؤدي بروفاتها هناك، جلسنا برفقة أعضاء الفرقة، ونجحنا بكسر حاجز اللقاء الأول، ولعل عفويتهم هي التي نجحت بجعل المقابلة تسير بطريقة سلسلة، تشبه أحاديث الأصدقاء في مقهى شعبي أو على ناصية شارع ثقافي تعج به أصوات الموسيقى، وأول من كسر جمود الدقائق الأولى كان حمادة عماد الذي بدأ تعريفه بالفرقة بأنهم: "نحن أصدقاء منذ الطفولة. لم نعلم مسبقاً أن صداقتنا ستتحول على شكل فرقة، ولم ندرك بأن حفلاتنا التي سنؤديها في حفلات المدراس وحفلات الأقارب في غزة ستتجاوز الحصار وتغني في مسارح أوروبا، واليوم في عمّان".

"لأن الفن رسالة، ونحن أبناء قضية، وواجب علينا أن نوصل للعالم من خلال الفن القضية الفلسطينية، وندحض الصورة النمطية عن أهل غزة بأنهم لا يحبون الفن، على العالم أن يدرك أن الفن مقاومة أيضاً" فرقة صول

ويقول: "كنا أصدقاء، يجمعنا حب الفن والموسيقى، وأذكر عندما كنا في عمر الخامسة عشر، أي في العام 2012، كنا نتردد أنا وفارس على منزل سعيد، حيث والده ملحن ويؤدي الغناء، وهو صاحب الفضل الأول باعتباره حاضنة لمواهبنا. كان يدربنا ويرشدنا ويشجعنا"، ويضيف: "جمعتنا السهرات والأرجيلة في منزل سعيد، وخرجنا منه فرقة موسيقية". يضحك حمادة.

"وجدنا أنفسنا فرقة بدون أن ندري"، يقول حمادة، وهنا تطرقنا إلى تحدي الشيء غير المألوف في غزة فيما يتعلق بولادة فرق موسيقية من قلب مكان محافظ، ويبين: "خروج فرقة تضم مجموعة من الشباب يعزفون ويغنون حفلات لايف، هو مشهد غير مألوف في غزة، خصوصاً أن توقيت ظهورنا تزامن مع أحداث مفصلية: حربان على غزة، انقسامات سياسية بين حماس وفتح، تصعيد للمقاومة، وعمليات عسكرية. كل ذلك كان تحدياً يصعب على أي جهة أن تدعمنا، لكن ما جعلنا صامدين أمام كل تلك العواصف قوة صداقتنا، فالموسيقى هي لمسة صداقتنا الروحية".

وبالفعل، متانة العلاقة بين صفوف الفرقة، كما يستكمل حمادة، نجحت في إيصال فرقة "صول" في تلك الفترة لإنتاج برنامج "وصلة" الذي صنعوا من خلاله ثلاثين أغنية وثلاثين فيديو كليب، والذي يهدف إلى "تجديد الهوية الفلسطينية للأغاني التراثية بأسلوب جديد"، بحسب ما قاله حمادة.

في تلك الفترة كانت أعضاء "صول" قد أتموا دراستهم الجامعية، لكن بعدها كما يقول حمادة: "لم نشعر أن تربة غزة تربة خصبة لتكبر شجرتنا، لأن لتطوير حلمنا كفرقة صول في الاستمرار والوصول إلى العالمية، لذلك ضربنا عصفورين بحجر وذهبنا إلى تركيا للدراسات العليا، وفي ذات الوقت نعيش في مكان يهيء لنا سبل تطوير أنفسنا والتفكير بالقادم".

"هناك روح شبابية جديدة تعشق الفن في غزة"، يقول حمادة عند الحديث عن الشباب الغزي والفن، ويقول: "كنا كشباب متعطشين لظهور شخصيات فنية من غزة، والشخصية الوحيدة التي نجحت في ذلك الفنان محمد عساف، الذي برأيي فتح الباب لنا وتركه مفتوحاً".

أما عن رهف الشمالي، التي تحولت بصدفة جميلة من القدر من معجبة "فان" لفرقة "ًصول" إلى مغنية فيها، سردت لنا تجربتها: "عندما أنشىء مركز سيد درويش لتعليم الموسيقى، كانت فرقة صول تدرب الملتحقين في المركز، وفي ذلك الوقت كانت تنحصر موهبتي في الغناء بفرقة الكورال في مدرستي".

"كنا كشباب متعطشين لظهور شخصيات فنية من غزة، والشخصية الوحيدة التي نجحت في ذلك الفنان محمد عساف، الذي فتح الباب لنا وتركه مفتوحاً" فرقة صول

وتضيف: "التحقت بمركز سيد درويش، وجمعتني الصدفة بحصة مع فرقة صول، حينها.."، هنا قاطعها حمادة بطريقة مشاغبة وقال: "يومها غنت رهف يا حلاوة الدنيا يا حلاوة، يا حلو لو يا حلااااوة"، وسط مشاركة باقي الفرقة واحمرار وجه رهف خجلاً وثقة في آن واحد.

تحديات ونجاحات

سألنا رهف: لا شك أن هناك تحديات تشمل كافة أعضاء فرقة صول كونها فرقة من رحم مكان صعب جداً من جميع النواحي، لكن بالتأكيد هناك تحديات مضاعفة لك كونك فتاة، ما رأيك؟ أجابت رهف: "بالتأكيد التحدي بالنسبة لي أكبر وأصعب، فأنا فتاة أغني وسط مجموعة شباب، وهذا شيء غير معروف وغير مقبول في غزة، سواء من الأهل، المجتمع والحكومة، لكنني في نهاية المطاف استطعت أن أنتصر على كل ذلك من أجل أن أقوم ما أريد القيام به، والحمد لله نجحت".

لكن الفترة الأكثر صعوبة، بالنسبة لرهف، كانت بعد الحملة الشرسة التي طالت فرقة "صول" في العام 2012 التي وصلت إلى حد "تحريم" الفرقة، وتعرض أعضائها للتهديدات، بالأخص بالنسبة لرهف، وهنا تتحدث عن تلك التجربة: "كانت مرحلة قاسية، خصوصاً أنني كنت وحدي في غزة وباقي الفرقة في تركيا، وصلتني تهديدات وتخويفات أجبرتني في مرحلة من المراحل بالتفكير عن العدول عن الاستمرار في الغناء من جراء حجم الضغوطات النفسية والخوف الذين اجتاحوني، لكن بعد قرابة شهرين من الحادثة استطعت أن أعود من جديد وأقف شامخة وأغني".

سألنا سؤالاً عاماً للفرقة حول ما إذا كانت "صول" تنحصر في أعمالها في إعادة الأغاني التراثية فقط، هنا بادر سعيد فضل بالإجابة، بالرغم من أن يوحي بأنه شخص خجول أو "لا يحب الحديث للصحافة"، لكن سرعان ما فند تلك الصورة عنه بجرأته وذكائه وحتى خفة ظله في الحديث، وأجاب: "لا، لسنا محصورين بإعادة غناء الأغاني التراثية، حيث قدمنا أغاني خاصة لنا مثل أغنية (خليك) التي تحاكي الشباب الغزيين وتشجعهم على ألا يقبروا أحلامهم في ظل ظروف حياة الحرب والحصار، وأن يتحلوا بالأمل والتفاؤل والفرح، فإصرارنا نحن كـ صول مثلاً هو سبب استمرارنا".

وأضاف سعيد: "صول فرقة فلسطينية غزاوية، وواجب علينا بأن نبدأ مشوارنا الفني بأعمال تراثية وطنية"، هنا قاطعته وسألته لماذا وصفت ذلك بـ"الواجب؟"، وأجاب: "لأن الفن رسالة، ونحن أبناء قضية، وواجب علينا أن نوصل للعالم من خلال الفن القضية الفلسطينية، وندحض الصورة النمطية عن أهل غزة بأنهم لا يحبون الفن، على العالم أن يدرك أن الفن مقاومة أيضاً".

"نحن عندما نقول ناضلنا حتى نستمر، لا نقول شعارات"، يقول سعيد، ويضيف: "يكفي أزمة انقطاع الكهرباء في غزة، ولك أن تتخيلي كيف لها تأثير كبير علينا كفرقة ونحن نتدرب في الاستودياهات، ناهيك عن المجتمع والحكومة وكل القيود، لكن رغم كل ذلك نجحنا في أن نقطع شوطاً طويلاً... ووصلنا".

لماذا اخترتم عمّان؟ سألنا فارس عنبر، فأجاب: "عمّان هي حلم لنا  كصول أن نغني فيها، وهي الشق التوأم لفلسطين، وأعلم أنا لدينا قاعدة جمهور عربي يحبنا، لكن صدقيني الأردن والشعب الأردني غير، لا تتخيلين حجم شغفهم في دعمنا وتشجعينا، رأينا ذلك بأم أعيننا في حفلات أديناها في الخارج".

وأضاف: "اخترنا أن نغني في أولى أيام مهرجان (هذه مدينتي) في العاصمة عمّان، والذي يخصص أعماله لدعم القضية الفلسطينية، حتى نروي من خلال أعمالنا الفنية قصة غزة التي سطرت للعالم، خصوصاً بعد أحداث حي الشيخ جراح، فصلاً جديداً يعكس صدق القضية الفلسطينية، عندما نتحدث أنها قصة لن تنتهي إلا بعد نيل الحرية".

حلمنا؟ أجابوا بصوت واحد وهم ينظرون إلى بعضهم البعض بعين الحب في ختام مقابلتنا معهم، وحلم سعيد بحسب قوله: "القنبلة"، هنا فسر: "أعني الحفلة الكبيرة بحجم القنبلة التي نحلم بأن نؤديها في غزة"، هنا قاطعه حمادة الذي يشاركه نفس الحلم ويقول: "أن نحيي حفلة كبيرة بدخول مجاني في ساحة الكتيبة في غزة، وعلى الواقف كمان".

فيما يرى فارس أن "الحلم لا حدود له، لكن الجميع يلتف حول هدف واحد: أن نوصل رسالتنا التي ضحينا من أجلها منذ طفولتنا"، أما رهف فقالت وهي تتلفت بين زملائها بالفرقة: "حلمي من حلمهم.. وجودي معهم كان حلم وتحقق واليوم أشاركهم كل أحلامهم".

وفي حلفة "صول" التي أقيمت يوم الأحد الماضي في المركز الثقافي الملكي بتنظيم من مبادرة "هذه مدينتي" وحضرها رصيف22، تحولت قاعة الحفل إلى ساحة هتاف من قبل الجمهور، الذي جمع بين كل من جيل النكبة، النكسة، الانتفاضة، وأحداث حي الشيخ جراح، حيث بمجرد أن أطلت الفرقة على المسرح وفاجأت الجمهور باستهلال حفلها بأغنية "موطني"، اجتمعت الهتافات والزغاريد والتعاليل والدموع والقفز من الفرح في الأجواء.

وقدمت "صول" لمدة ساعة وربع، في الحفل الذي رعته الفنانة الأردنية جولييت عواد، مجموعة من الأغاني الوطنية منها: "شدوا الهمة، أناديكم، غزة يا بلد المجد، بكتب اسمك يا بلادي" وغيرهم، كما قدمت أغنيتها الخاصة "خليك".

وكانت مفاجأة الحفل تقديم أغنية من تأليفهم، إهداء لروح الشهيدة الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة جاء فيها: "محلا شيرين عروس الفلسطينية، غزة وجنين والقدس العربية، عشتي حرة وشرفتي كل بلادي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard